أتر

نـوتـة من عِـلْـم الكُونِكا (27)

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية الفنانة مروة الدولية

تأمَّل المرحوم كارل ماركس طويلاً في «السلعة» الرأسمالية، علبةَ تبغٍ أو قميصاً، وقال عنها إنها «وثن». حقَّ للقارئة أن تستغرب هذا الاختيار العجيب، فالمرحوم نَكَت هذا المعنى من علم الأنثربولوجيا الذي استجدّ في عصره، من اللقاء الهائل والدموي بين الغزاة الأوروبيين والشعوب التي وجدت نفسها تحت رحمة «الاكتشاف» في القرنين السابع عشر والثامن عشر، حتى نضج المعنى نسبياً في القرن التاسع عشر، بقلم أوغست كونت. انتخب البحّارة والجلّابة البرتغال الكلمةَ لوصف ما غَمُض عليهم من نذور وحِجْبات أهل الساحل الإفريقي الغربي، وعدّوها جملةً من ضمن المكتبة «الوثنية». 

من ثمّ بَرْطَع بالمفهوم الفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (1789-1957)، مؤسِّس العقيدة «الوضعية»، كلَّ البَرْطَعة في كتابه «مواعظ الوضعية» (تروبنر وشركاؤه، لندن، 1883). الوثنيّة عند كونت أول مراحل تطوُّرِ الدِّين، بل العقل والاجتماع البشري، وأشدُّها بدائية، يَنسخها الشِّرْك بتعدّدية الآلهة، والذي ينسخه من ثمّ التوحيد. عدَّ كونت هذه المراحل الثلاث أوَّلَ عتبةٍ في تصاعُدٍ من ثلاث عتبات: الدِّين أوّلها؛ ثمّ الميتافيزيقيا التي يفارق بها الإنسانُ الإيمانَ بإلهٍ قائمٍ على العالم إلى الإيمان بطاقة روحية لا عيان لها؛ ثمّ الوضعية التي يتحرَّرُ بها الإنسان من قبضة الدِّين والميتافيزيقيا إلى طلاقة العلم التجريبي. وفرضية كونت، التي قام عليها تصوُّرُه للاجتماع، هي حتمية الانتقال عبر هذه العتبات الثلاث: الدِّين ثمّ الميتافيزيقيا ثمّ العلم الوضعي. اقترَح كونت بدلاً عن كُلِّ هذا نظاماً جديداً للدِّين والأخلاق تحت راية «الإنسانية»، بحيث تصبح فكرة الإنسان نفسه «الإنسانية»، موضوعاً للعبادة، وقال: هي «الموجود الأعظم الجديد». 

فسَّر بعض الخَشَّامَةِ هذا الموجودَ الأعظم بالإشارة إلى محبوبة كونت ومُلهمته المُحصنة كلوتيلده دي ڤو (1815-1846)، التي ماتت عنه بالسلّ الرئوي بعد سنة قصيرة من غرام مُلتهب ميدانُه دعوات العشاء والخطابات في عمر 32 سنةً. اقترنت كلوتيلده في عمر العشرين بمُحاسب ضريبي كان عون والدها الضابط في جيش نابليون على مُغالبة ديونه الكثيرة. لكن انهار زواج المصلحة قصير العمر هذا بهرب الزوج مُدمن القمار، بعد أن سرق مال الضرائب الذي كان وصياً عليه. وظلّت كلوتيلده عميقة التديُّن الكاثوليكي مُعلَّقة بميثاق زوجها، يَحُول القانون المدني النابليوني بينها والزواج من جديد، حتى يتحقَّق طلاقُها من زوجها الذي خرج ولم يعد في يونيو 1839، إلى بلجيكا ثم إلى الهند الشرقية الهولندية. تفرَّغَتْ كلوتيلده من ثمَّ إلى همومٍ ثقافيّة وصارت بالشدّة كاتبةَ قصصٍ قصيرة، تُكرِّرُ فيها تصوير النساء ضحايا لأزواج أشرار، مجتمع ظالم، أمهات مُهمِلات، وتعليم خائب. واشتهرت عنها مقولة ميزوغينية بعبارة اليوم: «تلهم المرأة كفاحاً المشاعر التي تريدها» (ميري بكرنغ، كلوتيلده دي ڤو والبحث عن هوية، ضمن «السيرة الجديدة: أداء الأنوثة في فرنسا القرن التاسع عشر»، تحرير ج. ب. مارغادانت، دار نشر جامعة كاليفورنيا، 2000). 

وحقَّ لها؛ فقد انهار عالم كلوتيلده في عمر الرابعة والعشرين، وعادت خائبةً إلى دار والديها بلا مال، وخلواً من أي مهارة لكسبه، يُهدِّدُها التدهور السريع من مواقع الطبقة الوسطى عظيمة التقاليد إلى تفسّخ «الكونكا» الباريسية، وقد أحاطت بها الفضيحة من كُلِّ باب، فضيحة والدها المُعدَم، وفضيحة زوجها الشّفْشَاف الهارب. تحوَّلت كلوتيلده إلى «الكتابة» طلباً للرزق، واستجابةً لسؤال أشعل خيال مثقّفي ثلاثينيات القرن التاسع عشر في بلادها فرنسا: ما الذي يشغل ذهن النساء بالضبط؟ كتبت كلوتيلده هذه المشاغل في قصص قصيرة للمجلّات السيارة، موضوعها «المِحْنة»، محنة القواعد الاجتماعية التي كبَّلَتْ حياتها، ومحنة الفقر الذي فغر فاه لها في شقة والديها الصغيرة، التي انتقل إليها كذلك أخوها ماكس وزوجته. ضحك القدر لكوتيلده عام 1844، حين قرّر عمُّها أن يُكرمها بسهم ماليّ دوريّ يُحقِّقُ لها بعض المعاش، فانتقلت إلى شقّة تخصُّها في بناية قريبة من شقة والديها في باريس. 

التقت كلوتيلده أوغست كونت، الأستاذ العظيم في «الإيكول بوليتكنيك» ومعلمّ أخيها ماكس، أول مرة بتدبير ماكر من والدتها التي أصرَّت أن تنضمّ كلوتيلده إلى دعوة عشاء هيَّأت لها الأم واسعة الحيلة في شقّتها في نمرة 7 الشارع المرصوف، حي ماريه، في أبريل عام 1844. كان الأستاذ قد اكتمل قمرُه بنشر كتابه ذي الثلاثة مجلدات «محاضرات في الفلسفة الوضعية» (1830-1842) الذي عدَّه بعضُ المعاصرين فتحاً في فلسفة العلوم. همست كلوتيلده في أُذن زوجة أخيها تكتم القرقرة: شين جنس شنا! وصدَقت ربما. كان رجلاً قصيراً في عمر السادسة والأربعين، برزت له كرشٌ مستديرةٌ ولمعت صلعته، وقد فارق زوجته بالطلاق قبلها بعامين، وظهرت على زيِّه علامات البهدلة. لكن، أخذ سحرُ كلوتيلده، بعينيها الواسعتين عميقتي الزرقة وبياضها الشاحب وملامحها الرقيقة وخصل شعرها اللينة، بشغاف قلب أوغست كونت من النظرة الأولى. لم يَلتهب قلب كلوتيلده بغرام كونت، لكنها اكتشفت هُويَّةً جديدةً لنفسها كمثقّفة مستقلّة تحت رعايته. 

صوّر أوغست كونت علاقته بالمحبوبة كلوتيلده مثالاً للانسجام، الهنا الكامل، ومجَّدَ حواريوه من جماعة «الوضعية» هذه العلاقة لاحقاً، حتى بلغوا بها مصافّ الأسطورة وقامت لهما التماثيل. لكن كان الانسجام في واقع الأمر ستاراً لصراع «الانتخاب الجنسي» الشرس بين النساء والرجال، الصراع إياه. جاءت مؤرّخة أوغست كونت وكلوتيلده دي ڤو الدكتورة ميري بكرنغ بحقائق أخرى من رسائل الاثنين، وقالت: بدأ الصراع باكراً. حَنَّسَ كونت في أول مايو 1845 كلوتيلده ما استطاع أن تلتقيه خلوةً في شقّتها باعتباره مجرّد «صديق قديم»، أجِي! تمنعت كلوتيلده وكان ردّها «الشاكوش» أنها نادراً ما تستقبل الرجال في خلوة. وزادت أنها لم تقبل صحبته إلا لأنه يتيح لها فرصة مناقشة «الأفكار». أما أفكار كونت فكان مدارها جمال كلوتيلده وشكواه من «الأرق الفتّاك» الذي ورث من صبابته بها، وأضاف يفاخر بتأكيد فحولة لمّا تنطفئ: أحتفظ ما زلت «بكلّ حيوية الشباب واندفاعه وميزة تلقائيته فوق نضج بدني». يا شيخ! لم يكترث الأستاذ الكبير كثيراً بإشارات كلوتيلده، وكان تقديره أن الذي يجمع بينهما هو الحاجة المُشتركة إلى سميرٍ يشغل الضمير، فهي وحيدة طريدة وهو كذلك. 

قدَّرَتْ الدكتورة بكرنغ من أدلة ظرفيّة، أنّ الأستاذ أوغست كونت خانَتْهُ الرُّكب منذ العام 1834، لكنْ فاجأه النهار بهَوَى كلوتيلده وصَحْصَح. أما كلوتيلده فاعتصَمت بكاثوليكيتها وأبَت. وقام تحنيسُه على حجّة أن النظام الاجتماعي حالَ بين كُلٍّ منهما ومتعة الغرام، ولذا لا تثريب عليهما، بل جاز لهما «الحقّ الأخلاقي» في البحث عن كفايتهما بسُبلٍ غير تقليدية. مال الإجهاد الفكري بقلب الأستاذ، وكان غرضُه الثمالة العاطفية طريقاً لتجديد حيويته الذهنية، وقد تعسَّرَ عليه أن يجد في ذهنه جديداً يُعبّئ به مشروع كتابه «نظام السياسة الوضعية»، خلاف ما سبق وأسهب به في «محاضرات في الفلسفة الوضعية». أما كلوتيلده فقد أطربها أن يُلاحقها شخصٌ مُهمٌّ مثله، لكن كرَّرت عليه أن يُعفيها من المشاعر الدفّاقة، فغرضها أن تصبح سيدة على «الأفكار». كان ردّ كونت على نقّاد عقيدته في العتبات الثلاث، الدِّين فالميتافيزيقيا فالوضعية، أنّ الكلام كِمِل، ولا ضرورة للنقاش بعد أن استبان كلُّ شيء. وكان منطق كلوتيلده أن قد دقَّت ساعة الفكر، ولا حاجة لها بالمشاعر. تجد القارئة في خطابات الاثنين انقلاباً في الأدوار «الجندرية» بعبارة اليوم. يستحثُّ الأستاذ كونت كلوتيلده أن تأخذ مشاعره في الاعتبار، وتهيب به أن يتعقَّل ويتفادى «المشاعر القوية»، ويرْجَلْ، حتى يُسيطر على نفسه الأمّارة، بينما تُعلن هي أنها تَنْشُد السكينة اللازمة للكتابة، تُريد منه ما يُحفِّز عقلها وليس مشاعرها. كان كلٌّ من كلوتيلده والأستاذ أوغست كونت، يرى في الآخر صورةً لما يريد أن يصبح هو عليه، إلا أنّ صورةَ كلٍّ منهما عن الآخر ظلَّت ساكنةً سكون «الوثن»، لا تَقبل بالتغيير الذي هو طريق الأوّلين والآخرين، ويبقى وجه ربّك ذي الجلال والإكرام. 

خشيَت كلوتيلده أن تُصارح كونت بالقول الظاهر، أنها لن تفتح له باب خلوتها لانعدام «الكيمياء»، سرّ الهوى، فيَفسُد ما بينهما بالمرّة. احتفظت، بمهارةٍ، بالمسافة الضرورية للاحتجاب، وتمسَّكَتْ بعفة كاثوليكية، وهي بعضُ أضغاث القرن التاسع عشر الأوروبي عن المرأة كوعاء خالٍ من الرغبة. كانت تلك وسيلتها لصدِّ مساعيه، وأصرَّت عليه أن يحفظ ما بينهما في حال «البراءة». استقبل كونت اعتصام كلوتيلده بالعفّة كجرح بالغ، وخشي أن يذهب عقلُه كما سبق وطاش منه في العام 1826، حين استقرّ به المقام لفسحةٍ من الزمن في مصحة نفسية. تصوَّر كونت، في اتساقٍ مع منشئه البرجوازي الصغير، أنّ ضبط النفس كما أمرَت بذلك كلوتيلده بابٌ للترقي الأخلاقي، وتحوَّلَتْ «عفة» كلوتيلده عنده إلى شارة قدسيّة، فأسبغ على هذه الكاتبة المتواضعة واسعة العينين، بحكم تثقيفه في المسرح والأدب، هالةً دراميةً صارت بها هي وحدها علّة بعثه الأخلاقي وتجديد نفسه، بل قال إنها حرّرته بتفوقها «الأخلاقي» من فظاظة الذكورة، وهيَّأت له أن ينهض برسالته الجديدة نبياً لدِين الإنسانية، الدِّين الذي قال الخَشَّامة فشنك، هو دين كلوتيلده، بلا لمة. أما هي، فسرحت به: «أضعك أنت على المنصة التي تشيد لي، فهذا الموقع يليق بك أنت أكثر مما يليق بي بكثير».

بدَّل الأستاذ كونت التِّرْس، لمَّا تأكد أن باب الريدة انسدّ فرَقَّص نظام فلسفته الوضعية على نغم «كلوتيلده» يُريد إغراءها بصورتها عن نفسها كطالبة نجيبة تستقبل تعاليم أستاذ. وكتاب «مواعظ الوضعية» انعكاس مباشر لهذا المسعى فهو مكتوب في سلسلة حواراتٍ ثلاثة عشر، بين امرأة وقسيس، قسيس دين الإنسانية، حوارات يُحاول بها أن يضع لبنات لنظام أخلاقي جديد يهز به أركان «عفة» كلوتيلده ويحتفظ بها في آن واحد. كتب كونت رداً على تأفُّف كلوتيلده المُراوغ من هالة التقديس التي أفاض بها عليها أن الحاجة إلى تقليد قدوة عُليا فطرة بشرية لا فكاك منها. وكتب في باب خبال التمييز بين الحياة العامة والحياة الخاصة أن تكريم النساء المجهولات ساكنات الخدور واجب في العصر الوضعي الجديد لِما يُقدِّمْنَ للحضارة والإنسانية من خدمات جليلة. وكتب أنّ لنخبة من النساء المثقفات موقعاً محفوظاً في العصر الوضعي الجديد، كمساعدات لفلاسفة الوضعية وباشواتها، الفلاسفة هم المؤتمنون على الفكر، والنساء مؤتمنات على المشاعر، ولذا فإن التآلف بين الفلاسفة والنساء شيء طبيعي وإلهي على مهمة مشتركة، هي بث المبادئ الأخلاقية في المجتمع، وعي ولا ما وعي؟ انقلب كونت بفضل كلوتيلده من رجعية «محاضرات في الفلسفة الوضعية»، حيث أفتى أن المرأة بما هي امرأة تبقى طول العمر في «حال من الطفولية المستمر» إلى التبتل في جنس النساء بما هن نساء. وقال الخَشّامَة إن مسألته أن يقنع كلوتيلده بأن لها دوراً رسمه التاريخ إلى جانبه. 

فازت كلوتيلده من كل هذا التمجيد بساعة في التلفزيون إذا صح التعبير: نشرت مجلة «لو ناشيونال» في 20 و21 يونيو 1845 قصة من قصصها القصيرة، «لوسي» موضوعها «المِحْنة»: محنة شابة في العشرين من ضهاري فرنسا انقطع عنها الأمل بعد أن هجرها زوجها مدمن القمار فتركها في فقر مدقع، لكنها استطاعت بمهارتها واجتهادها أن تُحقِّقَ رغبتها في الاستقلال وصارت مُعلّمة في باريس.  قرّرت لوسي التي هجرها زوجها أن تنقطع عن الزواج مُجدّداً، وقالت إن القيد الذي يربطها وزوجها المُعرّد صار حاجزاً اختيارياً بينها وجنس الرجال، فهي تُفضّل القراءة والاستماع إلى الموسيقى ودراسة الفلسفة على «الخلط». والمفاجأة أن موريس، جارها، وقع في غرامها، واشتاط غضباً من القيد الاجتماعي والقانوني الذي يمنع الطلاق بينها وزوجها في غياب الزوج، فلا طلاق «غيبة» في القانون المدني النابليوني على خلاف شريعة «الاتحاد النسائي» للمرحوم مولانا أبو رنات فقهاً زلالاً. 

قال موريس المُغرم عن لوسي المحبوبة إنها «الشهيدة الأجمل للظلم الاجتماعي والاضطهاد» وتساءل: «تأمل يا رعاك الله كيف صارت امرأة من عامة الخلق تبهر أذكى العقول، معبوداً حياً». اتخذت لوسي الأبيضَ الناصعَ زيّاً لها، علامة على الطهر والنقاء، وقالت عنها كلوتيلده الكاتبة إنها «امرأة ملاك» تُلهم «أرقى المشاعر وأكرمها». ألهمت لوسي موريس المُتيَّم جهاداً طويلاً ناجحاً لتغيير القانون النابليوني الظالم، واقترن الاثنان في لفة القصة. لكن، سرعان ما لغّم الإحباط الحُبَّ الحقيقي، واعترض موريس على انشغال لوسي بالموسيقى والفكر على حساب المتعة الزوجية فتساءل: «أليس دور المرأة الحقيقي أن تغمر زوجها برعاية ومتع الحياة المنزلية، وتتلقَّى منه في المقابل وسائل العيش من كسب عمله؟». انتهت قصة لوسي بهذه العقدة، وهي للإنصاف، تمثل تناقض سؤال المرأة من الطبقة الوسطى في فرنسا القرن التاسع عشر. كان طلب كلوتيلده المزدوج أن تحقق نفسها باعتبارها امرأة مثقفة مُكتفية بذاتها في الحياة العامة، وأن تنعم بالزوجية والأمومة في خدرٍ محروس. خلصت كلوتيلده في قصتها «لوسي» إلى أن الإنسان تعوزه القدرة على «إصلاح الشرور التي أنشأها أول مرة»، وختمت بموت «لوسي» الدرامي بعلة الاكتئاب. أما الأستاذ كونت فقد قرأ «لوسي» والدموع عشرة عشرة وخلص إلى أن القصة هي إعلان حُبٍّ مُستَتر، الأمر الذي جرَّ عليه غضب الكاتبة كلوتيلده فزجرته: «ما قادرة أفهمك كله كله، ما عندي ليك حاجة أكتر من القلتها ليك!». أنذرت كلوتيلده الأستاذ كونت ألا يزورها مرة أخرى، وأعلنت أن شقّتها هي معمل شغلها فحذار أن يتطفل، وغالط نفسه بإصرار يتوسل أن تفتح له باب مأمنها فيلج الحِمى! 

قرأ المرحوم كارل ماركس كُتُبَ كونت «التخينة»، وعدَّ ما فيها «هرطقة» برجوازي فقير الخيال، اكتفى بظواهر الوقائع «الوضعية»، ولمّا ينفذ إلى «التاريخ» مُعرَّفاً بالألف واللام، التاريخ أبو ديالكتيك. «اسمح لي أن أضيف أنني كرجل حزب، خصمٌ مجاهرٌ لفلسفة كونت الوضعية، وكرجل علم لا آبه به البتة»، فشنو أعفينا عليك الله (خطاب من المرحوم كارل ماركس إلى سبنسر بيزلي بتاريخ 12 يونيو 1871، ضمن كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 44، لورنس ووشرت للنشر، لندن 1989، ص 150). لكن، انتخب كارل ماركس من عتبات كونت الثلاث، التي قال إنها ملفوحة لفحي من سان سيمون، وقد كان أوغست كونت مساعد ياي للأخير، مفهوم «الوثن» وبَدَّع، كيف؟ 

يُتبع…

Scroll to Top