أتر

رحلة عجول الجبلين: معادلة الحرب والنجاة تفعل فعلها

يُدير النذير زيدان «زيدانوف»، بهاتف ذكي فقط، حملةَ تسويقٍ واسعةً تمتدُّ مساراتها على الأرض بين مدينة الجبلين جنوب ولاية النيل الأبيض والولاية الشمالية، وهو فعل يَعكس قوة التسويق الرقمي ودخوله مُنافساً لوسائل التسويق التقليدية في سوق المواشي. يهتم زيدان بالثروة الحيوانية وأسواقها وسلاسل إمدادها من الجبلين وزريبة القلّابات الحدودية حيث الأبقار الواردة من الحبشة، وله معرفة واسعة بأغذيتها ومعايير سلامتها. ذاع صيتُه على منصّات التواصل الاجتماعي بفعل إقبال المُزارعين وتجّار الماشية في مُختلف أنحاء السودان على ما يُقدّمه من محتوى تثقيفي وتسويقي، وقد حصلت صفحته على تيك توك على أكثر من 83 ألف متابع، ومثلهم على فيسبوك، إذ يقدّم لهم معلومات وتحديثات يومية مباشرة من سوق المواشي في الجبلين عن أسعار العجول والضأن والحمير في الجبلين ومدينة ربك وسوق السكة حديد بكوستي. وهو فضلاً عن ذلك كاتب بارع وذو أسلوب أدبيّ رصين، يسرد على صفحته حكايات ساخرة من وحي تجربته خلال حرب أبريل.

في سوق الجبلين

ينحدر زيدان أصلاً من الولاية الشمالية، ريفي الدبّة، ويعمل حالياً في مدينة الجبلين التي جاء إليها تاجراً بعد الحرب. كان يعمل قبلها في تجارة بذور الأعلاف، لينتقل إلى مجال تسويق العجول بفعل الصدفة: في زيارة له إلى سوق المواشي بمدينة الجبلين، صوّر مقطع ڤيديو مع أحد بائعي العجول وهو يسأله عن الأسعار، بكم هذا وبكم هذا، ثم نشَر الڤيديو في قروب مزارعي الشمالية. فوجئ بعدها بمزارعين وتجّار يطلبون منه الشراء لهم وتوصيل العجول إلى الشمالية، وبعدها ازدادت الطلبات من مزارعين وتجّار آخرين.

من هنا بدأ زيدان رحلته الجديدة في التجارة والتجربة. الآن يَعلَمُ زيدان أنّ أفضل العجول التي تُجلب إلى سوق الجبلين هي الكنانية، نسبة إلى قبيلة كنانة المُنتشرة في المنطقة، وتتميّز باللونين الأبيض والأسود وليست لها قرون، وهي مفضّلة لوفرة لحومها وألبانها. كذلك تُجلب العجول من قبائل الفلاتة حول النيل الأبيض، وتتميّز هذه بلونها الأحمر وقرونها الضخمة، لكنها ليست مرغوبة شمالاً. وهناك عجول تأتي من جبال النوبة ومن دارفور وكردفان، لكنها توقّفت حالياً بسبب الحرب، بينما لا تزال عجول البقّارة تُجلب إلى السوق. وعن هذه الأخيرة يعلم زيدان أنّ الرعاة الشباب من البقّارة يرتحلون بماشيتهم إلى جنوب السودان لوفرة الماء والكلأ في وقت مُحدَّد مع بداية الصيف يُسمَّى «النشوق»، ومع بداية الخريف يأتون إلى الجبلين في رحلة أخرى تُسمّى «الدَّمَر». وهاتان رحلتان شائعتان أيضاً عند قبائل الرحّل الأخرى في كردفان ودارفور. وعندما يأتي البقّارة يكون الوارد إلى السوق وفيراً جداً، وتنخفض أسعار العجول إلى 400 ألف جنيه سوداني لذوات الأعمار الصغيرة، لكن هذه لا تصلح للسفر من الجبلين إلى الشمالية لصغر سنّها، لذلك لا يشتريها النذير وإنما يشتري العجول الأكبر سنّاً، وتتراوح أسعارها بين 550 و750 ألف جنيه، تُضاف إليها مصاريف أخرى حكومية وأجرة الشاحنة، لذلك تصل قيمة العجل الواحد إلى 860 ألف جنيه.

حتى وقت قريب، وخلافاً للمدن الكبيرة، لم يكن الناس في الشمالية مُعتادين على تناول لحوم الأبقار لأنها غير متوفرة أو قليلة جداً، إذ لم تكن تربية الأبقار وسعايتها شائعة عندهم كما هي الحال مناطق الجعليّين في ولاية نهر النيل. وهو حالياً أمر مستحدث، ولعلّ معادلة الحرب والنجاة تفعل فعلها أيضاً.

يعمل سوق المواشي في الجبلين يومياً، خلافاً لبقية أسواق المواشي في ولايات السودان الأخرى، وبه قسم خاص بالحمير وبالضأن. والمتوفر من الضأن في السوق يُسمّى «القرَج»، ومنه يُزوِّدُ تجارُ الجبلين جزءاً من الأسواق السعودية حالياً، خاصةً بعد تقييد الدعم السريع الحركة التجارية وانقطاع مواشي كردفان ودارفور.

يَشتري زيدان للمزارعين والتجّار في الشمالية نظير عمولة مُعيّنة، والدفع يكون مُقدَّماً. في هذه المهمّة، يعمل مع زيدان فريق يُساهم في تنظيم العمل، منهم طارق أبوزيد من عَبري ويمثّل مناطق المَحَس، وإدريس محمد ممثلاً لمناطق الدناقلة. وعندما يتصل به تاجر أو مزارع من إحدى هاتين المنطقتين لطلب شراء العجول، يُوجّهه زيدان للاتصال بأحدهما حسب المنطقة. يُعلّل زيدان ذلك قائلاً: «كي يتعامل التجّار والمزارعون معنا بثقة ودون خوف، لا بدّ من التنسيق والتعارف مع أهل كلّ منطقة على نحو جيد؛ لأن المَبالغ التي تُحوَّل ضخمة جداً».

لا تقتصر مهمة زيدان على الشراء والبيع والترحيل، إنما تمتدُّ إلى العناية بالمواشي التي يشتريها والحفاظ عليها سليمة وبصحة جيدة ريثما تَصل إلى وجهتها. لكن «لا توجد خدمات بيطرية رسمية في السوق، لذلك نشتري الأمصال بأنفسنا للعجول، من الصيدليات الخارجية ونستخدمها مباشرة»، يخبر زيدان مراسل «أتَـر».

حتى وقت قريب، وخلافاً للمدن الكبيرة، لم يكن الناس في الشمالية مُعتادين على تناول لحوم الأبقار لأنها غير متوفرة أو قليلة جداً، إذ لم تكن تربية الأبقار وسعايتها شائعة عندهم كما هي الحال في مناطق الجعليّين في ولاية نهر النيل. وهو حالياً أمر مستحدث، ولعلّ معادلة الحرب والنجاة تفعل فعلها أيضاً.

الرّحلة إلى الشمالية

يتقاضى زيدان من المزارعين والتجّار سعراً موحّداً لجميع المسافات «لأنها عملية تكافلية أكثر من مجرد توصيل عجول»، بحسب تعبيره.

في كُلِّ رحلة يشحن زيدان حوالي 35 إلى 40 عجلاً. وفي الترحيل، لا بدَّ أن تكون العجول جميعها بحجم مُوحّد، لأنه إذا كانت هناك أحجام كبيرة، فإنها قد تَقْتُلُ الأصغر إذا وقعت عليها أثناء الترحيل، لضيق المساحة. ويتقاضى زيدان من المزارعين والتجّار سعراً موحّداً لجميع المسافات «لأنها عملية تكافلية أكثر من مجرد توصيل عجول»، بحسب تعبيره. يبدأ مسار رحلة العجول بالشاحنات من الجبلين إلى الخرطوم أولاً، ومنها تسلُكُ طريقَ شريان الشمال إلى أن تصل إلى «الملتقى»، ومن هناك إلى مرَوي، ثمّ تُغطي طلبيّات قرى منصور كتّي وأمبكّول وقَنَتي وكوْرْتي، وتعود مرة أخرى إلى الملتقى، لتتجّه شمالاً ناحية الدبّة، وتغطي في طريقها طلبيّات قوشابي وجِرَا، إلى أن تصل إلى دنقلا مُغطّية في طريقها قرى القولِد وشبعانة ودمبو وسالي.

يُتابع زيدان رحلة العجول التي أرسلها شمالاً: «عند الوصول إلى دنقلا تنزل العجول في مزرعة علي ناصر لكي تشرب وترتاح ليومين؛ لأنّ العجول في الرحلة يُمنع عنها الشرب حتى لا تتبوّل بداخل الشاحنة وتتعرّض للانزلاق والموت. لذلك هناك دائماً في كلّ شاحنة راعٍ مهمّته مراقبة العجول حتى الوصول. بعد ذلك تأتي شاحنات أخرى تَحملها إلى وادي حلفا وهي آخر نقطة لها».

لتخفيف التكلفة، لا بدّ من رفع 35 عجلاً بداخل الشاحنة، وقد يموت عجل أو اثنان أثناء الترحيل، وهذه خسارة لا تُغطّيها العمولة، إضافة إلى مشكلة الجبايات الحكومية، والارتكازات الكثيرة التي تُوقف الشاحنات، وبعض المحليات تُصرّ على أن ندفع لها مرة أخرى.

يُركّز زيدان في عملية التسويق على الشمالية فقط، لكنه لا يُمانع أن يبيع لمن يطلب الشراء في مسار الرحلة خارج الشمالية، إن كان لديه فائضٌ من العجول، لكن في هذه الحالة تظهر مشكلة الدفع المقدّم، فهو يتعامل مع المزارعين والتجّار في الشمالية لأنه شخص موثوق هناك، وله معهم تاريخ سابق عندما كان يتاجر في بذور الأعلاف. يقول مُستدركاً: «لكن عندما يأتي تاجر من أم درمان مثلاً، ربما أكون بالنسبة له شخصاً مجهولاً يظهر في وسائط التواصل فقط، وقد يخاف من مشكلة الدفع المقدّم هذه ويقول: لا، العجول أولاً ثمّ الدفع. وقد يرفض البضاعة بعد تسلُّمها، والعجول بضاعة مختلفة ليست فيها طريقة استرداد».

تُواجه رحلة العجول من الجبلين تحدّيات مختلفة. يشرح زيدان: «لتخفيف التكلفة، لا بدّ من رفع 35 عجلاً بداخل الشاحنة، وقد يموت عجل أو اثنان أثناء الترحيل، وهذه خسارة لا تُغطّيها العمولة، إضافة إلى مشكلة الجبايات الحكومية، والارتكازات الكثيرة التي تُوقف الشاحنات، وبعض المحليات تُصرّ على أن ندفع لها مرة أخرى».

تواصَل مع زيدان تجار من مصر يريدون شراء عجول. وهو يدرك أنّ هناك من يخالفونه الرأي في مسألة تصدير الماشية الحية، لكنه يدرك أيضاً أنه لا توجد في السودان مسالخ تكفي لتصدير اللحوم جاهزة في الوقت الحالي، ويقول: «الآن تخرج البهائم من دارفور إلى تشاد وليبيا ومعظمها عبر التهريب، فالأفضل أن تخرج من عندنا بطريقة شرعية».

إلى الجزيرة وكوستي

يُفسِّر أحمد كثرة التجّار في سوق الجبلين بأنّ الطريق المسفلت منها إلى ربَك وكوستي وغيرهما من مدن السودان شمالاً يُنشّط حركة التجارة.

أكّد تجّار آخرون استطلعتهم «أتَـر» التعقيدات التي ذكرها النذير زيدان. منهم أحمد علي، وهو تاجر ماشية من الجزيرة ذهب مرّة واحدة إلى الجبلين. يُفسِّر أحمد كثرة التجّار في سوق الجبلين بأنّ الطريق المسفلت منها إلى ربَك وكوستي وغيرهما من مدن السودان شمالاً يُنشّط حركة التجارة. ويقول: «البهائم ليست غالية، لكن مشكلتنا الأساسية في ما يحدث على الطريق وتعنّت العساكر والمباحث والمرور وغيرهم، وبداخل كلّ نقطة تفتيش ثلاثة ارتكازات. إيجار الشاحنة يكلّف ملياراً ونصف مليار جنيه سوداني، وندفع مثلها رشاوى على امتداد الطريق، ونَستخرج أوراقاً رسمية بـ 800 ألف جنيه».

بسبب هذه التعقيدات، حدَثَ أن وجد أحمد علي نفسه مضطرّاً للبيع في المكان ذاته أو خلال الرحلة ذاتها، والرضا بأقلّ هامش ربح. والعجول في الجزيرة تُباع للمناسبات العائلية ولبعض التجّار. يشتري أحمد علي من الرعاة مباشرة بأسعار جيدة؛ ويفكر في أن يستجلب العجول سيراً من جبال الترتر في كردفان، ويستغرق وصولها 12 يوماً كاملة، لكنّ التكلفة ستكون أقلّ، ولن تكون هناك أي عوائق، مثل ما يحدث على طريق الأسفلت.

ويُشير علي مهَنّا، وهو تاجر عجول، إلى أنه يشتري من سوق كوستي يومَي السبت والثلاثاء، ويبيع في أسواق الجزيرة (قُرى المِحِيريبيا وسِليم وشرق الجزيرة)، وفي يوم الأحد يبيع في المناقل. يقول لمراسل «أتَـر»: «ذكور العجول في الجزيرة أسعارها عالية، لذلك يرغب الجزّارون في إناث الأبقار ذات الأحجام الصغيرة التي لم تتزاوج أبداً؛ لأنّ لحومها جيدة ودهنها أبيض، لذلك نجلبها لهم، ونبيع حسب الطلب والرغبة».

هناك ظاهرة جديدة في السوق، يُطلق عليها اسم الأبقار «البوكو»، وهي التي نهبتها قوات الدعم السريع من مراعٍ مختلفة في كردفان ودارفور وجُلبت للبيع هنا، وأصحاب النفوس الضعيفة يذبحونها ويبيعونها بسعر 10 آلاف فقط للكيلو، لكن يُحجم أغلب المواطنين عن الشراء منها لشكَهم في مصدرها.

وفقاً لمهنّا، كانت أسعار العجول في الجزيرة تتراوح بين 700 و800 ألف جنيه، حسب وزن العجل، أما التي يَصل سعرها إلى 1.200.000 جنيه فيشتريها المواطنون في المناسبات الخاصة. «في لغة السوق»، يقول مهنّا: «هناك اختلافات ومميّزات لكلّ نوع. مثلاً، البهيمة المستوية ذات الجِلد الخارجي الناعم تُسمّى «النجيضة»، وتُغذّى بالأمباز والعيش. والبهيمة «القشّاشية» التي تتغذّى على القشّ والحشائش وتأتي من الخلاء تُسمّى «النيّة»، لحومها خفيفة، حتى في الميزان، وهناك أبقارٌ تُجلب من معبر الراوات بين السودان وجنوب السودان غرب مدينة الجبلين بسعرٍ أقلّ، وبعد جلبها تُغذّى في المزارع بأعلاف سودانية من شركة سيقا يبلغ تركيزها من البروتين 21%. وهناك علف جديد لم يكن معروفاً لمُربِّي الماشية وهو علف فول الصويا، تبلغ نسبة البروتين فيه 35%، وهو يسرّع عملية التسمين. العجول المُفضّلة هي الكنانية، والنويرية نسبة إلى قبيلة النوير، وتتميّز بظهرها الطويل ولونها المائل إلى الحمرة.

رصَد مهنّا كيف تضاعفت أسعار الترحيل بعد الحرب حتى وصلت إلى أكثر من 50%، وكيف تضاعفت أسعار اللحوم تبعاً لذلك. يروي لمراسل «أتَـر»: «لكن هناك ظاهرة جديدة في السوق، يُطلق عليها اسم الأبقار «البوكو»، وهي التي نهبتها قوات الدعم السريع من مراعٍ مختلفة في كردفان ودارفور وجُلبت للبيع هنا، وأصحاب النفوس الضعيفة يذبحونها ويبيعونها بسعر 10 آلاف فقط للكيلو، لكن يُحجم أغلب المواطنين عن الشراء منها لشكَهم في مصدرها».

إلى مصر

لا تقتصر رحلة العجول على داخل السودان، إنما تمتدّ إلى خارجه، حية أو مذبوحة. مُصَدِّر، فضّل حجب اسمه، كان يعمل في تصدير الماشية إلى مصر من سوق المويلح غرب مدينة أم درمان، وقد أخرجته الحرب من السوق، ومعه العديد من تجّار الماشية، إذ سُرق جميع مُراحه؛ حوالي 850 رأس من الضأن، و280 من البقر؛ يخبر مراسل «أتَـر» بأنّ صادر الماشية يشهد منذ سنوات طويلة تعقيدات قبَلية وعسكرية واقتصادية لا يعلمها إلا من عمل في المجال تاجراً أو وسيطاً.

وبناءً على خبرته الطويلة في تصدير الماشية بين السودان ومصر، وما يتصل بذلك من عمليات إنتاجية ومصالح، يقول عن راهن الحال: «الآن تَقبل مصر أيّ كمية من الماشية السودانية. وهناك شركات إنتاج حيواني تتولّى تعليف العجول وتسمينها في أبو سمبل في مراكز متخصّصة. نعم، لدى المصريين قدرات أكبر منا، لكنّ تصدير الماشية الحيّة يضرّ بمصالح كثيرة في السودان، بالذات في مجال تجارة الأعلاف، حيث يُستفاد في تغذية الماشية من مخلّفات عصر الحبوب الزيتية كالفول والأمباز وبذرة القطن. وهناك الفيتريتا ورَدّة القمح والذرة التي تُطحن غذاءً للأبقار».

ويذكّر المُصَدّر بأنّ هناك فوائد لما بعد الذبيح داخل السودان، مثل الجلود التي تدخل في صناعة الأحذية، والعظام في صناعة الأعلاف، وحتى قرون الأبقار تُصدّر لتُصنّع منها أزرار طبيعية للأقمشة، ويردف قائلاً: «لذلك تضخمت الأسعار في السوق أخيراً إلى حدّ خرافي».

وينبّه إلى تأثير الصراع في دارفور بنحو مباشر على العمل في تجارة الماشية: «كان وارد البقر الأوفر يأتي من جهات مدينة نيالا والضعين وعموم دارفور، وهي حالياً تحت سيطرة الدعم السريع. أذعن بعض التجّار الكبار لميولهم العرقية وانضمّوا إلى الدعم السريع وأصبحت لهم رتب عسكرية ومناصب ومشاغل أخرى. وحسب المعلومات، أصبحت الأبقار تخرج إلى تشاد وليبيا ومصر عبر التهريب. وعندما تأتي شمالاً، تدخل إلى الدبّة تحت حماية مليشيا غير نظامية تعمل بالتهريب. أما الضأن، فيُهرّب عن طريق حلايب وشلاتين عبر معابر غير رسمية. وهناك تعاملات خفية بين بعض الجهات المُتحارِبة، إذ إنّ صلات القربى لم تنفصم برغم المعارك: تاجر ماشية وصاحب مُراح في مناطق تتبع للدعم السريع قد يُرسل أبقاره لابن عمّه الذي يعمل في الجيش. والتجّار في دارفور، تهمّهم الثقة وتأمين وصول أبقارهم الواردة شمالاً».

قبل الحرب كانت العجول تُصدَّر إلى مصر مذبوحة أو حية، عبر ثلاثة مسالخ دولية مُعدّة للتصدير: مسلخ غناوة على طريق الصادرات غرب سوق المويلح، ومسلخ كرري الوطني المعروف باسم «مسلخ التّنَي» غرب أم درمان، ومسلخ الكدَرو شمال بحري. ويفيد المُصدّر بأن ثمة عملاً كان يجري لإضافة مسلخ رابع لصادر اللحوم، على طريق شريان الشمال الكيلو 26، تابع لشركة الجنيد المملوكة لحميدتي، لكنه لم يُفتتح بعد ما حدث في 15 أبريل، وتوقفت المسالخ الثلاثة الأخرى عن العمل.

أعيد افتتاح مسلخ الكدَرو أخيراً في أغسطس 2025، بعد أن استعاد الجيش سيطرته على الخرطوم. وقد عاود مسلخ القضارف العمل في صادر اللحوم أخيراً بعد توقّف دام عشر سنوات، فضلاً عن أنباء متداولة بعودة مسالخ أخرى إلى العمل لم يتسنّ لـ«أتَـر» التحقّق منها.

ويشير المُصدّر إلى أنّ شركة الاتجاهات المتعددة، التي تتبع للجيش السوداني (منظومة الصناعات الدفاعية)، تُهيمن على أسواق الماشية حصرياً بتمويلها الضخم وتجهيزاتها العالية، قائلاً: «لهذه الشركة والشركات المتفرّعة منها مناديب يشترون ويدفعون نقداً في جميع أسواق الماشية بالسودان، ثمّ يشحنون الماشية للتجميع في سوق المويلح، ومن ثمّ توزيعها على المسالخ للتصدير». ويضيف: «المنافسة غير مُتكافئة بين هذه الشركات والتجّار العاديين الذي يعانون من عوائق كثيرة، لذلك أصبح أغلبهم يبيعون لهذه الشركات تفادياً للمخاطر. في مصر أيضاً، هناك شركات تتبع للجيش المصري تشتري من شركة الاتجاهات المتعدّدة، ولها منافذ توزيع داخل القطر المصري. هناك مشكلات مرتبطة بعائد الصادر إلى بنك السودان، ولو كانت تُورَّد فعلاً كما يجب لاستفادت الدولة من ذلك على نحو أكبر».

في الدامَر والمويلح

رصَد مراسل «أتَـر» ظهور عجول جديدة في سوق المواشي بالدامر تُسمّى «مَنقستو»، وتتّسم بأنها قصيرة. وأخبره المُصدّر بأنّها عجول يجلبها بعض التجّار السودانيين والمصريين من إثيوبيا في رحلة تستغرق 45 يوماً، ويدرّجها خلال الرحلة رعاة متخصّصون.

رصَد مراسل «أتَـر» ظهور عجول جديدة في سوق المواشي بالدامر تُسمّى «مَنقستو»، وتتّسم بأنها قصيرة. وأخبره المُصدّر بأنّها عجول يجلبها بعض التجّار السودانيين والمصريين من إثيوبيا في رحلة تستغرق 45 يوماً، ويدرّجها خلال الرحلة رعاة متخصّصون. يقول: «ولأنها أقّل تكلفة وسعراً من أبقارنا المحلية، يعمل في سوقها كثيرٌ من صغار التجّار الآن في السودان، مع أنّ لحومها غير مفضّلة لأنها ذات دهن أصفر، لكنّ المواطن يبحث عن فارق السعر بسبب الأزمة الاقتصادية في البلاد».

عاد سوق المويلح حالياً للعمل جزئياً، وأعيد افتتاح قسم الشرطة، «لكن لا يتوفر أمانٌ كافٍ للتجار وما زالت هنالك سرقات ومهددات أمنية. وإذا وجد التجار الأمان بالتأكيد سيعودون»، يستدرك المصدّر.

كان المويلح أكبر من مجرد سوق للمواشي، فقد ضمّ أكبر تجارة للعلف الذي يأتي من الجزيرة والقضارف، وكان قبل الحرب نقطة التقاء جميع الوارد من ماشية كردفان ودارفور. يقول المصدّر لمراسل «أتَـر»: «أعتقد أنّ اتجاه الشمالية حالياً للشراء من الجبلين طارئ بسبب الحرب؛ لأنها أصلاً كانت تشتري من سوق المويلح نفسه، وأم درمان هي الأقرب إليها، لكنه اقتصاد الحرب الجديد».

Scroll to Top