أتر

على مفترقات الطُّرق: نَسْوَنة اقتصاديات اللجوء في القاهرة

التومة، سيدة سودانية سبعينية، نزحت من أم درمان بعد مشقّة إلى ود مدني ثمّ إلى بورتسودان بعد اندلاع الحرب واستقرّت فيها لعدة أشهر هي وأختها الكبرى فاطمة الثمانينية الوقور. بعد استخراج جوازي سفرهما في بورتسودان، قرّرت فاطمة الطيران إلى القاهرة للالتحاق بابنتها وأسرتها، بينما فضّلت أختها الذهاب إلى كريمة بالباص للبقاء مع أبناء أخواتها الأخريات وأسرهن. لاحقاً، ومع تطاوُل أمد الحرب وتضاؤل فرص العودة إلى أم درمان، اضطُرّت التومة مع بقية أفراد الأسرة للذهاب إلى مصر تهريباً لتعسُّر إجراءات الحصول على تأشيرة السفر والدخول بالطرق الشرعية. ذات ليلة شتوية موحشة، في أواخر ديسمبر 2023، انطلقوا جميعاً في رحلة مفزعة، إذ انقلبت إحدى عربات البوكس التي كانت تقلّ عدداً من شباب الأسرة مع آخرين، وتوفّي إثر هذا الحادث الأليم بعض الركّاب، وعاد آخرون مضطرّين إلى دنقلا للاستشفاء من إصاباتهم، بينما واصلت التومة وبقية النساء والأطفال رحلة اللجوء حتى وصلن إلى أسوان ثمّ القاهرة منهكات ومُتضرّرات جسدياً ونفسياً.

بينما أجادت التومة تعتيق عدة أنواع من البخور والخُمرة. شغّل المشروع الأسري المُنتِج أفراداً عديدين من الأسرة كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، تقاسموا جميعاً عبء العمل: شراء مُدخلات الإنتاج، ومقارنة أسعار الأسواق والمورّدين والمنتجات المُنافِسة، والمساعدة في التصنيع والتجهيز والتعتيق والتخزين، والتسويق، والتوصيل.

بعد شهور من التحاق التومة بشقيقتها فاطمة واستقرارها وبقية أفراد الأسرة، قرّرت أن الوقت قد حان لممارسة العمل الذي تحبّه وتجيده وكانت تتخذ منه في السودان هوايةً، وهو صناعة البخور والعطور السودانية. أرسلت بنات إخوتها إلى سوق مُجاور فابتعن من محلّ سوداني شهير كان قد افتتحه عدد من أبناء فاشر السلطان مستلزمات البخور والعطور، وشرعت في التجهيز لمشروعها الصغير. صنعت فاطمة الكَرْكَار الأصيل من الودك مع القرنفل وشمع العسل، بينما أجادت التومة تعتيق عدة أنواع من البخور والخُمرة. شغّل المشروع الأسري المُنتِج أفراداً عديدين من الأسرة كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً، تقاسموا جميعاً عبء العمل: شراء مُدخلات الإنتاج، ومقارنة أسعار الأسواق والمورّدين والمنتجات المُنافِسة، والمساعدة في التصنيع والتجهيز والتعتيق والتخزين، وكانت مهمة البعض شراء العلب البلاستيكية والقوارير لتعبئة المنتجات، والبعض عملن على طباعة اسم وشعار وهوية بصرية للمنتجات، وأخريات أخذن على عاتقهنّ تصوير المنتجات وتسويق وتوصيلها. وابتاعت التومة خطّ تلفون وأنشأت حساباً على فيسبوك وآخر على إنستغرام، وعرَضت منتجاتها في مجموعة واتساب خاصة بالسودانيات في منطقة سكنها.

بعد فترة دفعت التومة أجرة تربيزة لتشارك في بازار تُقيمه سودانيات ومصريات في حديقة عامة معروفة في القاهرة لمدة ثلاثة أيام، وعرَضت منتجاتها بمساعدة أبناء وبنات أخواتها، وباعت وتعرّفت على سيدات أخريات مُشارِكات تبادلن المعرفة والتجارب، وصنعت قاعدة زبونات جيدة. اليوم، بعد ما يقرب من السنتين، ما زالت التومة تنتظر دَورها في الحصول على بطاقة الإقامة في جمهورية مصر العربية بعد أن تحصّلت منذ شهور على كرت مفوضية اللاجئين الأصفر، لكنها منشغلة ببزنسها النامي وزبوناتها وجاراتها، وقد أمّنت معاشها وإيجار منزلها هي وأختها. بدَورها تملك الحاجّة فاطمة الثمانينية حساباً على تيك توك تتواصل فيه مع زبائنها ومورّدي الأخشاب والعطور الخام والقوارير ومواد التصنيع والتعبئة.

بازار، كلمة فارسية الأصل وتعني «سوق». وهي مساحة قد تكون ثابتة ومستمرة أحياناً، لكنها قد تكون كذلك سوقاً مفتوحة مؤقتة تنعقد دورياً كل أسبوع أو كل شهر. ويتكوّن البازار من مجموعة من الأكشاك والمتاجر الصغيرة والحرفيين المهرة والتجّار، وتقع عادةً في ساحةٍ عامة وسط المدينة، أو تصطفّ في شوارع مسقوفة حسب الطبيعة العمرانية للمنطقة. ينتشر وجود البازارات في الشرق الأوسط والبلقان وشمال أفريقيا وجنوب ووسط آسيا، وكانت المدن في الشرق الأوسط القديم تحتوي على مناطق تجارية مركزية ثابتة أو موسمية تبعاً لحيوية المدينة ووقوعها على الطرق التجارية، ويعود أقدم دليل على وجود هذه الأسواق إلى حوالي 3000 عام قبل الميلاد. وقد أدى الاهتمام الغربي بالثقافة الشرقية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى نشر العديد من الكتب حول الحياة اليومية في دول الشرق الأوسط، إذ تظهر الأسواق والبازارات وزخارف التجارة بشكل بارز في اللوحات والنقوش والأعمال الخيالية وكتابات الرحلات. ظل التسوق في البازار سمة أساسية للحياة اليومية في العديد من مدن وقرى الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وغالباً ما يكون البازار منطقة جذب سياحي مهمة.

أمّا سُهى وسناء، وهما شقيقتان كانتا تدرسان في جامعة الأحفاد للبنات لجأن مع والديهما وأخيهما الطالب في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية إلى القاهرة بعد شهر من اندلاع الحرب في الخرطوم. في البداية مكثوا جميعاً مؤقّتاً مع أقارب لهم في منزلهم في أسوان ثم بعد أشهرٍ قليلة، ومثل جميع الأسر، وُوجهوا بالأسئلة الكبرى. بحثَ والدُهنّ عن شقة مُناسبة للإيجار في القاهرة ومدرسة للابن لمواصلة سنته الدراسية وإكمال مقرّر الشهادة الثانوية. تأخّرت جامعة الأحفاد عن عدد من الجامعات الخاصة والحكومية في توفيق أوضاعها بعد الحرب.
بعد الاستقرار وتأثيث الشقة واستئناف الأخ دراسته، بحثت سهى وسناء عن طريقةٍ تملآن بها فراغ تأخّر الدراسة وتدرّ عليهما دخلاً. وكانت الإجابة في موهبتهما وذوقهما الرفيع في تصميم الأزياء والإكسسوارات. وبناءً على خبرتهما السابقة في التصميم لبنات الأسرة ولنفسيهما والصديقات، بدأتا بشراء الخرز والسكسك والأحجار الملوّنة والصدف والخيوط والأقفال وغير ذلك مما يُستخدم في صناعة الإكسسوارات، وطفقتا «تنضُمَان» أجمل العقود والأساور والحُلي وتعرضانها على الصفحة التي أنشأتاها خصيصاً على إنستغرام.

بعد ثورة ديسمبر، ازدهرت البازارات مرة أخرى في العاصمة وغيرها من المدن السودانية بوجه آخر أكثر انتشاراً وشعبيةً، حتى إذا اندلعت حرب أبريل 2023 وجدت فيها كثيرٌ من الأسر في مدن النزوح واللجوء باباً للنجاة وكسب العيش تحت وطأة التدهور الاقتصادي وفقدان الوظائف والمهن وانقطاع الدراسة.

شاركت الأختَان بمُساعدة الصديقات والقريبات في بازارات عدَّة في القاهرة يُقِمْنَها سيدات مصريات وسودانيات، واستأجرتا تربيزة مناصفةً مع عارضة أخرى في أول تجربة لهما مع مثل هذه الفعاليات، وباعتا عدداً غير قليل من القطع المعمولة بحُبّ، ووزّعتا كروتاً عليها رقم تلفون وواتساب وصفحة الإنستغرام التي يمكن الدخول عليها عبر كيو آر كود. توالَتْ بعد ذلك مشاركاتهما بقطع الإكسسوارات وطقوم الحُلي المميّزة في بازارات متنوّعة الطابع والجمهور. أنهت سهى قبل شهور سَنتها الأخيرة في الأحفاد، بعد استئناف الدراسة أونلاين، واحتفَلَتْ بتخرّجها مع زميلاتها في كلية بالعلمين في جمهورية مصر، وتُواصل سناء ما تبقّى من سنوات دراستها من القاهرة، بينما جلس الأخ لامتحانات الشهادة السودانية المؤجّلة عن العام 2024 واحتفلت الأسرة بنجاحه عند ظهور النتيجة منذ أسابيع قليلة. 

في خرطوم القرن العشرين، كان البازار في السودان فعالية يَرتادها مجتمعٌ طبقيٌّ معيّن، وكان أغلب روّاده من الأجانب، ويُعقَد في مساحات خاصة، كالبازارات التي كانت تُقام في مدارس الاتحاد العليا «اليونتي» وبازارات النادي الألماني والقبطي في الخرطوم، وفي مراحل لاحقة بازارات مدرسة مجتمع الخرطوم «كيكس» التابعة لمجموعة «دال». وكانت تُقام بنَصْب عددٍ من الترابيز والأكشاك والمنصّات في أيام معينة ضمن تلك المساحات المغلقة على روّادها، تُعرَض فيها منتجات مصنوعة يدوياً ومأكولات شعبية وكُتب مستعملة وما إلى ذلك، بأسعار مُرتفعة نسبياً لمصلحة دعم مشروعات وقضايا خيرية في معظم الأحيان، تُصاحبها فعاليات ترفيهية وغنائية ومساحات لألعاب الأطفال، وأحياناً أخرى كانت تُقام فقط من أجل الترفيه عن الأجانب ومُرتادي تلك المساحات. بعد ثورة ديسمبر، ازدهرت البازارات مرة أخرى في العاصمة وغيرها من المدن السودانية بوجه آخر أكثر انتشاراً وشعبيةً، حتى إذا اندلعت حرب أبريل 2023 وجدت فيها كثيرٌ من الأسر في مدن النزوح واللجوء باباً للنجاة وكسب العيش تحت وطأة التدهور الاقتصادي وفقدان الوظائف والمهن وانقطاع الدراسة.

شكّلت البازارات في القاهرة مساحاتٍ «نسوية» تقاطعيّة بامتياز، جمعت نساءً من خلفيّات ثقافيّة وعرقيّة وطبقيّة مُختلفة، وفئات عمرية مُتفاوتة، وتجارب حياتية وعملية مُتباينة، ما كُنّ ليجتمعن أو تتقاطع سُبل حياتهن لولا تقاطع دروب اللجوء. تلاقحت تجارب هاتيك النساء؛ شابّات في عمر المدرسة لا يَتجاوزن الثلاثة عشر ربيعاً مع سيدات في سبعينيات وثمانينيات سنيّ عمرهنّ، صيدلانيات ومحاميات ومهنيات وطالبات وعاملات وربّات بيوت سودانيات وغير سودانيات، سيدات أعمال متمرّسات وذوات خبرة ومبتدئات، تلاشَتْ بينهنّ جميع الفوارق، وتلاقَتْ عندهنَّ الرغبة في النجاة والصمود.

قدّمت هذه الأعمال الصغيرة والناشئة هوامشَ استقلاليّة اقتصاديّة واجتماعيّة، وحريةً لم تكن متوفرة لكثيرات في السودان. بعض النساء روينَ أنّ تمكُّنهنّ من توفير معاشهنّ وأسَرهنّ أعاد ترتيب أولوياتهنّ، ورسَم أشكالاً جديدة من العلاقات والخيارات؛ إذ يَشعرنَ بأنهنّ أكثر فاعليةً وتأثيراً. 

مثلما تتأتّى الطبيعة النسوية لهذا النوع من الأسواق والأعمال من جندر صاحبات الأعمال، فإنها تتأتّي من طبيعة المنتجات المُصنّعة والمعروضة التي نَسْوَنَت بدَورها مهارات التشبيك وديناميات العرض والطلب وسلاسل الإمداد وأحياناً حتى رؤوس الأموال. يأتي دَور الرجال في حيّز هذه الأعمال (إنْ وُجد)؛ أزواجاً كانوا أم آباء، إخواناً أم أبناء أم حتى أقارب، بحسبانهم شركاء ومُعاونين ومُساندين داعمين. قدّمت هذه الأعمال الصغيرة والناشئة هوامشَ استقلاليّة اقتصاديّة واجتماعيّة، وحريةً لم تكن متوفرة لكثيرات في السودان. بعض النساء روينَ أنّ تمكُّنهنّ من توفير معاشهنّ وأسَرهنّ أعاد ترتيب أولوياتهنّ، ورسَم أشكالاً جديدة من العلاقات والخيارات؛ إذ يَشعرنَ بأنهنّ أكثر فاعليةً وتأثيراً. كذلك وجدَت النساء مساحاتٍ أكبر في اتخاذ القرارات داخل المنزل وخارجه، كما فرض الوضع الاقتصادي للنساء المُنتِجات، وحتى الموظفات، تغييرات ومرونة أكثر في الأدوار التقليدية لهنّ في القيام بالأعمال المنزلية والرعائية للأطفال وكبار السنّ في الأسرة.

تُمثّل نسبة النساء السودانيات والأطفال في مصر 75% من مجموع اللاجئين المسجّلين حسب إحصائيات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة. تتكوّن معظم الأسر من نساء وأطفال وكبار سنّ، وتكون في حالات كثيرة العائل الرئيس فيها هنّ النساء، إذ بقي كثير من الرجال في السودان أو اضطّروا للبحث عن فرص عمل في دول أخرى نظراً إلى شحّ الفرص في القاهرة. ترى كثيرٌ من النساء والفتيات في الأعمال الصغيرة التي يُنشئنها في القاهرة، وسيلةً للتعامل مع صدمة ما بعد الحرب، ومساحةً يَجدْن فيها مُتنفَّساً من الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية والعاطفية. البعض وصَفْنها بأنها وسيلة للتعافي النفسي وإعادة التوازن المفقود للأسر، وإعادة تشكيل للحياة في الغربة مع ما تفرضه من تحدياتٍ ومصاعب جديدة.

رحاب، الموظّفة في وزارة المالية، قدِمَتْ وأسرتُها إلى القاهرة من الخرطوم بحري في منتصف 2024، وبعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم في مارس 2025، استدعتها الوزارة لمُواصلة عملها من السودان. تركت رحاب أطفالها في القاهرة ليُكملوا تعليمهم، وبقي الأب الراعي الأساسي للأطفال بمُساعدة الحبوبة. أما سوسن المعلّمة في مدرسة خاصة في ود مدني، فقد فضّلت العودة من القاهرة مع والدتها وبناتها بعد ما أعلنت المدرسة عن فتح باب التسجيل للعام الدراسي الجديد، حيث تَدرُس بناتها في المدرسة ذاتها التي تُدرِّس فيها. بينما فارقهن الزوج الذي أمّنت له الدروس الخصوصية التي كانت تقدّمها لبنات وأبناء السودانيات في القاهرة، إقامةً في إحدى دول الخليج على أمل تسهيل حصوله على وظيفة عوضاً عن تلك التي فقدها في السودان بعد الحرب.

وغيرهنّ كثيراتٌ، ممّن يعملن في مجالات التطبيب والتعليم العام والعالي والقطاعات الحكومية وحتى القطاع الخاص والمنظّمات غير الحكومية، يجدنَ أنفسهنّ في مُفترقات طرق شبيهة، حيث تتزايد المطالبات من كثير من الجهات المُشغّلة، حكوميةً كانت أم غير ذلك، لموظّفيها بالعودة إلى العمل من داخل السودان بعد مضيّ أكثر من عامين على الحرب. وفي ظروف تعسُّر الحصول على عمل في الخارج، وقلّة المدّخرات والموارد أو انعدامها، تجد كثيرٌ من النساء والفتيات أنفسهنّ مُطالَبات بتطوير وسائلهنّ المُجرَّبة في النجاة والحفاظ على الحياة، واشتقاق دروب في جغرافيات جديدة، هنّ وأسرهنّ بما يتوافق مع المتغيّرات التي فرضها واقع ما بعد الحرب.

Scroll to Top