أتر

حرمان من التعليم: كيف حوَّلت الحرب وعدم المساواة التعليمَ إلى سلاح موجَّه ضدّ الجيل القادم

لم يكن التعليم في السودان خدمة أساسية فقط، إنما كان أيضاً وسيلة لتحديد من يملك حقّ ممارسة السلطة في المجتمع، وبأي الطرق يُمارسها. أثناء الحقبة الاستعمارية، شغل خريجو كلية غردون جزءاً من جهاز الدولة، إلى أن أصبحوا لاحقاً من نُخب الحكم عشيَّة الاستقلال. استمرّ هذا الإرث ليشمل من درسوا في جامعة الخرطوم في باكورة الاستقلال، فقد تولُّوا وتحكَّموا في مواقع القيادة السياسية ومفاصل السُّلطة. واليوم، في خِضمِّ حربٍ مضادَّةٍ للثورة، تَستهدف فيها جميعُ القوى المسلحة المدنيِّين، تُستأصل مسارات التعليم على نحوٍ منهجي من أمام عامَّة الناس. ورغم أن الحديث عن التعليم في لحظةٍ يتفاقم فيها العنف يبدو ترفاً – فمن ذا الذي يستطيع الدراسة بينما يتضوّر آخرون جوعاً أو يُقتلون؟ – بَيد أنّ الخوض في التعليم الآن هو ضرورة، لأن تجاهله، عند انتهاء الحرب، سيؤدّي إلى تطبيع أوضاعٍ جديدة؛ تُكرِّس منهجياً حصرية التعليم في يد قلة، وتقيِّد قدرة المجتمع على الفعل الاجتماعي والسياسي.

جذور الأزمة الراهنة

يمكن ردُّ الظروفِ التي نجم عنها الوضع الراهن إلى إصلاحات التعليم في أوائل تسعينيات القرن الماضي مع بداية عهد الإنقاذ. وقد جذبت إصلاحاتهم في التعليم العالي انتباهاً كبيراً، فقد ألغوا استقلالية الجامعات، وتوسّعوا في إنشاء مؤسسات التعليم العالي مع خفض التمويل، ما جعل الأساتذة غير قادرين على تقديم تعليمٍ ذي جودة. وبعد عقدٍ من الزمان، أعقب تلك الإصلاحات إنشاءُ مؤسّسات التعليم العالي الخاصة، الأمر الذي نتج عنه ظهور نظام تعليمي غير متكافئ؛ يحصل فيه مَن يملكون الوسائل على تعليمٍ أفضل، بينما يتلقَّى من لا يملكونها تعليماً في مؤسّساتٍ مُنهكة من هيئات تدريس غير مدعومة. صحيحٌ أنّ أعداداً كبيرةً من الشباب قد تحصّلوا على شهادات جامعية، غير أن بيئات الدراسة اتَّسمت بعدم المساواة على نحو لم تشهده الجامعات في ما مضى.

ولم تكن التغييرات التي طالت التعليم الأساسي والثانوي أقلّ خطورة على المدى الطويل. لقد أُحيلت مسؤولية التعليم الأساسي إلى مستوى المحليات، بينما ظلّ التعليم الثانوي تحت إشراف الدولة. ورغم تبرير ذلك بذريعة التوجّه نحو النظام الفيدرالي وتفويض السلطات، نقل هذا الإجراءُ العبءَ المالي عملياً من الحكومة المركزية إلى الولايات والمحليات. كان مُفترضاً أن تجمع الولايات والمحليات مواردَها الخاصة، وبعد تحويل جزء منها للحكومة المركزية، تُنفِق ما تبقى على مدارس أطفالها. وقد كرَّس هذا الشكل شبه المُخصَّص للتعليم التفاوتات بين المناطق. ومع غياب الموارد الكافية لتمويل المدارس، شرعت المدارس الحكومية – التي كانت مجانية أو شبه مجانية – في فرض رسومٍ جمَّة على التسجيل، والجلوس للامتحانات، والمستلزمات المدرسية. وفي المقابل، استطاعت الولايات والمحليات الأكثر ثراءً، والتي تضمّ غالباً نسبة كبيرة من خريجي المرحلة الثانوية والجامعات، أن تستثمر في التعليم مادياً. أما الولايات والمناطق الأكثر تهميشاً، فقد كانت مواردها محدودة، وشهدت حروباً على مدار السنوات اللاحقة.

لم تُدخِل هذه التغييرات عدم المساواة إلى النظام التعليمي، لكنها غيَّرت طبيعة هذه التفاوتات. في الحقبة الاستعمارية وبدايات الاستقلال، كان التعليم امتيازاً تُحدِّده البيئة الجغرافية والمكانة الاجتماعية، بحكم محدودية البنية التحتية التعليمية، لا سيما في المرحلتين الثانوية والجامعية. ومع ذلك، وبمجرد قبول الطالب، لم تعُد الأسر مضّطرةً لتحمُّل نفقات طائلة ما دام أبناؤها قادرين على التفوّق. أما النظام الجديد، الذي وسَّع نطاق التعليم ليصل إلى مجتمعات عديدة، فقد عمَّق الفوارق المناطقية؛ إذ أصبح بإمكان عدد أكبر من الطلاب الالتحاق بالتعليم، غير أن معظمهم من مناطق تتمتَّع سلفاً بامتيازات.

كذلك أدخل النظام تدرُّجات جديدة في عدم المساواة بين من يحصلون على التعليم نفسه. لم يَعُد السؤال يقتصر على إرسال الطلاب إلى المدارس، إنما أيضاً، بخاصةٍ في المدن، إلى أي مدرسة؟ وما جودة التعليم فيها؟ وتزداد شِدَّة هذه الخيارات كلما تقدَّم الطلاب في مراحلهم الدراسية، مع تنوّع الخيارات بين الدراسة في ولاياتهم أو في الخرطوم، وبين الجامعات الحكومية والخاصة، مع إدراك الأسر حقيقة أن هذه القرارات من شأنها أن تحدِّد المسارات المستقبلية والفرص لأبنائها. وتزامَن ذلك مع إفقارٍ واسعٍ للمعلمين.

على مستوى الجامعات، جاء التوسُّع في التعليم العالي مصحوباً بتدهور رواتب الأساتذة، ما صعَّب عليهم تأمين احتياجاتهم الأساسية. أما الجامعات الخاصة، رغم جودة تعليمها أحياناً، فقد اعتمدت على تعاقدات هشّة، ما خلق حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي. وفي التعليم الأساسي والثانوي، كانت الرواتب أدنى من خطّ الفقر الدولي حتى قبل الحرب، ولم تلحق بالتضخّم مطلقاً. ومع انخفاض الأجور، أصبحت مهنة التعليم أكثر نسوية؛ إذ بلغت نسبة المعلِّمات بحلول عام 2019 أكثر من 70%. وقد استُخدمت «نَسْوَنة» التعليم هذه لاحقاً مبرِّراً لضعف الرواتب وسوء ظروف العمل.

الثورة والانقلاب والتعليم

تعرَّض هذا النظام كلّه لضغط شديد مع نهايات نظام الإنقاذ، وازداد ذلك الضغط بعد ثورة ديسمبر. مع بداية الثورة، أُغلقت الجامعات سريعاً، تبعها إغلاق المدارس الثانوية. وفي ظلّ تصاعد التظاهرات؛ أُغلقت حتى المدارس الأساسية في كثير من الأحيان. ولم تُستأنف الدراسة في الجامعات الحكومية إلا بعد توقيع الوثيقة الدستورية [في أغسطس 2019]، كما استقرّت الدراسة في معظم المدارس. إلا أنّ التحديات استمرت، إذ أدّت جائحة كورونا لاحقاً إلى إغلاق المدارس والجامعات لفترات طويلة.

كذلك أحدث انقلاب 2021 اضطراباً جديداً؛ فعلى الرغم من بقاء الجامعات مفتوحة، أدَّى قطع الإنترنت وإضراب هيئة التدريس في جامعة الخرطوم إلى تعطُّل العملية التعليمية. وأدَّت الاحتجاجات في الخرطوم ومدن أخرى إلى الإغلاق المتكرّر لمدارس الأساسي والثانوي. أما في دارفور والنيل الأزرق، فقد تسبَّبت النزاعات والاضطرابات حينها في إغلاق المدارس وتشريد الطلاب.

كانت هذه التقلّبات قاسية على الطلاب في جميع المستويات. كثيرون يعرفون طلاباً جامعيين، خاصة في الجامعات الحكومية، قضوا سبع أو ثماني أو حتى عشر سنوات لإكمال برنامج دراسي مدته خمس سنوات، دون ذنبٍ اقترفوه. إلا أنّ التحدِّي الأكبر لم يكن يواجه «الجِيل الرَّاكب راس» الذي قاد الثورة، وإنما لإخوتهم الأصغر، ممن واجهوا تهديداً وجودياً لحقهم في مواصلة مسارهم التعليمي أساساً.

والحال هكذا، فقد تحمَّلت مجموعة من الطلاب الذين كانوا في الصف الثالث عام 2018 عبء انقطاع وتأخير طويل في التعليم، طيلة أربع سنوات ونصف، ما أخَّر انتقالهم إلى الصفوف اللاحقة واستكمال المرحلة الأساسية إلى الصف الثامن. وخلال ذلك، انقطع كثيرون عن المدرسة لفترات طويلة، وكانوا – حتى أثناء الدراسة – يفقدون أياماً أسبوعية كاملة بلا إنذار، خصوصاً في المناطق الحضرية. أما في المناطق الريفية، فقد مُنع الطلاب من الدراسة لسنوات بفعل النزاعات وتأخُّر دفع رواتب المعلمين؛ ثم لم يُمهَلوا طويلاً، حتّى اندلعت حرب 2023، وعلى إثرها خسر أغلب الطلاب أي إمكان للتعليم إطلاقاً.

السعي إلى التعليم في زمن الحرب

فاقم اندلاع حرب أبريل 2023 هذه المشكلات إلى حدِّ الانهيار. فقد فُوجِئت مؤسّسات التعليم العالي بالحرب وتضرَّرت بشدة بسبب تمركزها في الخرطوم والمناطق الحضرية. وبحكم خضوعها المباشر للحكومة الاتحادية، ظلَّت بكاملها تحت إشراف حكومة بورتسودان، التي لم توفِّر سوى موارد محدودة لإبقاء الحدّ الأدنى من العمل قائماً. لم يكن ذلك نابعاً من قناعة بأهمية التعليم العالي، إنما بوصفه رمزاً لشرعية الحكومة بوصفها سلطة تدِّعي تمثيل الدولة السودانية الموحَّدة.

وقد تطلَّب الحفاظ على هذا النظام، ولو في شكله الهيكلي، جهوداً مضنية بذلها العديد من الأفراد المخلصين. فقد أدَّى اندلاع الحرب إلى فقدان الجامعات والكليات وثائقها وإتلاف مرافقها بشدة. ومع ذلك، سارعت الجامعات إلى تشغيل أنظمتها عبر الإنترنت، وتنظيم الامتحانات في مواقع داخل السودان وخارجه. وعلى مدى عامين، واصل الأساتذة عملهم وهم يتقاضون 60% فقط من رواتبهم المنخفضة أصلاً. أما في المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، فقد اختفت العملية الجامعية تماماً؛ نُقلت الإدارات إلى مناطق أخرى تحت سيطرة الجيش، واقتصر التعليم الإلكتروني على عدد محدود من الطلاب القادرين على توفير اتصال بالإنترنت، يدرِّسهم أساتذة يعيشون ظروفاً مُماثلة من شظف العيش. كان هذا النظام هشَّاً مهدَّداً، يستند إلى جهد إداريين ومعلمين مثابرين، بينما تقدِّم له الحكومة دعماً ضئيلاً؛ وتوظِّفه لتعزيز روايتها عن الشرعية.

وبالمثل، لم ينجُ التعليم الأساسي والثانوي، فقد جرى التنازع عليه بوصفه رمزاً للشرعية، إذ تستخدمه كلٌّ من قوات الدعم السريع والجيش لإثبات السيادة، ما حوَّل المدارس والمعلمين والطلاب إلى ضحايا سياسات تخدم مصالح حكومتين عسكريتين متنازعتين. ولأنّ إدارة هذين المستويين كانت على عاتق الولايات والمحليات، استُخدم التعليم – إلى جانب السيطرة على الأرض – وسيلةً لإضفاء الشرعية على ادعاءات سيادة الدولة. تبدَّى هذا الأمر في استهداف المعلِّمين والمؤسسات، كما في حالات استهداف الدعم السريع لمعلمِّين يتلقُّون رواتبهم من جهاز التعليم الخاضع للجيش. وتجلَّى أيضاً في تهميش الطلاب خارج مناطق سيطرة أحد الطرفين، كما في امتحانات الشهادة الثانوية التي لم تُتح أي ترتيبات للطلاب غير القادرين على السفر إلى مناطق سيطرة الجيش.

لم يستخدم أيٌّ من الطرفين موارده المادية لدعم التعليم. وهذا متوقَّع بالنسبة للدعم السريع، التي تعتمد على النهب المنظَّم لإعالة قواتها، وتتمركز حكومتها فعلياً خارج السودان. فبينما حاولَت الولوج عبر بوابة الوكالة السودانية للإغاثة والعمليات الإنسانية (SARHO) لطلب تمويل دولي لإعادة بناء البنية التحتية التعليمية، امتنعت عن دفع رواتب للموظفين المدنيين، وفيهم المعلِّمون أو أي وزارة تعليم موازية محتملة. وما بقي من مدارس في مناطق سيطرتها إنما أُنشئت بجهود المجتمعات المحلية أو كيانات دولية.

الأدهى والأمَرّ من ذلك، كان تفكُّك التعليم في المناطق الخاضعة للجيش، الذي ورث جهاز الدولة القائم ويسيطر عليه، ويملك عبر وزارة التربية والتعليم القدرة على إدارة التعليم والحفاظ على نظامه. بَيد أن الحكومة آثرت إلى حدٍّ كبير الاعتماد على مؤسسات خاصة، مثل الشركات التي تمارس «المسؤولية الاجتماعية»، فضلاً عن الاعتماد على المساعدات الدولية لإبقاء النظام قائماً، بينما تُترك الولايات والمحليات لمواجهة تحدياتها بنفسها.

مع اندلاع الحرب، نقلت وزارة التربية والتعليم الاتحادية وحدات كبيرة بالوزارة إلى عطبرة بدعم من شركات خاصة ذات صلة بولاية نهر النيل. وبما أن الرواتب وتمويل المدارس يأتيان من إيرادات الولايات، أوقفت ولايات عديدة دفع رواتب المعلِّمين لشهور، بينما استطاعت ولايات قليلة توفيرها من إيرادات محلية أو تبرّعات خاصة أو دعم إنساني وتنموي دولي. في الوقت ذاته، تحوَّلت ساحات المدارس إلى دُور إيواء للنازحين. وأدَّى ذلك إلى تباينات واسعة في النظام، إذ تمتلك بعض الولايات موارد شبه كافية، بينما عجزت ولايات عديدة عن التعليم كلياً أو جزئياً.

إن استمرار أي مدرسة في العمل يُعدُّ شهادة على قيم المجتمعات السودانية وعلى جهدها؛ فقد ظلَّ الناس، رغم جميع الظروف، مقتنعين بقيمة التعليم. منذ التسعينيات، اضطلعت روابط أولياء الأمور والمعلمين بأدوارٍ محورية في الدفاع عن حقوق الطلاب وجمع الموارد للإبقاء على المدارس مفتوحة. ومنذ اندلاع الحرب، تضاعف العبء المُلقى على عاتق هذه الروابط. وبينما شكَّل المعلمون «المتطوّعون» ما يقارب 11–12% عام 2016، أصبح أغلب المعلمين الآن متطوِّعين لفترة من الزمن.

الضغوط النيوليبرالية، الثورة المضادة، وآفاق المستقبل

ثمة خطر حقيقي مُحدِق في الأعوام القادمة، من أن تؤدّي الحرب والأطراف المسلحة المتحاربة إلى تطبيع نموذجٍ لا تكون فيه الدولة مسؤولة عن تمويل التعليم والحفاظ عليه. وبالفعل هنالك مؤشرات واضحة على ذلك في قرارات وزارة المالية بشأن تمويل التعليم. من خلال انسحابها من تمويل التعليم الأساسي والثانوي، وترْك الولايات تعتمد بنحو شبه كليّ على التمويل الدولي، تسمح حكومة بورتسودان فعلياً بانكماش النظام التعليمي. ويُصوَّر ذلك ضرورةً «غير سياسية» في ظل الحرب، غير أنه سياسي تماماً، ويمثّل بياناً لأولويات الدولة.

إن القرارات المُتَّخذة بشأن المدارس الأساسية والثانوية تؤثّر على التعليم العالي أيضاً. فقد أبقت الحكومة الجامعات مفتوحةً بالحد الأدنى، لكنّ الرسوم الجامعية المعلَنة لهذا العام جاءت باهظةً للغاية. شهدت كلية الطب بجامعة الخرطوم أضخم زيادة، حيث ستُفرض رسوم قدرها 25 مليون جنيه سوداني للطلاب السودانيين. كما تفرض جامعات أخرى في الخرطوم رسوماً تتراوح بين 4 و6 ملايين جنيه في برامجها الطبية، وهي مبالغ تفوق قدرة كثير من الطلاب، وتزيد ثلاث مرات على الأقل عن تكاليف عام 2010. تأتي هذه الزيادات بالتزامن مع انخفاضٍ في أعداد المتقدّمين والمُلتحقين بالجامعات، إذ يعجز كثير من الطلاب عن التقديم بسبب ظروف أسرهم أو بسبب عدم قدرتهم على تحمُّل الرسوم في هذا الظرف الكارثي.

وقد يُستغَلّ انخفاض التسجيل ذريعةً لرفع الرسوم أكثر؛ بحجة انخفاض الإيرادات من الطلاب وحاجة المؤسسات إلى أموال إضافية لضمان استمرارها. تُكرِّس هذه القرارات نبوءة ذاتية التحقق، مفادها أنه كلما ارتفعت الرسوم، قلَّ الالتحاق، ثمّ يُستخدم انخفاض الالتحاق مبرِّراً لتقليص الجامعات أو إغلاق بعضها. وسيرتبط ذلك بانكماش شديد في أعداد الطلاب في مراحل التعليم الثانوي أو حتى الأساسي، نظراً لانخفاض عدد المدارس العاملة خلال السنتين ونصف الماضيتين.

إن قرارات الرواتب التي تُدفَع للمعلمين، والرسوم التي تُفرَض على الطلاب، هي قرارات سياسية، ويُعدّ الإبقاء عليها عند هذا المستوى المتدنِّي توجُّهاً أيديولوجياً يستند إلى منطق نيوليبرالي. فالمعلّمون في المدارس السودانية ليسوا مضطرّين لقبول رواتب زهيدة، إنما يتلقونها بهذا القدر الضئيل لأنّ الحكومة لا ترغب في دفع رواتب أعلى. وفي ذات المنحى، لا يتعيَّن أن يتحمَّل الطلاب دفع رسوم باهظة، ولا أن تضطر الجامعات إلى الاعتماد كلياً على الرسوم الجامعية.

وفي ظلِّ الأزمة هذه، كان بالإمكان لحكومة سودانية أن تسلك طريقاً مُغايراً، بأن تستثمر في التعليم وتُطالب بما هو أفضل لجميع الطلاب؛ أن تموِّل التعليم في جميع مستوياته وتُحافظ على بنيته التحتية القائمة؛ إلا أن ذلك لن يحدث إلا بضغط سياسي من المجتمعات السودانية نفسها، فالمجتمع الدولي يتحدّث بلغة تقنية عن نتائج السياسات الحكومية، لكن تحديد الأولويات يجب أن يأتي من السودانيين أنفسِهم.

إنما يقع على عاتق المجتمعات السودانية عبء الدفع في الاتجاه المعاكس، من خلال التأكيد على أنّ لكل شابّ وشابة حقاً في الحصول على التعليم. دون ذلك، لن يبقى سوى السلاح ليحدِّد من يملك سلطة الكلام في الشأن السياسي، ما يقوِّض مكاسب ثورة ديسمبر على المدى البعيد. إنّ التعليم لا يصنع مستقبل الشباب فقط، إنما مستقبل المجتمع السوداني والسياسة المدنية بأسرها.

د. ربيكا قليد: باحثة حصلت على درجة الدكتوراة في التاريخ الأفريقي من جامعة كولومبيا، وكتبت أطروحتها بعنوان «الحركات السياسية السودانية والكفاح من أجل الدولة (1964-1985)». وقد نشرت أوراقاً حول الحركة الطلابية السودانية في جامعة الخرطوم، في مجلة أفريقيا الأكاديمية. وهي في الوقت الراهن باحثة زائرة بجامعة ماكريري في قسم التاريخ والآثار ودراسات التراث، ومديرة تحرير مجلة ماكريري الأكاديمية للتاريخ.

Scroll to Top