خلقت حرب السودان، مساراتٍ وطُرقاً جديدة وأعادت اكتشاف أُخرى قديمة، وأنعشت على نحوٍ يفوق التوقعات، اقتصاداً موازياً في مناطق نائية، ظلَّتْ تَفتقر إلى البنية التحتية والخدمات المُناسِبة لإدارة مثل تلك الأنشطة التجارية المُهمَّة.
يقع سوق النعام على بعد 14 كيلومتراً شمالي أبيي، ضمن منطقة منزوعة السلاح تتبع إدارياً إلى منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان. وبات يُشار إلى السوق بوصفه أهمَّ أسواق اقتصاد الحرب الذي أصبح عابراً لحدود الدُول، ولا يخضع إلا بنحوٍ رمزي للإجراءات النظامية التي يُفترض أن تَحكم الأنشطة التجارية وتنظم إدارة الأموال. لقد كان سوق النعام محلياً للغاية قبل اندلاع الحرب، يرتاده عدد قليل من سكان المناطق المُجاوِرة، ويتوقف تماماً في فصل الخريف، لكنه بدأ ينتعش تجارياً بعد تمدُّدِ الدعم السريع في إقليم كردفان وعزلة شرق البلاد عن غربها.
نشأ سوقٌ صغيرٌ لتداول المسروقات بالقرب من سوق النعام الرئيس، ولاحقاً تمدد السوقان إلى أن التقيا، وأصبح التجار يجلبون موادّ وسلعاً مختلفة ومتباينة عبر جنوب السودان. وبذلك أضحى سوق النعام نافذة مهمة أطلَّت على السودان من الناحية الجنوبية وفتحت الطريق لتدفق جميع أنواع المواد الاستهلاكية والسلع إلى كردفان ودارفور.
ومع المُوجة الأولى للحرب، والتي دُمِّرت وخُربت الأسواق فيها، وأُحرقت المخازن ونُهبت الممتلكات والمواد الغذائية ونُقلت إلى مناطق مختلفة، سطع اسم سوق النعام بأبيي، واشتُهر في البدء سوقٌ جديدٌ نشأ على مقربة من السوق الرئيس وعُرِفَ بسوق دقلو، وهو أحد عشرات الأسواق التي تُعرض فيها المسروقات وعرفت جميعها بأسواق دقلو.
متحدثاً لـ«أتـر»، يقول أحد التجار – رأى أن يكون اسمه طي الكتمان – إن سوقاً صغيراً لتداول المسروقات نشأ بالقرب من سوق النعام الرئيس، ولاحقاً تمدد السوقان إلى أن التقيا، وأصبح التجار يجلبون موادّ وسلعاً مختلفة ومتباينة عبر جنوب السودان مثل البسكويت والصابون والعصائر السائلة والمُعلّبة والملابس بأنواعها. ويضيف التاجر: «وقتها كانت حاجة الناس مُلحّة إلى المواد الغذائية والسلع المختلفة، لأن النشاط التجاري تعرّض للتدمير والتخريب في الخرطوم والجزيرة وكردفان، ولم تكن هنالك أي سلع لتُعرض في الأسواق». وبذلك أضحى سوق النعام نافذة مهمة أطلَّت على السودان من الناحية الجنوبية وفتحت الطريق لتدفق جميع أنواع المواد الاستهلاكية والسلع إلى كردفان ودارفور، وهو ما أسهم على نحو فاعل في توفير المواد الغذائية للمواطنين الذين كانوا في حاجة ماسة إليها.
كانت دولة جنوب السودان معبراً حيوياً لتجارة فتحت لها طريقاً لم يكن سالكاً قبل الحرب. يقول تاجر آخر من سوق النعام في حديثه لـ«أتـر»، إن أنواعاً مُختلفة من البضائع قادمة من مشارب بعيدة وصلت إلى سوق النعام بعد الحرب، من سلطنة عمان والسعودية والإمارات والهند واليابان وتركيا وفرنسا، بجانب السلع القادمة من دول شرق أفريقيا وغربها مثل كينيا ويوغندا وإثيوبيا والكاميرون ومالي وتشاد. ويضيف التاجر الذي فضل حجب اسمه أيضاً، أنه بعد نهاية عام 2023 أي بعد اندلاع الحرب بعدة أشهر، كانت معظم المواد الغذائية المُنتَجة في السودان قد انتهت صلاحيتها، لأنه لم يكن هنالك أي إنتاج جديد بعد الحرب، ولذلك أصبح الاعتماد كلياً على المواد والسلع القادمة من الخارج عبر سوق النعام، وكان المنفذ الوحيد بين السودان وجنوب السودان الذي تدخل منه المواد الغذائية.
بعد حصار الأبيض نفدت العقاقير والأدوية وارتفعت أسعار القليل المتبقي منها، ولم تكن الجهات الطبية تعلم ماذا تفعل لحل معضلة الدواء في ظل استمرار الحصار، إلى أن تدفقت الأدوية إلى سوق النعام من أفريقيا وأوروبا والدول العربية، وكان لا بد من وصولها إلى مستشفيات الأبيض وصيدلياتها.
ومع الأزمة الواسعة في الأدوية والعقاقير الطبية، التي شملت جميع ولايات السودان، صارت الأدوية التي تدخل عبر سوق النعام هي الرائجة لدى الصيادلة والأطباء. يقول مصدر طبي بمدينة الأبيض، التي خضعت لحصار الدعم السريع في الفترة ما بين مايو 2023 وفبراير 2025 لـ«أتـر»: «بعد حصار المدينة نفدت العقاقير والأدوية وارتفعت أسعار القليل المتبقي منها، ولم تكن الجهات الطبية تعلم ماذا تفعل لحل معضلة الدواء في ظل استمرار الحصار، إلى أن تدفقت الأدوية إلى سوق النعام من أفريقيا وأوروبا والدول العربية، وكان لا بد من وصولها إلى مستشفيات مدينة الأبيض وصيدلياتها». ويتابع قائلاً: «المال يستطيع المساومة، ولذلك تمكنت شبكة المصالح المالية وغرفها التجارية المترابطة من إدخال الأدوية بأنواعها إلى المدينة رغم الحصار، وهو ما ساهم في علاج المرضى ومصابي الحرب الذين كانوا يسقطون يومياً بالقصف والدانات والذخائر الطائشة. كما انخفضت أسعار الأدوية وتوفرت بدائل كثيرة للأدوية التي كانت قد نفدت تماماً».
لم ينحصر توزيع المواد والسلع من سوق النعام على مناطق بعينها، إذ يقول عدد من المواطنين في مدينتي كادقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان، وتعانيان حصاراً متطاولاً، إن أسواق المدينتين تعتمد على جلب السلع الغذائية من سوق النعام الذي أصبح مصدر التموين الأساسي للمناطق الجنوبية من إقليم كردفان. وتذكر نهى جودة من مدينة الدلنج لـ«أتـر» أن السكر والبسكويت وكثيراً من المواد الغذائية الضرورية تأتي إلى الدلنج الواقعة تحت حصار الدعم السريع من سوق النعام.
تطور سوق النعام لاحقاً إلى إدخال المواد البترولية ومشتقاتها، وتُستورد عبر ميناء مُومْبَاسا في كينيا وتنقل إلى الداخل عبر يوغندا وجنوب السودان عبر صوماليين وكينيين، بحسب مصادر من السوق.
لم يكن سوق النعام للواردات وحسب، بل أصبح منفذاً لا غنى عنه لكثير من تجار المحاصيل والسلع المختلفة من الجانب السوداني. فقد وجد المغامرون من السودان سانحتهم في سوق النعام، واستغلوا غياب السلطة القابضة لتصدير المنتجات السودانية بأبسط الإجراءات. ويقول أحد العاملين في سوق النعام لـ«أتـر»: «من جانب السودان انتعشت تجارة المحاصيل الزراعية والغابية مثل السمسم والفول والكركدي والصمغ العربي والنبق والبلح والبصل والقنقليز وغيرها من المنتجات السودانية، كذلك بدأ تبادل الثروة الحيوانية مثل الضأن والأغنام التي يحصل التجار مقابلها على الأبقار الكبيرة من الجنوب المسماة (بقر مجوك)».
تطور سوق النعام لاحقاً إلى إدخال المواد البترولية ومشتقاتها، وتُستورد عبر ميناء مُومْبَاسا في كينيا وتنقل إلى الداخل عبر يوغندا وجنوب السودان عبر صوماليين وكينيين، بحسب مصادر من السوق.
وقالت عدة مصادر من سوق النعام لـ«أتـر»، إنّ التجار من شرق أفريقيا استغلوا اتفاقية التجارة بين دول شرق أفريقيا التي تشترك فيها دولة جنوب السودان وكينيا ويوغندا؛ وهي اتفاقية تُسهّل نقل البضائع بإجراءات أقل بين الدول المُوقّعة عليها، وأصبح التجار من جنوب السودان يستغلون ضعف الرقابة على الحدود وغياب سلطة فاعلة بالسودان، ويُدخلون الوقود والسلع المختلفة إلى سوق النعام الذي تعتمد عليه الدعم السريع على نحو أساسي في توفير الوقود لقواتها المنتشرة في كردفان وعلى حدود جنوب السودان.
بينما يشير تاجر آخر من سوق النعام لـ«أتـر» إلى الأهمية المتزايدة التي اكتسبها سوق النعام بالنسبة لتجار شرق أفريقيا قائلاً: «لم تكن هنالك أي تجارة كبيرة بين شرق أفريقيا والسودان مثلما هي الآن عبر سوق النعام، إذ إن التجار من السودان أصبحوا ينقلون المنتجات الزراعية السودانية إلى سوق النعام مثل اللوبيا والويكة والفول والصمغ العربي والسمسم ليبيعوها إلى تجار شرق أفريقيا، الذين يعودون بها إلى دولهم حيث يصدرها بعضهم مجدداً». أما تجار السودان فينقلون المواد الغذائية والبنزين تحديداً إلى مناطق من كردفان ودارفور والولايات الغربية بجنوب السودان. وتشحن البضائع من سوق النعام إلى أبوزبد والفولة والنهود والضعين وغيرها.
ورغم أنه أصبح ذا أهمية فائقة، إلا أن سوق النعام عرضة للحريق بين الفترة والأخرى. ويعزو تاجر من السوق الأسباب إلى أن التجار وبسبب حالة الاستقرار والأمن بالسوق الذي يخضع لسيطرة الإدارة المدنية التابعة لسلطة أبيي والشرطة الأممية، يُخزّنون بضائعهم في مخازن من الحصير والمواد المحلية الأخرى، ما يجعلها عرضة للحريق.
تُتداول حالياً بسوق النعام أموالٌ طائلةٌ تدرها تجارة السلع والوقود من جهات مختلفة، يديرها تجار من جنسيات عديدة بينهم صوماليون وكينيون ويوغنديون وجنوب سودانيون، إضافة إلى التجار السودانيين الذين يؤدون أدواراً مهمة في توزيع السلع داخل السودان، بجانب دورهم المهم في نقل المنتجات الزراعية والغابية إلى سوق النعام، الذي تنقل منه إلى أسواق شرق أفريقيا.
بجانب اتفاقية التجارة المشتركة بين دول شرق أفريقيا، يَستفيد التجار القادمون من شرق أفريقيا كذلك من الرسوم المتدنية التي تتحصلها الإدارة المدنية لإقليم أبيي. ويقول مصدر مطلع بالسوق لـ«أتـر»، إن هنالك رسوماً قليلة تُدفع في جنوب السودان، والإدارة المدنية تتحصل قليلاً من الرسوم على السلع الواردة إلى السوق.
وتوسع سوق النعام كثيراً عقب قرارات الدعم السريع بمنع نقل المنتجات والسلع من مناطق سيطرته إلى مناطق سيطرة الجيش. وتقول مصادر إن السوق نما بسبب قرارات الدعم السريع بأن أصبحت نسبة مقدرة من الثروة الحيوانية في كردفان ودارفور تُنقل إليه.
تُتداول حالياً بسوق النعام أموالٌ طائلةٌ تدرها تجارة السلع والوقود من جهات مختلفة، يديرها تجار من جنسيات عديدة بينهم صوماليون وكينيون ويوغنديون وجنوب سودانيون، إضافة إلى التجار السودانيين الذين يؤدون أدواراً مهمة في توزيع السلع داخل السودان، بجانب دورهم المهم في نقل المنتجات الزراعية والغابية إلى سوق النعام، الذي تنقل منه إلى أسواق شرق أفريقيا ويجد بعضها طريقه إلى التصدير إلى أوروبا والدول العربية. وتفيد مصادر أن عملات عديدة متداولة في سوق النعام منها عملة السودان القديمة وعملة جنوب السودان وتشاد بجانب الشلن الكيني والدولار واليورو.



