أتر

خريطة حربية خلال سنة: رياح تغيِّر اتجاهها كلّ حين

في ظهيرة 26 من سبتمبر 2024 تصاعدت أعمدة الدخان في سماء الخرطوم، مُعلنةً بدء فصل جديد من حرب 15 أبريل. لما يزيد عن السنة، منذ انطلاق «الرصاصة الأولى» وحتى تلك الظهيرة الخانقة تغيّرت الخارطة الحربية مراراً، لكن بنمط واحد تقريباً: تمدّدت الدعم السريع في جميع الاتجاهات.

أمّا هذه الظهيرة، فقد كانت إعلاناً لتغيّر اتجاه رياح المعركة: ستتقلّص مناطق سيطرة الدعم السريع، ويتمدّد الجيش شمالاً وشرقاً مستعيداً ولايات كاملة عاشت في فوضى كسّيبة الدعم السريع أو في رعب اقترابهم، وستتغيّر مواضع خطوط التَّماس مُنتقلة إلى كردفان، ثم سيَتغيَّر اتجاه الرياح من جديد بسقوط الفاشر وبارا. هذه إذن، خريطة حربية خلال سنة، نسرد فيها تغيُّرات ميدان المعركة وخطوط المواجهة في اتجاهين. لكن كيف كانت تبدو الخريطة تبدو حتى تلك الظهيرة في نهايات سبتمبر؟

ما قبل 26 سبتمبر 2024

مع بدء الاشتباكات في صباح 15 أبريل، خسر الجيش مناطق واسعة في مُدّة وجيزة. وبحلول أغسطس 2023 كانت الدعم السريع تُسيطر على معظم ولاية الخرطوم – عدا شمال أم درمان حيث قاعدة وادي سيدنا العسكرية – مُحاصِرةً الجيش في حامياته في سلاح المهندسين بأم درمان وسلاح الإشارة في بحري وسلاح المدرّعات والقيادة العامة في الخرطوم، وبين جدران الأخيرة كان يحتمى قادة الجيش. وتمدَّدت الدعم السريع شمالاً حتى حجر العسل في ولاية نهر النيل، بعد أن احتلَّت مصفاة الجيلي.

في ليلة 23 أغسطس، تمكّن القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان من الخروج من القيادة العامة المُحاصَرة.

وفي شمال كردفان، سيطرت قوات الدعم السريع على أم روابة، في سبتمبر 2023، وأطبقت بحصارٍ خانق من ثلاثة محاور على الأبيض عاصمة شمال كردفان، وأكبر سوق محاصيل نقدية في السودان.

وبنهاية أكتوبر 2023، سيطرت الدعم على كامل دارفور بعد سقوط حامياتها تباعاً، عدا فاشر السلطان. وبدأت الدعم السريع فصلها في دارفور بمجزرة مُروّعة في الجنينة، وهو نمطٌ ستُكرِّره في كلِّ ولاية تطأها أقدامها. اختتمت الدعم السريع عام الحرب 2023، باجتياح ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة في 18 ديسمبر، بمساعدة أبوعاقلة كيكل قائد قوات درع السودان قادماً من سهل البطانة، ثمّ استهلت العام الجديد باستباحة قرى غرب الجزيرة ونهبها وقتل أهلها في مجازر مروعة.

2024: نقطة البداية

شهدت بداية العام 2024 أول انتصار عسكري ذا بال للجيش، إذ نجح في 16 فبراير 2024 في فكّ الحصار عن قاعدة سلاح المهندسين، ثمّ طرد لاحقاً الدعم السريع من مقرّ الإذاعة والتلفزيون، واستعاد أحياء أم درمان القديمة في 6 مارس. وفي 31 مايو شنّ هجوماً آخر في الخرطوم على قوات الدعم السريع في مدينة بحري عبر جسر الحلفايا سبقه بغارات جوية على الخرطوم بحري؛ ورغم نجاحه في عبور الجسر إليها، فشل في الارتكاز بها، وانسحبت قواته عائدة إلى أم درمان بعد معركة عنيفة استمرّت لأكثر من عشر ساعات.

وحتى منتصف العام 2024، ظلّت الدعم السريع مسيطرةً على أجزاء واسعة من دارفور، عدا الفاشر. وفي كردفان أطبقت حصارها على مدينة الأبيض بالسيطرة على مدن أم روابة والرهد وبارا التي تصلها بولايات وسط السودان، ووطّدت أقدامها في مدن ولاية الجزيرة عدا المناقل، وأنحاء شاسعة من ولاية غرب كردفان.

وفي 14 يونيو 2024، نجح الجيش والتشكيلات المتحالفة معه في صدّ هجوم كبيرٍ على الفاشر وقتل قائد الدعم السريع البارز علي يعقوب جبريل. لكن هذا الانتصار لم يَدُمْ طويلاً، ففي 20 يونيو استولت الدعم السريع مدينة الفولة عاصمة ولاية غرب كردفان بعد سيطرتها على اللواء 91، بعد معركة قصيرة؛ ما أدّى إلى تراجع القوات المسلحة إلى قيادة الفرقة 22 بابنوسة.

وفي 25 يونيو، توغّلت الدعم السريع جنوباً في وسط السودان وسيطرت على منطقة جبل مويا التي تربط ولايات سنار والجزيرة والنيل الأبيض، ثمّ هاجمت سنار، المدينة التجارية والعاصمة التاريخية للسلطنة الزرقاء. وفي 29 يونيو، والأنظار جميعها شاخصة إلى سنار، أعلنت الدعم السريع سيطرتها على مدينة سنجة جنوبي سنار، في معركة لم تدم سوى أربع ساعات، انسحبت على إثرها قوات الفرقة 17 مشاة عبر كوبري ود العيس. وتحوّلت ولاية سنار إلى «كرة من لهب تتدحرج صوب جميع الاتجاهات».

نزح الآلاف من سنجة عاصمة ولاية سنار، وقبلها من مدينة سنار. ولأنّ ولايتي النيل الأبيض والأزرق أضحَتَا محاصرتين منذ سيطرة الدعم السريع على جبل مويا، اتجه أكثر الهاربين إلى مدينة الدندر في محاولة للوصول إلى القضارف التي لا تزال الطُّرق بينها وشرق السودان وشماله مفتوحة. وفي اليوم التالي، توغّلت الدعم السريع واستولت على الدندر أيضاً، بعد أن انسحبت قوات الجيش القليلة الموجودة بها ثم سيطرت على مناطق الدالي والمزموم في مطلع يوليو. وأضحت سنار محاصرة من ثلاثة اتجاهات عدا اتجاه القضارف.

كان فصل سقوط سنجة وحصار سنار من أقسى الفصول في الحرب. لقد ظنّ الناس وظنّت الدعم السريع أيضاً أنها لا تُقهر، وأن انتقال المعركة إلى مدن شرق السودان بدءاً من القضارف قد بات وشيكاً. لكنّ الموازين انقلبت في صباح 20 يوليو حين أعلنت الدعم السريع مقتل قائدها في منطقة سنار والنيل الأزرق وقائد الهجوم على سنجة عبد الرحمن البيشي في غارة جوية شنّها الجيش. وستكلّف هذه الاستراتيجية التي سيتبعها الجيش الدعم السريع مراراً، كثيراً من أرواح قادتها الميدانيين.

استولت الدعم السريع على مدينة السوكي في 24 يوليو، لتُحكِم حصارها على سنار من جميع الجهات. كانت جبهات القتال المُشتعلة حتى ذلك الوقت في ولايات شمال دارفور وسنار والجزيرة وغرب وجنوب كردفان.

في شمال دارفور، ازدادت هجمات الدعم السريع على الفاشر شراسة، وكذلك معارك صحراء شمال دارفور التي تقودها القوات المشتركة، بينما كانت الدعم السريع تتمدّد في كردفان. وفي وسط السودان، كان الجيش يحاول الوصول إلى ود مدني، بينما تزيد الدعم السريع من إطباقها على عنق سنار. واستمرّ حصار الدعم السريع على الأبيّض وبابنوسة، بينما كانت الدلنج وكادُقلي تواجهان قصفاً وحصاراً مزدوجاً تفرضه الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية جناح عبد العزيز الحلو.

ثمّ تغيّر اتجاه الرياح

بعد انهيار مفاوضات جنيف، وبينما اتجه البرهان إلى نيويورك ليُلقي كلمةً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، شنّ الجيش في صباح 26 سبتمبر هجوماً برّياً واسعاً ومباغتاً من محاور متعدّدة في ولاية الخرطوم، ويُعَدُّ هجومه الأكبر منذ بدء الحرب. تحرّكت قواته من أم درمان عبر جسر الحلفايا نحو بحري وعبر جسر النيل الأبيض (السلاح الطبي) نحو منطقة المقرن في الخرطوم. وفي الوقت ذاته، تحرّكت قواته من الحاميات المحاصرة لتنتشر في محيط حامياتها العسكرية. وسبقت الهجوم غارات جوية على مواقع الدعم السريع في الخرطوم بدأت بعد منتصف الليل.

كان هذا هو الهجوم الكبير الثاني للجيش، بعد هجومه عبر جسر الحلفايا في نهاية مايو، بَيد أنه غيّر استراتيجيته، فبدلاً عن هجوم من محور واحد، غالباً ما تتمكّن الدعم السريع من صدّه باعتمادها على الفزع (أي تجميع عدد كبير من القوات ذات الطابع القبَلي من جبهات أخرى خلال وقت وجيز)؛ اعتمد الجيش في هجوم سبتمبر على تحرُّك متزامن من اتجاهات مختلفة ومتباعدة، ليضمن تشتيت قوات الدعم السريع بين عدة جبهات وإضعاف قدرتها على المقاومة.

استطاع الجيش في يومها، أن يثبّت أقدامه في بحري ويسيطر على مدخل جسر الحلفايا من ناحية بحري. لكنّ العبور الأصعب كان إلى الخرطوم، فقد كان على قواته الدخول من نقطة ضيقة ومنخفضة هي جسر النيل الأبيض إلى منطقة ممتلئة بالأبراج العالية في الخرطوم، والتي يرتكز فيها قناصة الدعم السريع الذين أعاقوا تقدّمه مراراً في معارك سابقة؛ لكنه استطاع أن يثبت موطئ قدم له في المقرن.

مع تصاعد المعارك في الخرطوم شنّ الجيش هجوماً على جبل مويا ونجح في استعادته في 5 أكتوبر. خرج قائد الدعم السريع في 9 أكتوبر، في أول اعتراف بالهزيمة، بخطاب يتّهم فيه مصر بقصف قواته بالطيران في جبل مويا كأنهم «ما بشَر»!

في 19 أكتوبر، وصل الجيش إلى تخوم الدندر وتصاعدت الأحداث في شرق ولاية الجزيرة بعد أن أعلن الجيش في 20 أكتوبر انشقاق أبوعاقلة كيكل قائد الدعم السريع في ولاية الجزيرة، وانضمامه إلى الجيش، وكانت أهمّ شروط استسلامه العفو العام واحتفاظه برتبة اللواء في جانب الجيش. وعقب الإعلان، وظهور كيكل مع قائد منطقة البطانة العسكرية العميد أحمد شاع الدين، الذي قتله الدعم السريع في 22 أكتوبر، شنّت الأخيرة حملة انتقامية متوحّشة على شرق الجزيرة من ثلاثة محاور: من جهة سنار، ومن بطانة الجزيرة، ومن محلية شرق النيل في لولاية الخرطوم، حيث يوجد عدد كبير من قواتها. اجتاحت الدعم السريع تمبول حاضرة البطانة ونهبت سوقها ونكّلت بالمدنيين. امتدت الحملة إلى القرى المجاورة ثم بقية قُرى شرق الجزيرة، ووصلت إلى مدينة رفاعة.

في اليوم التالي لاجتياح تمبول، تقدّم الجيش بمساندة فزَع من قبيلة الشكرية في معركة عنيفة بدأت في الساعة الخامسة عصراً واستمرّت حتى اليوم التالي، اضطرّ الجيش بعدها إلى الانسحاب. ثم عادت قوات الدعم السريع من جديد إلى تمبول. إثر هذه الحملة هُجّر السكّان من مئات القرى في شرق الجزيرة. وامتدّت حملة الترويع حتى قرى شمال الجزيرة مثل السريحة وقرى سنار.

في امتدادٍ لحملتها بشرق الجزيرة، هجمت الدعم السريع على الهلالية في 29 أكتوبر، ونكّلت بأهلها. قبلها، كانت المدينة تعيش حالةً من الهدوء النسبي وفّرها الاتفاق بين الإدارات الأهلية وحكماء المدينة وشبابها وقوات كيكل، وكان سوقها مفتوحاً مثل سوقي تمبول ورفاعة. كانت قوات من الدعم السريع قد هاجمت الهلالية عقب اجتياحها مدني.

خلال نوفمبر 2024، تصاعدت كثافة المُسيّرات على ولاية نهر النيل على نحوٍ مُطّرد، وشهدت مدينة عطبرة، سقوط عشرات المُسيّرات لعدة أيام متتالية.

وفي الوقت ذاته الذي كانت الدعم السريع تستبيح فيه قُرى الجزيرة وتهاجم شمال السودان بالمُسيَّرات، كان الجيش يقتل عشرات المواطنين بالغارات الجوية في المناطق التي تسيطر عليها الدعم السريع مثل ود مدني وملّيط.

وفي 21 نوفمبر، بدأ الجيش يقترب من سنجة، التي استعادها في 23 نوفمبر فاتحاً الطرق التي تربطها بسنار ومايرنو. وفي اليوم التالي فكّ حصار الدعم السريع على الدمازين جزئياً وفتح الطريق الذي يربطها بسنجة مستعيداً بلدتي أبوحجار وود النيّل.

في مطلع ديسمبر 2024 دخل متحرّك الصياد الذي كُوّن في يوليو 2023 «في أتون حرب صعبة في صحارى كردفان» متحرّكاً من مدينة تندلتي التي كانت مرتكزاً له منذ أبريل 2024 قاصداً استعادة أم روابة، ثم فكّ الحصار عن مدينة الأبيض.

وفي بداية ديسمبر، أيضاً قصفت الدعم السريع مخّيم زمزم للنازحين جنوب غربي الفاشر لأربعة أيام متتالية. في الوقت ذاته الذي تقدَّم فيه الجيش واستعاد، في 2 ديسمبر محلية أم القرى شرقي مدني (40 كيلومتراً) ووصل إلى كوبري ود الحداد جنوب ولاية الجزيرة، واستعاد مصنع سكر غرب سنار. واستمرّ في التوغّل في الخرطوم بحري عبر شارع الشهيد مطر، ووصل إلى جامعة المشرق في طرف شمبات الشمالي في 22 ديسمبر، ولم يَعد يفصل بينه وسلاح الإشارة المُحاصَر سوى عدة كيلومترات؛ كما اقترب من ضاحية كافوري، إحدى أكبر معاقل الدعم السريع.

تَواصُل المعارك: 2025

بدأ عام 2025 بوتيرة معارك متصاعدة إذ كان شهر يناير مشتعلاً في عدة جبهات وشهد انتصارات كبيرة للجيش مقابل هزائم متتالية وانسحاباتٍ للدعم السريع؛ لكن ظلّت ولاية الجزيرة الجبهة الأشد اشتعالاً. شنّ الجيش في 8 يناير هجومه لاستعادة ود مدني من ثلاثة محاور: شرقاً من الفاو، وغرباً من المناقل، وجنوباً من بلدة الحاج عبد الله التي استعادها في اليوم ذاته. بينما تقدّمت قوات درع السودان في محور الفاو واستعادت أمّ القرى التي تبعد عن مدني 40 كيلومتراً في 9 يناير، وتقدّمت حتى بلدة العريباب القريبة من ود مدني. في 11 يناير تقدّم الجيش والقوة المشتركة من الفاو والتحما مع قوات درع السودان في العريباب، لعبور جسر حنتوب شرق مدني، ووصلت القوات المتحالفة إلى وسط المدينة دون اشتباك مع الدعم السريع، التي انسحبت من مقرّ الفرقة الأولى مشاة. وأعلن الجيش استعادة ود مدني في اليوم ذاته. تبعت استعادة ود مدني أعمال عنف وتصفيات انتقامية في كنابي ولاية الجزيرة ارتكبتها مليشيات متحالفة مع الجيش، قُتل على إثرها ما يقارب 40 شخصاً.

أما قوات الدعم السريع المُنسحبة فقد تحصَّن بعضها بشرق الجزيرة، حيث لا تزال حتى ذلك الوقت تُسيطر على رفاعة وتمبول، بينما انسحب جزء آخر نحو محليتي القطينة وأم رمتة بولاية النيل الأبيض؛ كما انسحبت بعض القوات إلى الحصاحيصا، ونكّلت بسكّانها.

منذ بداية يناير، ومع تراجُعها في محاور عديدة، شنَّت الدعم السريع حرباً على الكهرباء، إذ استهدفت فجر 8 يناير محطة الكهرباء التحويلية قرب مقر الفرقة 19 مشاة بمروي، ما أدّى إلى تضرر مُحوِّلين بالمحطة التي تُغذي محلية مروي بالكهرباء، وتسبّب ذلك في انقطاع الكهرباء عن المحلية. وفي فجر 13 يناير، أصابت مُسيَّرات للدعم السريع الخط الناقل في المحطة الرئيسة الغربية التي توزّع وتنقل كهرباء سد مروي. ورغم أن المحوِّلات نفسها سَلِمت من الضرر، أدّى تضرُّر الخط الناقل في انقطاع الكهرباء عن ولايات نهر النيل والبحر الأحمر والخرطوم. وبعد أقل من أسبوع، في فجر 18 يناير أصابت مُسيّرة أخرى للدعم السريع محطة كهرباء الشُّوَاك في ولاية القضارف لتنقطع الكهرباء ليوم كامل عن ولايتي القضارف وكسلا.

في الوقت ذاته كانت مدينة النهود بولاية غرب كردفان تترنّح، وتنهشها الصراعات الداخلية بين عدة مليشيات مسلّحة وقوى قبَلية وتحيط بها الدعم السريع كحلقة نار، وتَفرض عليها حصاراً قاسياً ، من جهات الشرق والغرب والجنوب. ورغم أن المواجهات كانت بعيدة منها نسبياً، إلا أنها كانت تعيش حالة من الفوضى والسيولة الأمنية بسبب انتشار القتل والنهب والسرقة تحت تهديد السلاح. وفي 15 يناير 2025 دخلت النهود لأول مرة في حرب المُسيّرات التي كانت وتيرتها تتصاعد منذ أبريل 2024.

مع استعادة الجيش ود مدني هدأت جبهة ولاية الجزيرة نسبياً، وتسارعت وتيرة المعارك في ولاية الخرطوم. وحقّق الجيش، بضربة خاطفة، ثلاثة انتصارات مُباغتة، وسيراً على استراتيجيته الجديدة في فتح عدة جبهات لتشتيت الدعم السريع، شنّت قوات الجيش المُحاصَرة في سلاح الإشارة في الخرطوم بحري، في 21 يناير هجومها الأول منذ سبتمبر مُجبِرَةً الدعم السريع على التراجع نحو حي كافوري المُجاوِر. وكانت قوات الدعم السريع في بحري قد انسحبت شرقاً نحو كافوري خوفاً من الحصار في أحياء الخرطوم بحري الغربية التي يحدها النيل، إذا التقت قوات الجيش المتقدّمة من الشمال بقوات سلاح الإشارة. وفي يوم 22 يناير توغّل الجيش في حيّي العِزبة وكافوري المتجاورين اللّذين كانا يمثّلان مركز ثقل للدعم السريع؛ كما نفّذ الجيش عمليات داخل أحياء الرميلة والحلة الجديدة القريبة من وسط الخرطوم ومنطقة المقرن، ما شتّت قوات الدعم السريع في مناطق السيطرة التي تُحكم بها الحصار على القيادة العامة من جهة الجنوب، واستطاع منع القصف المباشر لقوّاته التي تتقدّم صوب سلاح الإشارة عبر شارَعي الشهيد مطر والمعونة. في 22 يناير نفسه، شنّ الجيش هجوماً على مصفاة الجيلي عبر الخطّ الذي يربطها بمنطقة حجر العسل بولاية نهر النيل على الحدود مع ولاية الخرطوم، فاتحاً بذلك جبهة جديدة في الخرطوم. اندلع حريق ضخم بمصفاة الجيلي في يوم 23 يناير، وشُوهدت سحابة دخان من أم درمان وبحري، وسط تبادل الجيش والدعم السريع الاتهامات حول من أشعل الحريق. وفي 24 من يناير، التحمت القوّات المتقدمة من بحري بقوات سلاح الإشارة وفكّ الجيش حصاراً دام أكثر من 21 شهراً تقريباً على قيادته العامة في الخرطوم. أعلن الجيش في اليوم التالي 25 يناير سيطرته على مصفاة الجيلي عقب اشتباكات دامت لعدة أيام.

بينما واصل الجيش تقدُّمه في الخرطوم وأم درمان والجزيرة، كان متحرّك الصياد يشقّ طريقه غرباً بصعوبة عبر رمال كردفان، ونجح أخيراً وبعد معارك ضارية استمرت لأشهر في 30 يناير في استعادة أم روابة ثاني أكبر مدن ولاية شمال كردفان، بمساعدة متحرّك الشهيد المصري الذي تحرّك نحو المدينة وحاصرها من الجنوب وانسحبت قوات الدعم السريع بعد انهيار دفاعاتها إثر المعارك المتصاعدة والقصف الجوي الذي راح ضحيته عدد من المدنيين.

 وفي مطلع فبراير، تقدّمت قوات درع السودان مع متحرّك النبأ اليقين نحو تمبول ورفاعة، وأعلن الجيش استعادة المدينتين بعد ما يزيد من العام على اجتياح الدعم السريع لها، وبعد أكثر من أربعة أشهر على الحملة الانتقامية للدعم السريع. ومع استعادة الجيش للمدينة، بدأت الأسواق تعود تدريجياً رغم استمرار انقطاع الكهرباء. كذلك استعاد الجيش الحصاحيصا التي كانت الدعم السريع تفرض على سكّانها إرهاباً وحظر تجوّل قاسياً. وفي 3 فبراير استعاد الجيش منطقتي العيلفون وأم ضواً بان في شرق النيل التي كانت محطةً وملجأً لكثيرٍ من نازحي شرق الجزيرة منذ نهاية أكتوبر 2024.

تمركزت كثيرٌ من قوات الدعم السريع المُنسحبة من الجزيرة في القطينة بولاية النيل الأبيض. وفي يومي 5 و11 فبراير شَنَّ الجيش غارة جوية على عدد من الأحياء في المدينة أدّت إلى مقتل 4 مدنيين وإصابة آخرين. وشنّت الدعم السريع حملة انتهاكات واسعة في المدينة.

في 18 فبراير، اليوم الذي وصل فيه متحرّك الصياد إلى الرهد أبودكنة، بولاية شمال كردفان واستعادها ثمّ بدأ زحفه نحو الأبيّض؛ انسحبت قوات الدعم السريع من القطينة – نتيجة لتقدّم قوات الجيش – لكنها عادت في اليوم التالي 19 فبراير، وشنّت هجوماً واسعاً وعنيفاً على القطينة ونكّلت بأهلها، وأسفر الهجوم عن مقتل العشرات.

عقب المجزرة، أعلن الجيش استعادة عدة مناطق بمحلية القطينة، ودارت اشتباكات عنيفة بينه والدعم السريع استمرّت ثلاثة أيام. استعاد الجيش مدينة القطينة في 23 فبراير، بينما ظلّت قرى في محليتي القطينة وأم رمتة تحت قبضة الدعم السريع.

وفي 23 فبراير نفسه التحمت قوات متحرّك الصياد المتقدّمة من جهة الجنوب بالطريق القومي بين كوستي والأبيض بقوات الفرقة الخامسة مشاة (الهجّانة)، وأعلن الجيش فكّ حصار قوات الدعم السريع الخانق عن مدينة الأبيض من جهة الشرق وقد دام 22 شهراً، وظلّت مُحاصَرةً من الشمال الشرقي والغرب والجنوب. استمرّت الدعم السريع في قصف المدينة بينما حرّك الجيش آلياته الثقيلة إلى الجهة الغربية، وحشدت الدعم السريع أيضاً قواتٍ كبيرة في القرى غرب المدينة في محاولة لاجتياحها وتعويض تقهقرها في جميع جبهات القتال في البلاد تقريباً، لكنّ الطيران الحربي قصَف متحرّكها في أم عردة جنوب الأبيض على الطريق بينها والدبيبات. وتداعت قبائل دار حامد للتصدّي لها بعد انتهاكات الدعم السريع في أم كريدم شمال غرب الأبيض. لكنّ الطُّرق بين الأبيض والمدن والمناطق القريبة ظلّت شبه مقطوعة بسبب حالة الانفلات الأمني في الولاية، وانتشار قطّاع الطرق والنهّابة والجماعات المسلحة.

«مُروق الحنّة من ضُفر العروس»

أما الخرطوم، فقد كانت تعيش، بحلول منتصف مارس، «فوضى اللحظات الأخيرة» لانسحاب الدعم السريع. كان الجيش بمختلف تكويناته، والقوات المساندة له، يتقدّم في عدة محاور من عدة اتجاهات، بينما تنسحب الدعم السريع زمراً وفي طريق انسحابها تترك خيطاً من الفوضى والقتل والانتهاكات. إذ وثّقت غرف طوارئ محلية الخرطوم انتهاكات عمّتها شملت تهجيراً قسرياً ونهباً للبيوت واختطاف المواطنين بغرض الفدية وحالات اغتصاب، بل وذبح المواطنين بحسب لجان مقاومة الديوم، حتى اضطرّ بعض المواطنين الذين بقوا في منازلهم منذ بداية الحرب إلى النزوح منها.

في 17 مارس أعلن الناطق الرسمي باسم الجيش، التحام قوات سلاح المدرعات بالقوات الموجودة في القيادة العامة؛ وفي اليوم نفسه، كثّفت قوات الدعم السريع المرتكزة في غرب أم درمان قصفها المدفعي على أحياء أم درمان القديمة ومحلية كرري لعدة أيام، بينما ردّ الجيش بقصف مواقع الدعم السريع. وفي 21 مارس، أعلن الجيش استعادة القصر الجمهوري، بعد 23 شهراً من بداية الحرب. استمر الجيش في الانتشار في ولاية الخرطوم، وسيطر على عدة مبانٍ في منطقة المقرن يوم 22، ثمّ أحكم قبضته على وسط الخرطوم في اليوم التالي، وبدأ بالتقدُّم شرقاً نحو برّي بعد يومين. في هذه الأثناء كانت أعداد كبيرة من جنود الدعم السريع تنسحب عشوائياً من الخرطوم.

كُتبت نهاية مغامرة الدعم السريع في مدينة الخرطوم يوم 26 مارس، فخلال يوم واحد فقط، وبضربة خاطفة، أطبق الجيش والقوات المُسانِدة له على محلية الخرطوم من جميع الاتجاهات تقريباً بالتزامن مع انتشار قواته من المعسكرات داخل العاصمة، إذ أعلن في الصباح استعادة اللواء الأول «آلي» مشاة في الباقير جنوب الخرطوم (على النيل الأزرق)، وانتشرت قوات سلاح المدرعات والقيادة العامة في المدينة وسيطرت على جسر المنشية بجهة الخرطوم، وانتشرت على طول شارعَي المطار والستين، ووصلت حتى السوق المركزي الخرطوم، وسيطرت على أحياء وسط الخرطوم وعلى مطار الخرطوم؛ كما تحرّكت قوات سلاح المدرعات وانتشرت جنوباً في أحياء الكلاكلة ووصلت حتى معسكر اليرموك ومعسكر قوات الاحتياطي المركزي. في الأثناء، تقدَّمت قوات لواء النخبة الأول بجهاز المخابرات الوطني مع قوات درع السودان شمالاً من حدود ولاية الجزيرة وسيطرت على منطقة طيبة الحسناب التي تضمّ معسكر «طيبة» أكبر معسكر للدعم السريع في العاصمة، وسيطرت على قاعدة النجومي الجوية قرب جبل أولياء ثمّ مدينة جبل أولياء نفسها. وفي 27 مارس أعلن الجيش استعادة محلية الخرطوم بأكملها. وبذلك، وبعد تحرير محليتي بحري وشرق النيل سابقاً، لم يبق في قبضة الدعم السريع من ولاية الخرطوم التي كان يسيطر عليها جميعها تقريباً، عدا غرب وجنوب غرب أم درمان. ولعلّ أبلغ مشهد يلخص هذه الهزيمة كان ڤيديو جوّياً يصوّر هروب أعداد هائلة من عناصر الدعم السريع سيراً على الأقدام عبر كوبري خزان جبل أولياء نحو منطقة الصالحة بغرب بأم درمان، خوفاً من أن يغلق الجيشُ الكوبري وتُحاصَر في الخرطوم.

خلال فبراير، اشتدَّت حدَّة المعارك في محور الصحراء، وفي 20 مارس، وبينما كانت الخرطوم مشتعلة، هاجمت الدعم السريع مدينة المالحة بشمال دارفور من عدة محاور، واجتاحتها بعد معارك ضارية مع قوّات المشتركة والجيش التي تصدّت لها في بادئ الأمر، ثم انسحبت مع اشتداد القتال ونقص الذخيرة. لم تدّخر قوات الدعم السريع وقتاً بعد سيطرتها على المدينة فنفّذت عملية نهب واسعة للأسواق ثمّ أحرقتها، كما نهبت المنازل ومنظومات الطاقة الشمسية وأجهزة ستارلينك، واعتقلت عشرات الشباب وقتلت بعض المواطنين داخل منازلهم. أما السكّان فقد فرّوا من هذا البطش ولجأوا إلى المناطق الجبلية والقرى القريبة.

بعد انسحاب الدعم السريع من الخرطوم، واتجاهها غرباً إلى ريف أم درمان الجنوبي، وأثناء محاولتها صدّ هجوم الجيش الذي لم ينقطع عنها في أم درمان «أقحمت الدعم السريع نفسها في معارك واشتباكات متقطعة مع بعض سكّان قرى منطقة الجموعية وأحياء الصالحة» لنهب منازلهم أو طردهم منها. ورغم أنّ سكان القرى قاوموا المعتدين، إلا كثيراً منهم قُتلوا في الاشتباكات، ففي قرية التريس مثلاً قتلت الدعم السريع 9 مدنيين، بينما قَتل سكّان القرية 16 من عناصر الدعم السريع المهاجمة. وبحلول أبريل بلغ عدد القتلى من المدنيين في قرى الجموعية 129 قتيلاً. وفي نهار 27 أبريل أعدمت الدعم السريع في الصالحة عشرات المواطنين في وضح النهار وأمام مرأى الشهود بتهمة انتمائهم إلى استخبارات الجيش رغم تأكيد الشهود أنهم مواطنون عاديون وعُزّل، ووثّقت ذلك في ڤيديو بثّته عناصرها على وسائل التواصل الاجتماعي ومنعت ذويهم من دفنهم لأكثر من يومين، ثمّ تبنّى أحد قادتها الميدانيين المجزرة رغم محاولة الدعم السريع التنصّل من مسؤوليتها.

وانسحبت بعض قوات الدعم السريع نحو بارا عبر طريق الصادرات الذي ما زالت تسيطر عليه، كما نزح إليها بعض المدنيين الخائفين من أن ينكِّل بهم الجيش، بعد استعادة أم درمان، بتهمة التعاون مع الدعم السريع. ومع وصول تلك القوات إلى كردفان بدأت بالتنكيل بقرى شمال كردفان خاصّة القرى جنوب الأبيض وقرب الرهد، وتصاعدت إثر هذا وتيرة النزوح نحو مدن شمال كردفان التي يسيطر عليها الجيش خاصة الأبيض.

في 5 أبريل، ونتيجة للسيولة الأمنية المستمرّة في النهود منذ بداية الحرب وفي ولاية غرب كردفان، حدثت اشتباكات قبَلية في السوق الكبير بالمدينة، أغلقت السُّلطات على إثرها السوق الكبير ونشرت قوات من الجيش والقوات النظامية الأخرى، وجاءت اشتباكات السوق في أعقاب اشتباكات قبلية أخرى بالأسلحة الثقيلة في منطقة أبو سرور جنوب شرق النهود. وعلى مدى أشهر من الحرب والحصار وتهديد الدعم السريع باجتياحها، وسباق التسلّح القبَلي المحموم أصبحت الأحداث من هذه الشاكلة «مشاهد متكرّرة على مدار الأسبوع» بالمدينة وأريافها، إذ تشهد طرق الولاية ومناطقها «فوضى وسيولة أمنية غير مسبوقة».

نحو كردفان مرة أخرى

وفي 1 مايو، ووسط هذه الفوضى، اجتاحت قوات الدعم السريع مدينة النهود وسيطرت عليها بعد هجوم خاطف من عدة محاور، سبقه قصفٌ عنيفٌ بدأ منذ الخامسة صباحاً، ثمّ هجوم بالمُسيّرات، ثمّ اجتياح بالمشاة. انتشرت الدعم السريع في أحياء المدينة وسوقها وصوّرت ڤيديوهات من أمام المقار الحكومية بالمدينة، ودخلت بيت ناظر الحَمَر عبد القادر منعم منصور ثمّ هاجمت اللواء 18 مشاة شرق المدينة التابع للفرقة 22 بابنوسة الذي تراجعت إليه قوات الجيش والكتائب القبلية المتحالفة معه، التي انسحبت إلى الخوَي ثم أم كريديم ثم إلى الأبيّض.

ظلّت قوات الدعم السريع تحشد قواتها من عدة مناطق لهذا الهجوم، وبينهم مجنّدون جدد أنهوا تدريبهم للتو. واجتاحت هذه القوات المدينة بمئات السيارات المسلّحة على ظهرها آلاف الجنود بقيادة علي رزق الله «الساڤنا». وحاول بعض المسلّحين القبَليين التصدي للدعم السريع لكنهم لم يستطيعوا الصمود أمام نيرانها.

وعقب سيطرة كسّيبة الدعم السريع على المدينة، وقعوا عليها بحملة انتهاكات ونهب واسعة، إذ اعتقلوا كثيراً من المسلّحين وأعيان المدينة والإدارات الأهلية، كما قتلوا عدداً من قادة المقاومة الشعبية والكيانات القبَلية المتحالفة مع الجيش ممن كانوا يبحثون عنهم بناءً على قوائم يحملونها، ونهبوا أكثر من 200 شاحنة محملة بالبضائع كان تجّار بورصة المحاصيل قد حمّلوها بالمنتجات الزراعية والصمغ العربي.

وإثر انسحاب الجيش، نزح أهالي النهود إلى القرى المجاورة، بينما أغلقت الدعم السريع المستشفيات وعطّلت شبكات المياه والكهرباء. وعاش من بقي في النهود وسكان القرى المجاورة لها ستة أيام من العطش قبل أن تتدخّل الإدارات الأهلية وتتفاوض مع الدعم السريع على إعادة المياه. ولاحقاً أعلنت الدعم السريع بحضور الناظر عبد القادر منعم منصور تكوين إدارة مدنية بالمدينة التي أضحت مدينة أشباح، لإعادة الحياة إلى طبيعتها.

شرقاً وغرباً: مُسيَّرات وتبادل سيطرة وحصار

وفي 2 مايو قصفت مُسيّرة للدعم السريع مصفاة الأبيض للبترول عند منتصف الليل، ما أدّى إلى اندلاع حريق هائل. وفي اليوم التالي قصف الجيش مطار نيالا بمُسيّرتين أثناء وجود طائرة شحن يُرجَّح أنها كانت تنقل عتاداً عسكرياً وتُقلّ مصابين من جنود الدعم السريع، وتبِعَ الاستهدافَ اندلاعُ حريق بالمطار. وفي اليوم ذاته استهدفت مُسيَّرة للدعم السريع مطار كسلا وأخرى مطار مروي. إثر هذا تصاعدت وتيرة حرب المُسيَّرات وطالت نيرانها، لأول مرة منذ بدء الحرب، مدينة بورتسودان؛ ميناء السودان الرئيس وعاصمته الإدارية المؤقتة.

في يوم 4 مايو بدأ هجومٌ بالمُسيَّرات الانتحارية والاستراتيجية على بورتسودان. وعلى مدى خمسة أيام، حتى يوم 8 مايو، استهدفت المُسيَّرات عدداً من المرافق المدنية والعسكرية بينها، مطار بورتسودان الدولي الذي استهدف أكثر من مرة، ومحطة الرادار بقاعدة فلامنقو البحرية التي استُهدفت بدَورها مرتين، وقاعدة عثمان دقنة الجوية، ومستودع بضائع في المطار، ومخزن ذخائر، ومستودعات الوقود الاستراتيجية في ميناء بشائر، ومستودع وقود في مطار بورتسودان، ومستودعات في محيط الميناء الجنوبي، وفندق مارينا (كورال) قرب قصر الضيافة، ومحطة كهرباء بورتسودان. وتزامنت ضربات مُسيَّرات الدعم السريع على بورتسودان مع هجومها على مدن أخرى، فقد استهدفت سد مروي، ومدينة الأبيّض، ومروي وكسلا، والأخيرتان استُهدفتا مرتين، ومستودعات وقود قرب الميناء النهري بمدينة كوستي. تسّبب الهجوم، خاصة على خزانات الوقود، في اندلاع حرائق هائلة في بورتسودان وكوستي. وتسّبب قصف محطة الكهرباء بالمسيرات في انقطاع الكهرباء عن بورتسودان التي عاش أهلها حالة من الذعر، وخلت الأحياء القريبة من مناطق الحرائق -التي غطى دخانها سماء المدينة- من السكّان تقريباً، كما اكتظت محطّات الوقود وارتفعت أسعار تذاكر رحلات الباصات المغادرة من المدينة التي تأوي آلاف النازحين. في خضمّ ضربات المُسيّرات، أعلنت الحكومة السودانية يوم 6 مايو، عبر بيان لمجلس الأمن والدفاع، قطع العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة وإعلانها دولة عدوان، عقب إصدار محكمة العدل الدولية حكمها بإسقاط قضية السودان ضد الإمارات بتهمة الضلوع في الإبادة الجماعية للمساليت.

في كردفان عُزِّز متحرك الصياد بقوات من جهاز الأمن والمخابرات الوطني، والقوّة المشتركة لحركات الكفاح المسلّح، ثمّ انطلق من جديد في صحارى كردفان عبر محورين: جنوب الأبيض قاصداً الدبيبات وغربها قاصداً الخوَي. واستطاع ما بين 9 و14 مايو تحقيق عدة انتصارات: غرباً، استعاد الجيش منطقة العيارة على الطريق القومي بين الأبيض والنهود، ثمّ انطلق نحو الخوَي التي شهدت انسحاباً وعودةً وتبادلاً للسيطرة ومعارك ضارية استمرّت ثلاثة أيام، وسيطر عليها الجيش أخيراً يوم 14 أبريل. أما جنوباً فاستعاد كازقيل والبان جديد وأم عردة ثم وحدة الحمادي الإدارية واقترب من مدينة الدبيبات التي انسحب الدعم السريع منها بحلول يوم 14 أبريل إلى أبوزبد، وتركها نهباً لعصابات مسلحة من الشفشافة التي نهبت المدينة، ما اضطرّ سكّانها إلى النزوح.

في 20 مايو أعلن الجيش استعادة كامل ولاية الخرطوم وخلوّها من الدعم السريع، وفي اليوم التالي أعلن أيضاً خلوّ ولاية النيل الأبيض من الدعم السريع. وفي 23 مايو أعلن السيطرة على الدبيبات. لكن سلسلة الانتصارات هذه انتهت في 28 مايو حين هاجمت الدعم السريع الخوي بمُسيرّة قتلت 8 أشخاص، ثمّ سيطرت على كلٍّ من الخوي والدبيبات في 29 مايو بتكلفة بشرية باهظة.

في 10 يونيو هجمت قوات الدعم السريع على منطقة المثلث الحدودية – بالتعاون مع قوات ليبية بحسب شهود عيان- وسيطرت عليها. ويعدّ المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر منطقة استراتيجية ومعبراً حدودياً مهماً. وعقب سيطرة الدعم السريع عليها نزح الآلاف من المنطقة التي تعدّ معبراً للهجرة غير الشرعية، ووصل بعضُهم إلى قرى الشمالية عبر مَسير عدة أيام في الصحراء وبعضهم عبَر الحدود إلى مصر ثم رحَّلهم الجيش المصري عبر معبر أرقين إلى السودان، ومن ثمّ استولت الدعم السريع على قاعدة الشفرليت العسكرية. في 13 يونيو أعلن الدعم السريع سيطرته على «أم صميمة» التي تقبع على مسافة 40 كيلومتراً غرب الأبيض، ثمّ انسحب منها دون إقامة ارتكازات. وخلال يونيو أيضاً عادت الدعم السريع لتهاجم الفرقة 22 مشاة المحاصرة ببانوسة، وكان القتال قد توقَّف فيها منذ يناير 2024. خلال هجماتها يوم 20 يونيو، تكبّدت الدعم السريع خسائر كبيرة وأصيب كثير من جنودها الذين كانوا يتلقّون العلاج في مستشفى المُجلد القريبة من بابنوسة، والذي قصَفه الجيش بمُسيرّة يوم 21 وقَتل فيه 41 مواطناًـ في 13 يوليو أعلن حاكم إقليم دارفور استعادة أم صميمة إلى سيطرة الجيش، لكن الدعم السريع عادت وسيطرت عليها من جديد في 30 يوليو.

في هذه الأثناء كانت الدلنج وكادُقلي، أكبر مدينتين في ولاية جنوب كردفان تدفعان ضريبة التحالفات المتناقضة، وتعيشان حصاراً خانقاً ومزدوجاً ومستمرّاً منذ سنة الحرب الأولى، تفرضه قوات الحركة الشعبية – شمال بقيادة عبد العزيز الحلو من جهة وقوات الدعم السريع من جهة أخرى. وفي 20 يوليو نظّمت مجموعة من النساء احتجاجات في كادُقلي طالبن فيها بفتح مخازن الفرقة 14 مُشاة بالمدينة وتوزيع المساعدات الغذائية المحتجزة فيها. وردّت السلطات بعنف مُرسِلةً الشرطة التي فرّقت الاحتجاج واعتقلت 15 من المشاركات فيها. في اليوم التالي للهجوم شهدت المدينة انفلاتاً أمنياً وحالةً من الفوضى في السوق بعد اقتحام قوات متحالفة مع الجيش مخازن السوق بالقوة وتبعهم في ذلك المواطنون، ما أدّى إلى نهب واسع في السوق. ثمّ شهدت المدينة تظاهرات واسعة تطالب بإطلاق سراح المعتقلات، وردّت السلطات عليها بعنف أكبر أدّى إلى مقتل 6 أشخاص بينهم طفل. وفي مطلع أغسطس قصفت قوات عبد العزيز الحلو المدينة بالمدافع، وسط استمرار الغلاء والجوع.

في منتصف أغسطس شهدت بارا موجةً من الانتهاكات على يد الدعم السريع بغرض النهب أدّت إلى نزوح كثير من سكّانها الذين لجأوا أولاً إلى القرى المجاورة، التي تعرّضت لاحقاً للانتهاكات ذاتها ما دفعهم إلى النزوح إلى الأبيّض وبعضهم إلى الخرطوم. وفي يوم الخميس 11 سبتمبر، أعلن الجيش استعادة بارا، وجاء هذا الإعلان عقب معارك عنيفة سبقتها تحرّكات عسكرية استعاد فيها الجيش والقوات المتحالفة معه محلية أم دم حاج أحمد ثمّ زريبة الشيخ البرعي. وبتحرير بارا عاد أمل فتح طريق الصادرات مرة أخرى.

الرياح تُغيِّر اتجاهها مرة أخرى

لكنّ هذا الأمل الآنف سرعان ما تداعى بعودة بارا من جديد إلى قبضة الدعم السريع في 25 أكتوبر الماضي، ثمّ تبعتها محلية أم دم حاج أحمد في 27 أكتوبر التي تهدّد سيطرة الدعم السريع عليها أم روابة ومن ثم عودة الحصار مرة أخرى على الأبيض من جميع الاتجاهات. وقد ارتكبت الدعم السريع عند عودتها انتهاكات واسعة في قرى شمال كردفان ومدينة بارا.

 وبين سقوط بارا وأم دم حاج أحمد، شنَّتْ الدعم السريع هجومها الأخير على الفاشر، وكان عنيفاً، ومنسّقاً، سبقته ضربات المُسيّرات وصاحَبته أجهزة التشويش، انسحبت على إثره قيادتا الجيش والقوّة المشتركة من المدينة في ليلة 26 وصباح 27 أكتوبر. ورغم استمرار القتال في بعض الأحياء، كانت المدينة قد سقطت فعلياً – بعد 550 يوماً من الحصار، و267 هجوماً – في قبضة الدعم السريع التي ارتكبت فيها مقتلة تَظهر آثارهُا من الفضاء؛ ليتغيّر اتجاه الرياح مرة أخرى.

Scroll to Top