أتر

بين الحرب والسياسة: أين تبدأ الهدنة؟

في 19 نوفمبر الماضي، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترَمب اعتزام الولايات المتحدة تكثيف جهودها الدبلوماسية والإنسانية لإنهاء الحرب الدائرة في السودان، وذلك استجابةً لطلبٍ من الأمير محمد بن سلمان وليّ عهد المملكة العربية السعودية.

كانت الولايات المتحدة تنشط في المجهود الدولي لإيقاف الحرب منذ اندلاعها في أبريل 2023، فقد أنشأت مع المملكة العربية السعودية منبر جدة للوساطة والتفاوض بعد شهر واحد من الحرب، وأصدر في 11 مايو «إعلان جدة لحماية المدنيين». استمرّ منبر جدة لعدة جولات تفاوضية بغية الوصول إلى هدنة، وقف العدائيات، وقف إطلاق النار، وتوفير ممرّات آمنة للإغاثة. وحينها حاولت الولايات المتحدة ضمّ الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والإيقاد وعدد من الدول بما فيهم الإمارات ومصر.

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، توالت إعلانات الهُدَن، سواءٌ أكانت عبر وساطات دولية أم بمبادرات أحادية من الجيش والدعم السريع، لكنها سرعان ما كانت تنهار بسبب غياب الثقة بين الطرفين، واستغلالها تكتيكاً عسكرياً لإعادة التموضع.

أجاويد وهُدَن ملتهبة

18 أبريل 2023

بعد ثلاثة أيام من نشوب الحرب، ذكرَ وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن أنه دعا إلى وقف إطلاق النار لمدّة 24 ساعة خلال اتصالين مع قائدي الجيش والدعم السريع، ورغمَ ذلك استمرَّت الاشتباكات، بخاصّةٍ في الخرطوم، بينما قلَّت وتيرتها في أماكن أخرى. وقالت القوات المسلحة السودانية، إنّها وافقت على «مقترح هدنة من قِبل أطراف دولية لمدة 24 ساعة»، وذكرت أن الدعم السريع لم تلتزم بالهدنة، ولم تتوقّف مناوشاتها لـ«محيط القيادة والمطار». في اليوم التالي أيضاً أعلنت القوات المسلحة عن موافقتها على هدنة أخرى مدّتها 24 ساعة «بغرض تيسير النواحي الإنسانية».

21 أبريل 2023

أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها على هدنة إنسانية لمدة 72 ساعة، وذلك بناءً على ما قالت إنّها «تفاهمات دولية وإقليمية ومحلية». في اليوم ذاته، اتّهم الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة مَن وصفها بـ«مليشيا الدعم السريع» بنهبِ مخازن الهلال الأحمر بمنطقة بحري. واستمرَّت المُقاتِلاتُ الحربيّة التابعة للجيش في التحليق، ضمن نطاق العاصمة، بينما حاولت قوات الدعم السريع إبعادها عبر إطلاق عدّة قذائف مضادة. نشرت القوات المسلحة السودانية في حوالي السادسة والنصف مساءً بالتوقيت المحلّي موافقتها على هدنة لمدة 3 أيامٍ بمناسبة عيد الفطر، مُطالبةً الطرف الآخر بالالتزام وإيقاف التحرّكات والعمليات العسكريّة.

24 أبريل 2023

وافق الجيش السوداني والدعم السريع على هدنة جديدة مدّتها 3 أيام، عقب فشل سابقتها، وذلك بعد اتصالات من الإدارة الأمريكية ومشاركة سعوديّة. أكّد بلينكن وزير الخارجيّة الأمريكية الأخبار الرائجة فعلاً حينما صرّح للصحافيين بأنّ الطرفين المتحاربين اتفقا على وقفٍ لإطلاق النار يبدأ منتصف الليلة ويستمر لـ 3 أيام. خرجت عقبَ ذلك قوات الدعم السريع ببيانٍ تُعلن فيه موافقتها على الهدنة بعد الوساطة الأمريكية. مرَّت حوالي 7 ساعات دون تسجيلِ أيّ خرق ملحوظٍ للهدنة، لكن قُبيل الثامنة صباحاً بالتوقيت المحلي، اتهمت قوات الدعم السريع الجيشَ بعدم الالتزام بشروط الهدنة، إذ «لا تزال طائراته تحلق في سماء الخرطوم بمدنها الثلاث». سُرعان ما ساءت الأمور، وبدأت اشتباكاتٌ جديدةٌ في محيط القصر الرئاسي في الخرطوم وسُمع دوي انفجارات، وامتدَّت الاشتباكات إلى مدينة أم درمان التي شهدت استخداماً للأسلحة المتوسّطة بين الطرفين. واتهمت قوات الدعم السريع القوات المسلحة مرة أخرى باستهداف ارتكازها في القصر الجمهوري بالمدافع، ووصفت ذلك بأنه «يعيق تنفيذ الهدنة».

11 مايو 2023

وقّع الجيش السوداني والدعم السريع على «إعلان جدة»، الذي حوى وقف إطلاق نار قصير الأمد، وذلك لحماية المدنيين وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية الطارئة واستعادة الخدمات الأساسية، لمدة 7 أيام قابلة للتجديد؛ وقد تبادل الطرفان الاتهامات بخرقها.

20 مايو 2023

أعلنت المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، أنّ كلاً من مُمثّلي القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، قد وقَّعَا بمدينة جدة اتفاقية لوقف إطلاق النار قصير الأمد، يدخل حيّز التنفيذ بعد 48 ساعة من توقيع الاتفاقية، ويستمر لمدة سبعة أيام، مع إمكانية تمديده بموافقة الطرفين. وقد اتفق الطرفان على: تسهيل إيصال وتوزيع المساعدات الإنسانية، وإعادة الخدمات الأساسية، وسحب القوات من المستشفيات والمرافق العامة الحيوية، وضمان المرور الآمن للعاملين في المجال الإنساني والسلع، بما يسمح بتدفّق البضائع دون عوائق من منافذ الدخول. وقد أبلغ الطرفان الوسطاء السعوديين والأمريكيين التزامهما بعدم السعي لتحقيق مكاسب عسكرية خلال فترة الإخطار البالغة 48 ساعة بعد توقيع الاتفاقية وقبل بدء وقف إطلاق النار.

9 يونيو 2023

وافقت القيادة العامة للقوات المسلحة على مقترح هدنة لمدة 24 ساعة، وقالت إن موافقتها تأتي تقديراً لجهود الميسِّرين (المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة)، ومراعاةً للجوانب الإنسانية.

17 يونيو 2023

اقترح ميسّرو منبر جدة هدنة إنسانية قصيرة لمدة 72 ساعة. أعلنت القوات المسلحة موافقتها على المقترح، بينما امتنعت الدعم السريع عن الرد.

27 يونيو 2023

أعلن قائد القوات المسلحة السودانية عن هدنة «أحادية الجانب» في اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك؛ بعد أن أعلن قائد قوات الدعم السريع بدوره عن هدنة أحادية الجانب لمدة يومين.

منذها، بدا بالفعل أنّ الأجاويد ما عادوا قادرين على إحداث فرق إيجابي في مسار الحرب التي استمرّت عاريةً وعصفت بالمكان والإنسان لـ 31 شهراً بعيداً عن مرافئ السياسة.

هل من طريق إلى السياسة؟

بعد مجيء دونالد ترَمب إلى البيت الأبيض العام الماضي، تغيّرت السياسة الأمريكية نحو السودان، وشرعت الولايات المتحدة في العمل ضمن المجموعة الرباعية التي تضمّ الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، واستضافت الولايات المتحدة اجتماعين لوزراء خارجية «الرباعية»، وصدرت عنهما عدة بيانات وتصريحات. في 12 سبتمبر 2025، اقترحت الرباعية، بناءً على «مشاورات مكثفة» أجراها وزراء خارجية الدول الأربع، ما يشبه خارطة طريق تبدأ بهدنة لمدة ثلاثة أشهر تقود إلى وقف إطلاق النار وفتح الممرّات، وهي قابلة للتمديد مع عملية سياسية تفضي إلى إقامة حكومة انتقالية في السودان خلال 9 أشهر.

وفي بيان صحفي بشأن استهداف الدعم السريع «المنشآت المدنية ومنشآت البنية التحتية»، في 14 سبتمبر، عبّر مجلس السيادة الانتقالي عن رفض ضمنيّ لمقترح الهدنة قائلاً: «هذه الحرب موجّهة ضد الشعب السوداني، وسيواجهها ويقرّر بشأنها لوحده»، ليأتي الرفض صريحاً في خطاب قائد القوات المسلحة يوم 23 نوفمبر. أما قوات الدعم السريع فقد انتظرت ريثما تنفّذ مقتلة الفاشر في 26 أكتوبر، لتوافق على مقترح الهدنة في 6 نوفمبر الجاري.

هكذا، بين خارطة طريق الرباعية قبل شهر والآن سقطت الفاشر، ورسَمَت ملامح الصورة الجديدة التي شكّلت الرواية الحالية للوضع في السودان. وارتبط اسم قوات الدعم السريع بوصفها «مليشيا» ارتكبت جرائم حرب واستخدمت عنفاً مفرطاً تجاه المدنيين في الفاشر، وأبرز هذا العنف ارتباطاً وثيقاً بين دولة الإمارات العربية المتحدة وقوات الدعم السريع، وتلاحقت التقارير والأدلة من دول ومنظمات دولية ومنظمات حقوقية ومؤسسات إخبارية، وتؤكّد ما كان معلوماً قبلها بشأن ما قدّمته الإمارات للدعم السريع من دعم لوجستي وحربي هيّأ للأخيرة أن تسيطر على الفاشر وتفعل بأهلها ما فعلت. أبرزت الصورة الجديدة الإمارات وقوات الدعم السريع تحت مجهر منظّمات حقوق الإنسان والإعلام، وأصبح من الصعوبة تجاوز الانتهاكات أو حتى تصوُّر أنه يمكن أن يُعوَّل على أفراد الدعم السريع في الانضباط.

في المعسكر الآخر، ظلّت القوات المسلحة والحكومة في بورتسودان طوال هذه الفترة متواضعة الأداء في صناعة خطاب سياسي جديد، إلى أن خرج القائد العام للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح البرهان في 23 نوفمبر الماضي، بخطاب أمام كبار ضباط القوات المسلحة، مقدّماً فيه رؤية مطوّلة ومفصّلة حول مسار الحرب والسلام في السودان، عارضاً مواقف متباينة تجاه المبادرات الإقليمية والدولية. وأشاد في مستهلّ حديثه بمبادرة وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، واعتبرها صوت الحقّ وصوت المنطقة، مؤكّداً أنّ أمن البحر الأحمر قضية مشتركة تهمّ الجميع، وأنّ هذه المبادرة تمثّل فرصة لتجنيب السودان الدمار والتمزّق، وأنها تحظى برضا السودانيين الذين اكتووا بنيران الحرب وينظرون إليها بعين التقدير. وأوضح أن هذه المبادرة تختلف عن كثير من المبادرات السابقة التي أرادت أن تُبقي على المتمردين ضمن المشهد السياسي والعسكري، وهو ما لا يمكن القبول به.

في المقابل، وجّه البرهان انتقادات حادة لمبادرة الرباعية، ولأوراق التفاوض الثلاث التي قدّمتها، واصفاً الورقة الأولى بأنها لا تستحقّ الإعلان عنها أو طرحها للناس لأنها تتنافى مع مبادئ الدولة السودانية. مؤكّداً أنّ حكومة السودان قدّمت خارطة طريق بديلة تحمل رؤيتها لحلّ الأزمة، ترتكز على وقف إطلاق النار مصحوباً بانسحاب الدعم السريع من المدن التي دخلتها بعد اتفاق جدة مثل زالنجي والجنينة والفاشر ونيالا، وتجميعها في مناطق محددة، بما يسمح بعودة المواطنين إلى مناطقهم، ثم الدخول في حوار «سوداني سوداني» لتحديد مستقبل البلاد. لكنهم فوجئوا، على حدّ قوله، بأن الورقة الثانية لم تتضمن أياً من معالم خارطة الطريق تلك. وأشار إلى أن الورقة الثالثة التي قدّمها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، هي «أسوأ ورقة» لأنها تلغي وجود القوات المسلحة وتطالب بحلّ الأجهزة الأمنية، بينما تُبقي الدعم السريع في مواقعها. واعتبر أن هذا الطرح يتنافى مع مبادئ الدولة السودانية وتضحيات الشعب، ويتعارض مع طموحات العسكريين.

ولم يكتفِ البرهان برفض المقترحات، إنما اتهم الوساطة بعدم الحياد، مشيراً إلى أنّ مبعوث الرئيس الأمريكي يتحدّث وكأنه يريد فرض حلول على السودان، وأنه يردّد خطاب الإمارات والدعم السريع، بل ويطلق اتهامات خطيرة مثل استخدام الحكومة للأسلحة الكيميائية وإعاقة وصول القوافل الإنسانية. وردّ البرهان على هذه الاتهامات بأنّ الحكومة فتحت جميع المطارات أمام قوافل الإغاثة، واصفاً الحديث عن إعاقة المساعدات بأنه محض «فزّاعة»، بينما تقاعس المجتمع الدولي عن نجدة أهل الفاشر ولم ينفذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة بفكّ الحصار عنها.

وفي سياق حديثه، شدّد البرهان على أن الدولة السودانية مستهدفة، وأنّ «معركة الكرامة» هي معركة بقاء لا تقبل أنصاف الحلول، معتبراً أنّ الحلول المطروحة حالياً دعوة صريحة لتقسيم السودان. وأكّد أن أيّ وقف لإطلاق النار لا يمكن أن يحدث بينما تحتّل الدعم السريع المدن والمناطق، وأنّ الحل يكّمن في تجميع هذه القوات وتسليم أسلحتها بضمانات، مشدّداً على أن لا أحد يستطيع أن يفرض على السودان شخصيات مثل «حمدوك أو حميدتي». واستنكر الحديث عن سيطرة «الإخوان المسلمين» على الجيش، مشدّداً على أن هذا الأمر غير صحيح، مبيناً قدرة المؤسسة العسكرية على إصلاح وهيكلة بنيتها بنفسها.

بهذا الخطاب، رسم البرهان ملامح موقف مزدوج: انفتاح على المبادرة السعودية التي يراها منسجمة مع مصالح السودان، ورفض صارم لمقترحات الرباعية التي يعتبرها تهديداً لوجود الدولة ومؤسساتها العسكرية.

ولم يمض على خطاب البرهان إلا يوم واحد حتى خرج قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، مُعلناً عن هدنة إنسانية أحادية الجانب في السودان تمتدّ لثلاثة أشهر، وذلك استجابة للجهود الدولية الرامية إلى وقف الحرب. وأكّد في خطاب بُثّ عبر القناة الرسمية لقوات الدعم السريع على «تليغرام» التزام قواته والقوات المتحالفة معها بهذه الهدنة، موضحاً أن الهدف الأساسي منها هو حماية المدنيين وتخفيف المعاناة الإنسانية.

وأشار حميدتي إلى أن هذه الخطوة يمكن أن تمثل بداية لنهاية الأزمة السودانية، داعياً دول الرباعية إلى الضغط على الجيش السوداني للانضمام إلى الهدنة. كما أعلن موافقة قوات الدعم السريع على آلية لمراقبة تنفيذها، والتعهّد بمحاسبة كلّ من يرتكب انتهاكات ضد المدنيين. وفي سياق العملية السياسية، أكّد استعداد قواته للمشاركة مع جميع الأطراف ما عدا «الحركة الإسلامية»، التي استثناها من أي تسوية سياسية مقبلة. وبعد أقل من 24 ساعة من خطاب «حميدتي»، شنّت الدعم السريع هجوماً عنيفاً على مدينة بابنوسة، لتؤكّد ما تعنيه هُدنتها هذه، وهي المعروفة بنكثها للهدن.

وفي السادس من نوفمبر، خرجت قوات الدعم السريع لتعلن أمام العالم التزامها بالهدنة التي طرحتها الآلية الرباعية، لكن هذا الالتزام لم يعش أكثر من بضع ساعات، إذ نفذت هجوماً بالطائرات المُسيّرة على ولايتي الخرطوم ونهر النيل.

وفي شأن مقتلة الفاشر، بثّت الدعم السريع مقطع ڨيديو لما سمّتها «اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في مزاعم وانتهاكات الفاشر» اتهمت فيه القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول البرهان ومساعده الفريق ياسر العطا وحاكم دارفور مناوي وآخرين بالانتهاكات التي حدثت في مدينة الفاشر!

وأخيراً، في 26 نوفمبر الجاري، نشرت صحيفة The Wall Street Journal مقالاً للفريق عبد الفتاح البرهان في باب الرأي بعنوان: «الحقيقة بشأن حرب السودان»

هكذا، بين الحرب وما تخلّلها هُدَن ملتهبة، تتصاعد أتون المعارك في إقليم كردفان غربي السودان، حيث تسعى القوات المسلحة السودانية إلى إحكام قبضتها على محاور شمال كردفان، بينما تعمل قوات الدعم السريع على تأمين إقليم دارفور والتقدّم نحو مدينة بابنوسة ذات الأهمية الإستراتيجية، فهل من طريق إلى مرفأ السياسة؟

Scroll to Top