لم يعُد سراً خافياً؛ أنّ بابنوسة، المدينة التي كان تعجُّ بالناس وتضجّ بالحياة، قد باتت خالية من ناسها: لحن حياتها، وهي من أكبر الحواضر في ولاية غرب كردفان. ولم يكن هذا خبراً يَحتاج لإنباء، لكن الذي بقي محتاجاً للكشف، هو إلى أين نزحَ أهل بابنوسة؟ وكيف يَعيشون يومَهم في شتات النزوح العريض؟
وفقاً لعضو بغرفة طوارئ بابنوسة، تحدّث لمراسل «أتَـر» – مُشترطاً حجب اسمه – فإنه لا توجد حياة مدنية داخل المدينة، إذ أغلِقت جميع الأسواق منذ 20 يناير 2024. وقال إنّ المدينة باتت مسرحاً حربياً، فهجرها سكّانها، متوزّعين على نحو 20 قرية ومدينة في ولاية غرب كردفان؛ وجميعها تُسيطر عليها قوات الدعم السريع. ونوّه عضو غرفة الطوارئ إلى أنّ الغرفة تُتابع التطورات في ملف النزوح ضمن مهامها الأخرى، وقال: «لدينا سجلّات للنازحين نراجعها يومياً، فنجد أن منهم من غادر إلى ولايات أخرى، ومنهم من غادر خارج السودان. أما المتبقون داخل الولاية فيعيشون حياة مأساوية».
![]()
تقعُ مدينة بابنوسة غرب البلاد، وتتبع إدارياً لولاية غرب كردفان، وتبلغ المسافة بينها وبين الخرطوم حوالي 700 كيلومتر وبينها وبين الأُبيّض حوالي 342 كيلومتراً. قَصُرت تلك المسافات على نحوٍ أو آخر حين دخلت المدينة شبكة السكّة الحديد عام 1957، ثمّ أنشئ منها امتدادٌ جديدٌ للشبكة يصل حتى مدينة نيالا بدارفور عام 1959، ثمّ آخر من بابنوسة حتى مدينة واو بجنوب السودان عام 1961. ازدادت بذلك الوشائج الرابطة بين بابنوسة وبقيةِ أرجاءِ السودان قوةً، إذ أصبحت حلقةً رابطةً بين شرق ووسط السودان ممثلاً في بورتسودان وعطبرة والخرطوم حتى الأبيض، وغربه في نيالا، وجنوبه في واو.
يُشّكل الرعي والزراعة عماد الأنشطة الاقتصادية لسكّان بابنوسة ومحيطها. وشهدت المدينة عام 1963، افتتاح مصنعٍ لإنتاج الحليب المُجفَّف، ثمّ تحول إلى تجفيف الكركدي والصمغ العربي حتى توقف عن العمل في التسعينيات.
طرقت حرب 15 أبريل أبواب بابنوسة في يناير 2024، بعد أن هاجمتها قوات الدعم السريع، ثمّ أصبحت آخر معاقل الجيش في غرب كردفان بعد أن سيطرت الدعم السريع على الفولة والنهود والمجلد. وسببت الاشتباكات العسكرية نزوحاً كبيراً من المدينة حتى كادت تخلو من السكّان، وانتقل من تبقى فيها إلى مباني الفرقة 22 مشاة.
متحدثاً لمراسل «أتر»، يقول نازح من بابنوسة، إنّ النزوح الأكبر جرى في يناير 2024، وإنّ النازحين سلكوا الطرق التي أمامهم دونما تخطيط أو تدبير، فالذين يَسكنون الأحياء الغربية ذهبوا مباشرة نحو غربي بابنوسة، وسكّان الأحياء الشرقية نزحوا من المدينة نحو قرى ومناطق شرقيَّها، وكذا الحال بالنسبة لسكان الأحياء الشمالية الذين تركوا المدينة نحوَ المناطق التي تقع شماليّها وهي أكثر أماناً، وذات الشيء فعله سكان الأحياء الجنوبية.
وطبقاً للمكتب الإعلامي لغرفة طوارئ بابنوسة، فإنّ سكان المدينة، البالغ عددهم 177,000 نسمة، قد نزحوا جميعاً خارج المدينة. وقال عضو بالمكتب الإعلامي للغرفة لمراسل «أتَـر» مؤكّداً ذلك: «نعم، نزح جميع مواطني المدينة لأنّ العمليات العسكرية في يناير 2024 كانت الأعنف على المدينة، وهناك عدد كبير من الغارات الجوية، إضافة إلى القصف المدفعي العنيف المُتبادل بين طرفي الحرب، الأمر الذي أجبر السكّان على النزوح».
متحدثاً لمراسل «أتر»، يقول عبد الله أبو حوّا، وهو نازح من بابنوسة إلى المُجلد وقد وصل إلى مدينة بحري، إنّ النزوح الأكبر جرى في يناير 2024، وإنّ النازحين سلكوا الطرق التي أمامهم دونما تخطيط أو تدبير، فالذين يَسكنون الأحياء الغربية ذهبوا مباشرة نحو غربي بابنوسة، وسكّان الأحياء الشرقية نزحوا من المدينة نحو قرى ومناطق شرقيَّها، وكذا الحال بالنسبة لسكان الأحياء الشمالية الذين تركوا المدينة نحوَ المناطق التي تقع شماليّها وهي أكثر أماناً، وذات الشيء فعله سكان الأحياء الجنوبية. ويضيف أبو حوّا أن أغلبهم ذهبوا إلى مناطق لديهم فيها أقارب أو معارف. ويكشف عن أن أغلب الناس نزحوا راجلين، وبعضهم ركب الدواب، وقليل منهم من نزح بعربة، وسط أهوال شتى لاقوها في رحلتهم هذه، فمنهم من توفي بالجوع والعطش، ومنهم تسبب له المشي لمسافات بعيدة في مشكلات صحية لاحقاً. بَيد أنه عاد وأكّد أن عدداً كبيراً من النازحين، وصلوا بسلام إلى المناطق الآمنة نسبياً.
ووفقاً لعضو غرفة الطوارئ، فإنّ عدداً كبيراً من النازحين قد وصلوا إلى التبون، على بُعد حوالي 50 كيلومتراً غرب بابنوسة، لكنه أشار إلى أنه لا توجد مستشفيات أو مراكز صحية يتلقّى بها النازحون العلاج، باستثناء مستشفى «التبون» الريفي، الذي توقف بدوره عن العمل لضعف الإمكانات ونقص الكوادر الطبية، لافتاً إلى أنه يوجد طبيب متطوّع يجري عمليات الولادة فقط، فضلاً عن الجهود الذاتية لأبناء المنطقة لتأهيل غرفة العمليات.
وفق معلومات تحصلت عليها «أتَـر»، فإنّ أكثر القوات التي تُهاجم مقر الفرقة العسكرية في بابنوسة تتمركز في التبون. ويقول شهود عيان من المنطقة، إنه يجري تجميع مقاتلي الدعم السريع من الفولة وأبو زبد وغبيش والفاشر ونيالا في المنطقة، ويُمنَعُ المواطنون من الحركة في أيام الحشد والتجميع.
ووفق معلومات تحصلت عليها «أتَـر»، فإنّ أكثر القوات التي تُهاجم مقر الفرقة العسكرية في بابنوسة تتمركز في التبون. ويقول شهود عيان من المنطقة، إنه يجري تجميع مقاتلي الدعم السريع من الفولة وأبو زبد وغبيش والفاشر ونيالا في المنطقة، ويُمنَعُ المواطنون من الحركة في أيام الحشد والتجميع.
تَحتضن مدينة الفولة، حاضرة ولاية غرب كردفان، وتُسيطر عليها الدعم السريع منذ يونيو من العام 2024، عدداً مُقدّراً من نازحي بابنوسة. نزح آدم الشوال جمعة راجلاً من بابنوسة إلى الفولة، ويصف الوضعَ فيها بأنه أفضل، قائلاً لمراسل «أتَـر» إن أسعار البضائع في متناول اليد، إذ يبلغ سعر الكيلو من لحم الضأن 16 ألف جنيه، والكيلو من لحم البقر 10 آلاف جنيه، بينما ترتفع أسعار السكّر الذي يبلغ سعر الكيلو منه 5 آلاف جنيه، وقطعة الصابون ألف جنيه وكيلو الدقيق 4 آلاف جنيه، والملوة من الدخن 4 آلاف جنيه، والماريق 3 آلاف جنيه. ولفت إلى وفرة في الأدوية والمحاليل الطبية بالمدينة، كاشفاً عن أنها ترد إليها من دولة جنوب السودان، وقال إنّ هناك منظمات محلية وإقليمية تعمل بجهد وصفه بـ«الجبّار» لتقديم الخدمات العلاجية مجاناً للنازحين.
نسبة كبيرة من الفرّيشة في الأسواق هم من نازحي بابنوسة، بعد أن استفادوا من الإعانات التي تلقّوها من منظمات، وكوّنوا منها رأسمال بدأوا به أنشطتهم التجارية.
وانخرط عددٌ من نازحي بابنوسة في مجتمع الفولة، وبات أغلبهم يعملون في أسواق مدينة الفُولة. يقول الشوال: «نسبة كبيرة من الفرّيشة في الأسواق هم من نازحي بابنوسة، بعد أن استفادوا من الإعانات التي تلقّوها من منظمات، وكوّنوا منها رأسمال بدأوا به أنشطتهم التجارية».
ورغم توفر السلع ومعقولية أسعارها، يعاني النازحون، وفقاً للشوال، في الحصول عليها، إذ إنّ عدداً مقدّراً منهم لا يعملون، وقال: «البضائع فِي، لكن نحن لا نمتلك المال لشرائها».
وفي المقابل، أخبر متطوّعون بغرفة طوارئ الفولة مراسلَ «أتَـر»، أن النازحين في الفولة يعانون من مشكلات في السكن والمراحيض والغذاء ونقص مياه الشرب، وانتشار الأمراض والأوبئة وخاصةً في فصل الخريف، مؤكدين تفشي «الكوليرا والملاريا الخبيثة» وسط النازحين، وقالوا إنهم يبذلون جهوداً من أجل معالجة أوضاعهم الصحّية والأمنية والغذائية، بَيدَ أنهم يُشيرون إلى صعوبات تُواجههم مع نقص منح التمويل والتعقيدات الأمنية، لغياب المسارات الآمنة، إذ تتعرّض الشحنات الغذائية والإغاثية للنهب في طريقها من جنوب السودان إلى الفولة.
وتَشهد مناطق النزوح في الفولة والمُجلد وأبو زبد، انتهاكاتٍ واسعةً في حقّ المدنيين شملت القتل والنهب، من طرفي الحرب، حيث قُتل نازحون في قصف جوي، يُتّهم الجيش السوداني بتنفيذه على مدينة الفولة، وشمل القصف مركز إيواء في 13 يوليو الماضي، أسفر عن مقتل أكثر من 10 مدنيين، بينهم طفل، وإصابة 26 آخرين، بحسب متطوّعين في غرف الطوارئ.
وتضمّ مدينة المُجلد نسبة كبيرة من نازحي بابنوسة، موزّعين على 24 مركز إيواء، كلّ مركز به 300 أُسرَة، بينما تعيش 900 أسرة خارج مراكز الإيواء، وفقاً لإفادات غرفة طوارئ المجلد.
يقول عضو بالغرفة -فضّل حجب اسمه- لمراسل «أتَـر»، إنّ السلع الأساسية تشهد وفرة نسبية في جزء من العام، وتأتي السلع من سوق النعام، وهو سوق حدودي بين السودان وجنوب السودان، في منطقة أبيي الحدودية، ومن منطقة غبيش.
ويشتكى النازحون من ارتفاع أسعار السلع؛ ويُرجع تاجر بسوق المجلد الارتفاع إلى ظروف الخريف وانقطاع الطرق، قائلاً لمراسل «أتَـر»: «عادة في الخريف تتضاعف أسعار السلع كل عام، والسلع الموجودة حالياً هي سلع مُخزّنة».
ويُباع رطل السكّر الواحد في المُجلد حالياً بـ 4200 جنيه، وملوة الذرة بـ 5 آلاف جنيه، ورطل الشاي بـ 4 آلاف جنيه، ورطل الزيت بـ 4400 جنيه، وقطعة صابون الغسيل بألف جنيه، وأوقية لبن البودرة بألف جنيه، بينما يبلغ سعر الكيلو من لحم الضأن 12 ألف جنيه، والكيلو من لحم البقر 10 آلاف، وملوة البصل 11 ألف جنيه.
يشتكى النازحون بأرياف وقرى غرب كردفان من صعوبة الحصول على مياه الشرب. يقول نازح من بابنوسة في قرية «عريس» شمال بابنوسة لمراسل «أتَـر»، إنه نزح للقرية منذ خروجه من بابنوسة في يناير 2024، وطوال هذه الفترة يقضي نهاره في جلب المياه لأسرته.
يقول عضو مكتب الإعلام بغرفة طوارئ المُجلد، إنّ مستشفى المُجلد المرجعي يُوفّر الرعاية الصحية للنازحين، وهناك عددٌ من المراكز الصحية، وتُقيم الغرفة عبر مكتبها الصحي عيادات متجوّلة مجانية في مراكز إيواء النازحين بمعدل ثلاث عيادات في الأسبوع، وتصل تغطيتها إلى 90% من النازحين بحسب تقديره؛ مُشيراً إلى توافر الدواء بقدر مقبول، ويصلهم من منظمة الصحة العالمية ومنظمة أطباء بلا حدود والمجلس النرويجي، ومنظمات محلية عبر دولة جنوب السودان.
ويشتكى النازحون بأرياف وقرى غرب كردفان من صعوبة الحصول على مياه الشرب. يقول نازح من بابنوسة في قرية «عريس» شمال بابنوسة لمراسل «أتَـر»، إنه نزح للقرية منذ خروجه من بابنوسة في يناير 2024، وطوال هذه الفترة يقضي نهاره في جلب المياه لأسرته. ويقول عضو بغرفة طوارئ المُجلد، إن حاجة القرى بالمنطقة إلى آبار مياه الشرب تتعاظم، خاصةً بعد أن أصبحت قِبلةً لنازحي بابنوسة. وكشف أن معظم هذه القرى لا تتوفر فيها آبار للمياه الجوفية.
بدوره، كشف عضو غرفة طوارئ المُجلد، عن ظروف إنسانية بالغة التعقيد يعيشها الأطفال والنساء وكبار السن، بسبب الأوضاع الاقتصادية المُتردّية، وقال: «يُزاول الشباب والرجال هنا مختلف المهن ويعملون في الأسواق، وبعضهم يعمل في مهنته التي كان يُزاولها في بابنوسة، بَيْدَ أن فئات النساء والأطفال وكبار السن، تُعاني بسبب عدم القدرة على العمل، ولهذا فإننا نطلب تدخّلاً عاجلاً لدعمنا من أجل معالجة مشكلاتهم».
نزحت فوزية سالم جمعة من بابنوسة، وتعمل في مهنة بيع الشاي بأحد الأسواق في وحدة أم چاك الإدارية بمحلية الأضية، وتبعد 40 كيلومتراً في الاتجاه الغربي من مدينة بابنوسة؛ وتقول لمراسل «أتَـر»، إنها تعرّضت للضرب من قِبل أحد أفراد قوات الدعم السريع، بسبب مطالبتها بتوفير فوط صحية للنساء، ولأنها خاطبت الإدارة المدنية المُعيَّنة من قِبل الدعم السريع بذلك، ولم تتلقّ رداً حتى الآن.
ويشتكي كثير من النازحين الذين تحدّثوا لمراسل «أتَـر» من التفلّتات الأمنية وحوادث النهب المتكرّرة بالأسواق التي يعملون فيها. وفي يونيو من العام الماضي هاجم مسلّحون – يُعتقد أنهم ينتمون إلى قوات الدعم السريع التي تسيطر على المنطقة – السوق وقتلوا شخصين. وقال مواطنون، من المنطقة حينها لـ راديو دبنقا إنّ مسلّحين ملثّمين مجهولين هاجموا سوق منطقة أم چاك بغرض النهب. وأشاروا إلى مقتل التاجر برعي سليمان أحمد الجقول، وهو صاحب محل تجاري بالسوق، برصاص المسلّحين خلال مقاومته محاولة نهب متجره. وفي الوقت ذاته أطلق المسلّحون الرصاص على شخص آخر توفي لاحقاً وهو عبد الله محمد أبوطباعة. وأشار المواطنون إلى أن الجناة لاذوا بالفرار بينما احتشد مواطنو المنطقة لملاحقتهم.
يعاني الأطفال على نحو بالغ بسبب النزوح. ووفقاً لعضو في غرفة طوارئ المجلد، فإنّ الأطفال من الجنسين الذين يشكلون 60% من النازحين، اضطروا إلى العمل في السوق لمُساعدة أُسَرِهم، وأن 40% منهم فارقوا أسرهم التي غادرت إلى مدن وسط وشمال السودان.
وفي قرية أم چاك، تُقدِّم غرفة طوارئ بابنوسة وجبة إفطار للنازحين، في إطار مشروع «التُّكُل». وتقول الغرفة إنّ المشروع الذي وصل يوم 13 نوفمبر لتقديم 250 وجبة إفطار يومية، يأتي في إطار تخفيف المعاناة عن كاهل النازحين، وهو مطبخ مشترك يتولّى العمل به النازحون من بابنوسة ونازحون من جنوب السودان، بتمويل محلي ومن مانحين دوليين.
ويعاني الأطفال على نحو بالغ بسبب النزوح. ووفقاً لعضو في غرفة طوارئ المجلد، فإنّ الأطفال من الجنسين الذين يشكلون 60% من النازحين، اضطروا إلى العمل في السوق لمُساعدة أُسَرِهم، وأن 40% منهم فارقوا أسرهم التي غادرت إلى مدن وسط وشمال السودان. ويخشى عضو بغرفة الطوارئ من تعرّضهم لخطر الاستغلال وضياع مستقبلهم، خاصة وأنهم توقفوا عن التعليم، ويقول: «على الرغم من توقف الدراسة الرسمية بسبب الحرب، إلا أنه وبمبادرة من المجتمع المحلي بالمُجلد، فتحت الأستاذة سميرة أبو كدوس، مدرسة لتعليم أطفال المنطقة والنازحين، لكن للأسف لم يحضر إلا قليل من الأطفال الذين ذهب أغلبهم للعمل في الأسواق».
ويقول صبري جمعة جامع – طفل يبلغ 12 سنة – لمراسل «أتَـر»، إنه يعمل بالسوق سائق درداقة، ليرسل المال لأسرته الموجودة بولاية القضارف، شرقي السودان.
ومنذ وصول الحرب إلى ولاية غرب كردفان، أغلقت المدارس أبوابها أمام التعليم النظامي، بَيد أن مبادرات محلية وأهلية، أعادت فتح المدارس بمدينة المُجلد، وتُواجه صعوبات في إلحاق الأطفال النازحين بهذه المدارس، الذين لا يستطيعون مقاومة إغراء العمل في السوق، وفقاً لإفادة معلم بالمدينة.
ولمعالجة الآثار النفسية لابتعاد الأطفال من أسرهم، تنشط مبادرات محلية في محاولات للمّ شمل الأسر المُشتّتة، بَيد أن متطوعاً منخرطاً في مثل هذه المبادرات، قال لمراسل «أتَـر»، إنها تتعسّر بسبب انقطاع الاتصالات والظروف الاقتصادية المريرة التي يُعاني منها الناس.
ويتخوَّفُ أعضاء من غرف الطوارئ بمحلية غبيش بولاية غرب كردفان، والواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، من انخراط النازحين في تجارة المنهوبات، وهي سوق رائجة في مناطق سيطرة الدعم السريع، وتعدُّ جزءاً من الاقتصاد اليومي لهذه القوات، وفقاً لعضو بغرفة طوارئ غبيش تحدّث لمراسل «أتـر»، طالباً حجب اسمه. ويقول إنهم يعملون على إلحاق الأطفال بالمدارس خوفاً من أن يَستهويهم هذا النوع من التجارة، كما يتخوّفون من تجنيد قوات الدعم السريع لهم في القتال.
وفرة الأدوية تحوّلت من نعمة إلى نقمة، إذ إن أشخاصاً استخدموا أدوية بطريقة خاطئة أتت عليهم بنتائج عكسية.
ويشهد الوضع الصحي للنازحين بقرى محيطة بالمُجلد تردّياً مريعاً، حيث تغيب الرعاية الصحية، لانعدام مراكز صحية بهذه القرى، وهي حاجة يطلبها سليمان قادم مُرة، القيادي الأهلي، ويُشير إلى أن القرى تمتلئ بالنازحين، وهي فاقدةٌ للخدمات أصلاً. وكشف عن أنّ سبعة من القرى الكبيرة في محيط مدينة المُجلد، لا توجد بها مراكز صحية، وأنّ الأدوية موجودة، بَيد أن الأطباء الذي يشرحون طريقة تناول الأدوية غير موجودين، وقال: «وفرة الأدوية تحوّلت من نعمة إلى نقمة، إذ إن أشخاصاً استخدموا أدوية بطريقة خاطئة أتت عليهم بنتائج عكسية».
وتشتكي نازحة من لجوء قوات الدعم السريع لمُصادرة أجهزة الاتصال الفضائي «ستارلينك» في كثير من الأحيان، خاصة في أوقات مرور القوات بقرية من القرى في طريقها إلى بابنوسة أو حين تجميعها في مكان ما، وهو ما يُؤثّر على حياتها سلباً، إذ إنها تعتمد على أهلها خارج السودان في التحويلات البنكية التي تتطلّبُ وجود اتصال بالإنترنت. ولم تَسلم غرف الطوارئ من قطع الاتصالات التي تعتمد عليها في استجلاب الدعم من المنظمات.
وكشفت متحدّثةٌ باسم غرفة طوارئ المُجلد لمراسل «أتَـر»، أنهم أجروا بحثاً وتوصّلوا إلى أن النازحين الذين يُوجدون بالريف، يعيشون أوضاعاً اقتصاديةً مُتحسّنة نسبياً، لأنهم يعملون في الزراعة وصناعة الفحم النباتي، وقالت: «الريف أكثر أماناً من المدينة»، وأشارت إلى أنه يوجد نشاط زراعي مُقدَّر بالريف حيث يعمل المزارعون بنحوٍ طبيعي ولا توجد أي عوائق، وفقاً لما قالت.
وكشفت عن أنّ غرفتهم تعمل الآن بالتنسيق مع الإدارة المدينة بالولاية لفتح الممرّات الآمنة ونقل الناس بين مدن الولاية وقراها وتوصيل المساعدات للمُحتاجين، وإقامة مناشط للدعم النفسي داخل مراكز الإيواء، وتوفير الحماية لهم، ووصفت استجابة الإدارة المدنية لذلك بالجيّدة.
وتقول فاطمة جابر بشير، 55 عاماً، نازحة من بابنوسة، وصلت في رحلة استمرّت 4 أيام وسط طُرق وعرة إلى منطقة «شق الدروت» – حوالي 44 كيلومتراً غرب بابنوسة – برفقة ابنتها الوحيدة «منى»؛ إنها تقاسمت بطيب خاطر، أرضاً زراعيةً مملوكةً لأحد سكّان المنطقة مع صاحبها، وتزرع فيها، ولديها محصول الذرة الذي يشارف حالياً على الحصاد، وأضافت: «جيت هنا وما كنت أعرف زول، والناس هنا بقوا أهلي وخلّوني أزرع، وبنوا لي بيت فيه راكوبة وقطيتين، وساعدوني بالنفير في فِلاحة أرضي»، وواصلت حديثها بحبور: «سيتزوّج أحدهم ابنتي في الأسابيع القادمة»؛ مشيرة إلى عدم رغبتها في مغادرة المنطقة، حتى ولو عاد الناس إلى بابنوسة، وذلك على الرغم من أنها تشتكي من ظروف الحياة الصعبة، وأنّ الحصول على الماء النظيف أمر عسير في هذه المنطقة، ولا توجد مدرسة ولا مستشفى، وقالت: «الناس هنا حالهم صعب، ونحن جيناهم زيادة وفي نازحين جنوبيين، نتقاسم المُر دا كلنا وبنحب بعضنا».
وفي قرية «شق الزراف» التابعة لمحلية الأُضية زكريا بولاية غرب كردفان، يُطالب النازحون القادمون من بابنوسة بتوفير التقاوي الزراعية، إذ إنهم تشاركوا مع المواطنين في مزارعهم، لكن التمويل يقف عقبة أمام الزراعة. وقال حمودة ود أب شام، وهو نازح من بابنوسة منذ بدايات الهجوم عليها: «الأراضي هنا واسعة، وأهلها سمحوا لنا بالزراعة، زرعنا القليل، لكن شحّ الإمكانات حرمنا من فرص كبيرة»، مناشداً المنظمات الأممية والإقليمية بدعمهم بالبذور الجيدة فقط.
وتشهد العلاقة بين غرف الطوارئ والسلطة المدنية المُعيّنة من قِبل الدعم السريع بولاية غرب كردفان، حذراً شديداً وأحياناً توجّساً وريبةً. يقول عضو بإحدى غرف الطوارئ لمراسل «أتَـر»: «علاقتنا مع السلطة مشوبة بحذر شديد، أحياناً تضع قيود أمامنا، ويقوم بذلك تحديداً صغار الجنود، والشفشافة الذين يستولون في أحيان كثيرة على مواد الإغاثة وينهبون النازحين. بينما القادة يتعاملون معنا نظرياً بطريقة جيدة، لكننا مثلاً حين نشتكي من تجاوزات وانتهاكات منسوبي الدعم السريع لا يهتمون بشكوانا ويتجاهلونها، ما يحملنا على الاعتقاد بأن ما يحدث هو تقسيم أدوار فقط، لكننا مصمّمون على أن نقدم الخدمة لأهلنا تحت أي ظروف».
ويلحظ مراسل «أتَـر» أنه لا يوجد تفاعل كبير مع ما يحدث داخل بابنوسة من عمليات حربية وكرّ وفرّ، إذ لا يهمّ النازحين وأعضاء غرفة طوارئ بابنوسة مصير الفرقة 22 التابعة للجيش السوداني، وحين سؤال أي منهم عن رأيه في ما يدور في بابنوسة، أو مع أي الطرفين يقف، يردّ بإجابات مقتضبة ومُعمّمة، تنحصر في الرغبة في حلول السلام والأمن، وهي أمنيات يَلهج بها لسان الجميع في غرب كردفان، خاصة أن عناصر الطرفين المتحاربين في بابنوسة، ينتمون إلى مكوّن اجتماعي واحد.



