أتر

كردفان: موسم زراعي يدنو من الفشل وسط العمليّات الحربية

أحدثت المعارك العسكرية الدائرة في إقليم كردفان، بولاياته الثلاث، أثراً بالغاً على قطاع الزراعة المطرية التي يُفترض أن يشرع المزارعون فيها خلال مايو الماضي، وهي الفترة الزمنية التي انتقلت فيها جبهة القتال من الخرطوم والنيل الأبيض إلى كردفان، ما تسبَّبَ في تعطيل الزراعة في عدة مناطق من الإقليم، ورفع كلفتها في مناطق أخرى.

وقد تعطّلت مراحل الزراعة المطرية في مناطق مُهمَّة مثل ولاية غرب كردفان التي اشتُهرت بأنها من أهم مناطق إنتاج الدخن وحب البطيخ والفول السوداني والكركدي. وتوقّف آلافُ المزارعين عن ممارسة النشاط الزراعي بالنهود والخوي وغبيش وأبوزبد والفولة وبابنوسة، والأخيرة نزح سكّانها جميعاً.

وخرج مزارعو مناطق زراعية مهمة في جنوب كردفان في محلية القوز والحمّادي بلا عائد من الموسم الزراعي الحالي الذي أوشك على نهايته، بسبب اندلاع المعارك العسكرية بين الدعم السريع ومتحرّك الصياد التابع للجيش السوداني، الذي تمكّن في مايو من العام الجاري من الوصول إلى الدبيبات ودحر الدعم السريع منها، قبل استعادة الأخيرة سيطرتها عليها من جديد بجانب الحمادي وكازقيل المتميّزة بأنها منطقة رعي وزراعة فائقة الأهمية.

حاولنا جاهدين أن لا نخرج من الموسم الزراعي، وتمكنّا من زراعة مساحات معقولة كانت تكلفتها المالية باهظة، ورغم أنها أنتجت محصولاً غير قليل، لكنّ الأسعار لا تساوي نصف قيمة تكلفة الزراعة والحصاد.

يقول أحمد عبد النبي، وهو مزارع من مدينة النهود بغرب كردفان، إنّ الموسم الزراعي فشل كلياً بالولاية التي تعدّ من أهم مناطق الإنتاج بالسودان. ويضيف عبد النبي لـ«أتَـر»، موضحاً أسباب فشل الموسم الزراعي في غرب كردفان: «مع بدء التحضير للزراعة هجمت الدعم السريع على المنطقة وسيطرت على النهود واجتاحت عشرات القرى التي يمثّل سكّانها الرافعة الأساسية للزراعة».

وعقب هجوم الدعم السريع، نزح أغلب المزارعين من القرى والمدينة نحو الأُبيّض والمناطق ذات الأمان النسبي. ولأنّ الدعم السريع أحكمت سيطرتها على المنطقة، لم يرغب المزارعون النازحون في العودة إلى ديارهم واللحاق بموسم الزراعة في مناطقهم، لأن المحاصيل والتقاوي التي كانت في مخازن التُجّار والمزارعين تعرّضت بدَورها لعمليات نهب وسرقة ممنهجة، وهو ما جعلهم غير راغبين في ممارسة أي نشاط زراعي خشية حالة الانفلات الأمني في المنطقة، وفقاً لعبد النبي.

ورغم حالة عدم الاستقرار، وتفشّي السطو والنهب المسلح، اضطرّ عددٌ ليس بالقليل من المُزارعين بغرب كردفان إلى زراعة أراضيهم وتكبّدوا المشقة في توفير الوقود للزراعة والحصاد، ودفعوا تكاليف باهظة في العمليات الزراعية، لكنهم فوجئوا بانخفاض كبير في أسعار المحاصيل الزراعية، وفقاً لإفادة إبراهيم عبد الله، وهو مزارع من النهود. وقال في حديثه لـ«أتَـر»: «حاولنا جاهدين أن لا نخرج من الموسم الزراعي، وتمكنّا من زراعة مساحات معقولة كانت تكلفتها المالية باهظة، ورغم أنها أنتجت محصولاً غير قليل، لكنّ الأسعار لا تساوي نصف قيمة تكلفة الزراعة والحصاد».

على ضعف أسعار السمسم والفول لا يوجد مُشترون، فالمنطقة واقعة تحت سيطرة الدعم السريع، ولا تُوجد بها بنوك ولم تَدْخُلْها شركات، والتجار لن يجازفوا بأموالهم، لأنها يمكن أن تتعرّض للنهب في ظلّ حالة الانفلات الأمني الجارية في المنطقة منذ مايو الماضي.

ويضيف إبراهيم: «تجاوزت تكلفة زراعة المخمس الواحد 250 ألف جنيه، وحالياً يتراوح سعر قنطار السمسم بين 70 و80 ألف جنيه، ويبلغ سعر قنطار الفول 50 ألف جنيه، ولو أضفنا فرق سعر العملة وتراجع الجنيه أمام الدولار، نجد أن الإنتاج لا يساوي ربع قيمة تكلفته حالياً». ويستطرد: «على ضعف أسعار السمسم والفول لا يوجد مُشترون، فالمنطقة واقعة تحت سيطرة الدعم السريع، ولا تُوجد بها بنوك ولم تَدْخُلْها شركات، والتجار لن يجازفوا بأموالهم، لأنها يمكن أن تتعرّض للنهب في ظلّ حالة الانفلات الأمني الجارية في المنطقة منذ مايو الماضي».

ويَصف مُزارعٌ من الدبيبات التابعة لولاية جنوب كردفان، وهي منطقة تُشتَهر بزراعة الذرة والفول، ما جرى هذا العام بـ«الكارثة»، ويقول مُتحدِّثاً لـ«أتَـر»، إن المزارعين بمحلية القوز التي تقع الدبيبات ضمن إداريتها لم يتمكّنوا من الزراعة للموسم الثالث، لكن في العام 2023 كان الوضع أقل ضرراً لأنّ الدعم السريع كانت تُسيطر على المدينة وحدها، ولم تحدث عمليات سرقة ونهب واسعة في القرى والريف عموماً؛ وكان العام 2024 يشبه العام الذي سبقه. لكن في العام الجاري، ومع نشاط العمليات العسكرية، ووصول متحّرك الصياد إلى المنطقة وطرد الدعم السريع وعودتها للمرة الثانية، وتراجُع الجيش إلى تخوم الأبيض؛ حدثت انتكاسة فادحة في الوضع الأمني، وجرى تهجير مُتعمّد للمزارعين وتدمير التقاوي والقضاء على مناطق الإنتاج، لذلك لم يتمكّن أي مزارع من الزراعة، ما أوقف العملية الزراعية في مناطق واسعة كانت مصدراً للإنتاج الوفير، وخَلَتْ من النشاط الزراعي لأول مرة منذ سنوات طويلة.

وينطبق الأمر على مناطق واسعة بشمال كردفان جهة محلية الرهد، فرغم هطول أمطار غزيزة، لم يستطع المزارعون استغلالها خشيةً من الانفلات الأمني، وتجنبوا التوسّع في الزراعة، واكتفى أغلبهم بزراعة مساحات ضئيلة للاستهلاك الشخصي.

لا يمكن للمزارع أن يعمل في منطقة لا يتوفر فيها الأمن وتتفشى فيها جرائم النهب والسرقة بنحو لا يُوصف منذ أكثر من سنتين.

يقول أحد المزارعين من الرهد لـ«أتَـر» إن العمليات العسكرية وتبادُل طرفي الحرب السيطرة حول المدينة، وحالة عدم الاستقرار والانفلات الأمني، قد دفع كثيراً من المزارعين للإعراض عن الزراعة خوفاً من التعدي عليهم وقتلهم ونهب ممتلكاتهم. ويتابع المزارع السابق: «لا يمكن للمزارع أن يعمل في منطقة لا يتوفر فيها الأمن وتتفشى فيها جرائم النهب والسرقة بنحو لا يُوصف منذ أكثر من سنتين».

ويُعدّ الوضع في الجزء الشرقي من ولاية شمال كردفان أقلّ توتراً وأكثر أمناً مما يجري في المناطق الأخرى، لكن رغم ذلك تحمَّل المزارعون كثيراً من تكاليف الإنتاج، بسبب غلاء أسعار التقاوي والوقود ونظافة الأرض، وبعد الحصاد تدنّت الأسعار على نحوٍ غير متوقّع، لدرجة أن الحصاد لا يُعوِّض نصف التكلفة، وفقاً لأحمد عبد الباقي وهو مزارع من ضواحي أم روابة، قال لـ«أتَـر»، إنهم زرعوا بتكلفة عالية للغاية، وكان سعر ملوة الفول 17 ألف جنيه وبلغت تكلفة نظافة المخمّس الواحد وبذر البذور 50 ألف جنيه، وإعادة نظافته للمرة الثانية «الجنكاب» 80 ألف جنيه، وحصاده 50 ألف جنيه، واليوم سعر قنطار الفول 100 ألف جنيه، والسمسم 100 ألف جنيه فقط، علماً بأن مخمس الفول تجري زراعته بعَشر مَلوات فول.

ويضيف أحمد: «لو استصحبنا انخفاض سعر العملة مع تكاليف الزراعة، نجد أن المزارعين يخسرون حوالي النصف من تكلفة الإنتاج، وذلك لأنه لا توجد شركات تشتري المحصول، والدولة لم تتدخّل في الأمر، واضطر المزارعون لبيع محصولهم بهذه الأسعار المُنخَفِضة لتسديد خسائرهم فقط».

ويَستطرد أحمد: «من غير المقبول أن يكون سعر قنطار السمسم أو الفول أقل من 25 دولاراً، هذه أسعار لا يمكن القول إنها غير مُجزية وحسب، إنما هي خسارة بائنة للمزارعين الذين أنفقوا مدّخراتهم ولم يجنوا سوى الخسارة الفادحة». ويُلقي أحمد باللوم على الدولة التي قال إنها كان ينبغي أن تقوم بواجبها وتتولّى مسؤوليتها تجاه المزارعين، بأن تُساعد في جلب شركات لشراء المحاصيل الزراعية على الأقل، حتى لا يلحق الضرر المادي بالمزارعين.

يتوقّع التجّار أن تنخفض الأسعار أكثر لأنّ الجنيه لا يزال يوالي الهبوط أمام الدولار، وخلال ثلاثة أشهر هبط من 2800 جنيه للدولار الواحد إلى 3700 جنيه في الوقت الحالي، وهو ما قد يتسبّب في خسائر فادحة للتجّار.

وفضلاً عن تأثُّر مناطق إقليم كردفان بالعمليات الحربية، تأثَّرت مناطق أخرى متاخمة لولاية شمال كردفان، وتتبع إدارياً للنيل الأبيض؛ فلأول مرّة لم تدخل سوق المحاصيل الزراعية في تندلتي بولاية النيل الأبيض، والمتاخمة لشمال كردفان، خلال هذا الموسم، أي شركات أو رؤوس أموال كبيرة. ويقول تاجر محلّي بسوق تندلتي لـ«أتَـر»، إن التجّار المحلّيين ليست لديهم أي جهة للتصدير ويشترون المحاصيل في الوقت الحالي بأسعار متدنّية ويخزنونها على أمل أن ترتفع الأسعار.

ويتوقّع التجّار أن تنخفض الأسعار أكثر لأنّ الجنيه لا يزال يوالي الهبوط أمام الدولار، وخلال ثلاثة أشهر هبط من 2800 جنيه للدولار الواحد إلى 3700 جنيه في الوقت الحالي، وهو ما قد يتسبّب في خسائر فادحة للتجّار.

تاجر آخر من تندلتي يقول لـ«أتَـر»، إنّ المزارعين المقتدرين أصبحوا يبيعون محاصيلهم للتجّار بأسعار مؤجّلة بأن يزن المزارع إنتاجه للتاجر ويتفق معه على الحساب في ما بعد، بظنّ أنّ الأسعار سوف ترتفع وهي عملية فيها بعض المخاطرة بالنسبة للمزارع.

وبجانب تأثير انخفاض سعر العملة على المحاصيل، تأثَّر السوق منذ أيام بمجريات العمليات العسكرية الحالية في كردفان. ويقول عدد من التجار في شمال كردفان  لـ«أتَـر»، إنه مع تهديد الدعم السريع بالوصول إلى الأُبيّض والنيل الأبيض تراجَع الإقبال على شراء المحاصيل الزراعية.

Scroll to Top