لم يَنتظر سكّان الفاشر شمس ظهيرة الأحد 26 أكتوبر 2025م حتى تبلغَ كبدَ السماء، بل خرجوا يضربون في الأرض متجهين غرباً ببطون خاوية وعلى أقدام منهكة، بعد حصار خانق دام 550 يوماً. كانت قوات الدعم السريع تقصفهم بالمدفعية أثناء محاولتهم الفرار من المدينة بعد سقوط مقّر قيادة الفرقة السادسة مشاة في يد الدعم السريع، وانسحاب قوات الجيش والقوات المشتركة من تحت النيران. في صبيحة ذلك اليوم شقّ آلاف المواطنين طريقهم غرباً إلى طويلة للنجاة، تاركين وراءهم كثيراً من الجُثث وبعضٌ منهم غابوا بين الطرقات. أما من كُتبت لهم النجاة فظلّوا يحتفظون بمشاهد صادمة، بعد أنّ عبروا مسافات طويلة قد تصل إلى 70 كيلومتراً عبر دروب غير مطروقة، مشياً على الأقدام أكثر من 50 ساعة أحياناً، ووصلوا عند دبة نايرة يضربون فيها خياماً مُتناثرة، صُنعت بعضها من ثياب قديمة نُصبت على أعواد، هي وحدها ما يقيهم زمهرير الليل وسخونة النهار.
داخل معسكر دبة نايرة
أصبح معسكر دبة نايرة، الذي يَقع في محلية طويلة، ويَبعد نحو 56 كيلومتراً غرب مدينة الفاشر، وجهةً لآلاف النازحين من شمال دارفور وأجزاء من جبل مرّة. وهو أكبر وأبرز معسكر في المنطقة بجانب معسكرات دالي، أرقو، طويلة الجديدة، مارتال، طُبرة.
تأرجَحَ الأمن داخل محلية طويلة بسبب تبادُل قوات الدعم السريع وحركة جيش تحرير السودان السيطرة عليها منذ أوائل العام 2023، ما جعل سكّانها غير مستقرين. فعند سيطرة الدعم السريع عليها في19 يونيو 2023، نزح سكّانها إلى معسكرات أبوشوك وزمزم والسلام أبوجا، ثم تحسّنَ الأمن نسبياً بعد سيطرة جيش / حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي أعلنت موقفاً مُحايداً في الحرب، في سبتمبر 2023. عاد أهل طويلة إليها بعد ذلك، وجاء إليها أيضاً سكّان جددٌ من مناطق أخرى، لتَزداد أهمية المدينة بتحوُّلها إلى ملاذٍ آمنٍ للنازحين.
قبلَ ذلك، لم تَكن المياه ومصادرها تُقلق سكّان طويلة لقلّة عددهم، لكنْ بعد أنّ أصبحت قبلةً لأغلب الفارّين من المناطق المُلتهبة لا سيّما الفاشر وأحيائها كالسلام والشهداء ومعسكر أبوجا، ازدادت الحاجة إلى المياه، ما أدّى إلى تدخّل المنظمات لتوفيرها بصيانة معظم الآبار التقليدية والمضخّات القديمة.
يؤكّد ذلك محمد آدم عبد اللطيف، أحد سكّان دبّة نايرة، قائلاً: «عقب سقوط معسكر زمزم الذي يأوي آلاف الفارّين من أتون الحرب ازدادت موجات النزوح، ما عقّد الوضع وخاصةً الأكل والشرب. حينها، قامت المنظمات وهياكل السُّلطة المحلية بالجهود اللازمة، ووضعت خطةً لتجهيز مُخيّمات في مناطق طويلة، وخطَّطوا أكثر من 4 مخيّمات نزوح كبيرة أبرزها رواندا ودبّة نايرة ودالي ومخيّمات صغيرة في قرى قريبة من طويلة مثل كشكشو، طينة قمر، عوج الدرب. لكنّ الجيد في الأمر هو تزامُن تدفّق النازحين مع الموسم الزراعي، ما أدّى إلى نجاحه نسبياً، بسبب الأيادي العاملة والأمن الذي توفَّر للمواطنين منذ فترة. وقتها لجأ النازحون إلى الأحياء العشوائية التي تُسمى (أب جنقور)».
يعود محمد آدم في حديثه لمراسلة «أتَـر» إلى ما قبل النزوح: «كُنّا نعتمد على الزراعة والتجارة في معاشنا، ويزرع أهل البلد الخضروات وبعض المحاصيل مثل الذرة والدخن والعدسية، ويتعالج السكّان في المركز الصحي، بينما تعمل العيادات الجوالة داخل المعسكرات»، مؤكّداً انهيار الأوضاع الصحية الآن وقلة عدد الحمامات بالقرب من المعسكرات.
هناك حاجة ماسّة لمياه الشرب التي تُجلب من آبار بمحلية طويلة. ونحتاج إلى أكثر من 6 تناكر مياه في اليوم، ولا يزال الطلب على المياه متزايداً في بقية المعسكرات. أما الوجبات فيستفيد منها حوالي 1500 إلى 2000 شخص يومياً.
أما نسرين عيسى، وهي إحدى الناجيات من الفاشر، فتروي لمراسلة «أتَـر»: «خرجنا من المدينة التي انتشرَتْ الجُثث على طرقاتها، وسِرْنا مسافاتٍ طويلة ونحن نعاني من الجوع والإرهاق، وبعض النازحين كان يحملهم ذووهم على أكتافهم. تعرَّضنا لعمليات تفتيش وانتهاكات مُتعدّدة من قبل قوات الدعم السريع، وكان جنودها يضربون الرجال بالسياط، حتى كبار السنّ منهم».
ومن خلف تلك المشاهد القاتمة، تمتدُّ أيادي المتطوّعين لتَنتشل آلامَ النزوح من آلاف الفارّين من جحيم الحرب إلى محلية طويلة بشمال دارفور. ومن بين هذه المبادرات «منظمة الموسعون للتنمية» التي تنشط في العمل وسط النازحين، وقالت رئيستها مشاعر عبد الله النمير لـ«أتَـر»: «هناك حاجة ماسّة لمياه الشرب التي تُجلب من آبار بمحلية طويلة. ونحتاج إلى أكثر من 6 تناكر مياه في اليوم، ولا يزال الطلب على المياه متزايداً في بقية المعسكرات. أما الوجبات فيستفيد منها حوالي 1500 إلى 2000 شخص يومياً».
وأكّدت ذلك أميرة عبد الله محمد صالح من جمعية ميارم للتغيير قائلة: «لا يزال الوضع المعيشي والصحّي صعباً، لا سيّما وأننا على أعتاب الشتاء، وسكّان المعسكر في أمسّ الحاجة إلى ملابس دافئة وأغطية ثقيلة وصابون؛ بينما تزداد أعداد النازحين إلى المعسكر بمعدّل 400 أسرة يومياً»؛ مُضيفةً في حديثها لـ«أتَـر» أنّ المنظمة تعمل حالياً في التكايا التي توزّع الطعام لحوالي 1000 أسرة يومياً وجلب مياه الشرب النقية عبر التناكر، وتنشط أيضاً في توزيع ما تُسمّى «أكياس الكرامة» للنساء في سنّ الإنجاب لحماية صحّتهن وضمان احتياجاتهن الأساسية، إضافة إلى برامج الصحّة والتوعية لضمان سلامة الأمّهات ثمّ الدعم النفسي للتعافي من الصدمات وعدة نشاطات أخرى من بينها التدريب على المهارات لتحقيق الاكتفاء الاقتصادي.
ويقول متطوّع في المجال الطبي فضّل عدم ذكر اسمه: «الأوضاع غاية في السوء، ويحتاج النازحون في دبّة نايرة إلى الرعاية الطبية والأدوية، فكثيرون منهم يَصلون إلى هنا بإصابات رصاص ومقذوفات تعرّضوا لها في الفاشر أو في الطريق، ولم تُقدَّم لهم أية مساعدة طبية لأيام طويلة ما فاقم الإصابات، وجعل بعضها يتطلّب إجراء عمليات جراحية مُستعجلة. هذا إضافة إلى انتشار الأمراض كالكوليرا والملاريا وسط المقيمين بالمعسكر».



