أتر

الرُّعاة المنسيّون: الفلاة ضيّقة والماشية مُقيّدة

منذ اندلاع الحرب في السودان، ظهر تأثيرها جلياً على الرُحَّل والرُّعاة في معظم الولايات التي شملتها، بَيد أنّ أخطر الأضرار وقعت على الرُّعاة في إقليمَي كردفان ودارفور، إذ يَسهُل اتهامهم بالعمل لمصلحة أيٍّ من طرفي الحرب، بسبب تشابُك الروابط والعلائق الاجتماعية والقبلية.

في بداية الحرب، استغلَّ اللصوصُ وقُطَّاع الطُّرق الهشاشة الأمنية، ونهبوا ماشية الرّعاة أو سطوا عليها تحت تهديد السلاح الذي كانوا يحوزونه حتى قبل اندلاع الحرب. ومع ارتفاع حدَّة الجرائم المُرتكبة ضد الرُّعاة، وتفشّي السرقات والنهب، انتشر السلاح بين الرّعاة بدورهم أكثرَ من أيِّ وقت مضى لحماية القطعان. لكنه لم يُنهِ المأساة التي تفجَّرت من ضفة أخرى، حيث أصبح الرعّاة والرحّل موضعَ اتهام السلطات الأمنية والعسكرية التابعة للجيش من جهة، والدعم السريع من جهة أخرى، ما قلَبَ حياتهم رأساً على عقب، ودفع كثيراً منهم إلى اللجوء إلى دول الجوار أو التحرُّك في حيّز ضيق لم يكن يَسعُهم في غير أوقات الحرب، وهذا بالضبط ما يَشرحه يوسف منصور أحد مُربِّي الضأن في ولاية شمال كردفان.

كنا نَتجاوزها بالصبر والاحتمال، وبالمُساومة أحياناً. تنازَلنا في مرَّات كثيرة عن بعض كرامتنا، وقَبلنا مِراراً منْحَ اللصوص رؤوساً من الماشية، وصِرْنا عاجزين عن التّرحال والتنقُّل. توقَّفنا في أماكن بعينها لفترات طويلة، ما أثّر على الماشية وأدّى إلى نفوق كثير منها.

يقول يوسف لـ«أتَـر»، وهو راعٍ في مناطق شرق كردفان، إنّ الحرب عندما اندلعت ظنّوا أنهم سيَكونون في مأمن منها بأيّ حال من الأحوال. ويضيف: «نحن رُعاة، تنحصر حياتنا في تربية الماشية، نَعيشُ في البراري وننامُ في المضارب. نتنقّل من مكان إلى آخر تبعاً لفصول السنة. نعتمد في معيشتنا على الجهد الذي نبذله على مدى ساعات اليوم في العناية والاهتمام بالماشية، التي لا تُمثّل مصدر رزقنا وثروتنا فحسب، بل كذلك هي جزءٌ من ثقافتنا وموروث أجدادنا». لكن للأسف تحقَّقت أسوأ الاحتمالات، كما يقول يوسف، ومع استمرار الحرب يوماً بعد يوم، بدأت تظهرُ أمامَ الرعاة المُعضلات وتقَعُ عليهم الانتهاكات. يواصل يوسف: «كنا نَتجاوزها بالصبر والاحتمال، وبالمُساومة أحياناً. تنازَلنا في مرَّات كثيرة عن بعض كرامتنا، وقَبلنا مِراراً منْحَ اللصوص رؤوساً من الماشية، وصِرْنا عاجزين عن التّرحال والتنقُّل. توقَّفنا في أماكن بعينها لفترات طويلة، ما أثّر على الماشية وأدّى إلى نفوق كثير منها».

ويقول: «كان يأتي إلينا أشخاصٌ نعلم أنهم لصوص وقُطّاع طُرق، يدّعون أنهم يتبعون للجهات النظامية، ويَطلبون بعضاً من الماشية، وكنا نَمنحهم ما يريدون ظناً منّا أن ما يَحدث أمرٌ عارض سيزول في أقرب وقت». لكنْ تطوَّر العارض، واشتدّ التهديد وتضاعفت المطالب. ورغم تجاوز الرّعاة لها بالحكمة المتوارثة، وجدوا أنفسهم في مُواجهة تضليلٍ مُتعمّد، بحسب وصف يوسف، بأنهم جزء من طرفي الحرب. «تارةً نُوصَف بأننا مع الدعم السريع، وأخرى بأننا نُساند الجيش»، يقول يوسف حائراً، ومن ثمَّ يضيف: «أثناء سيطرة الدعم السريع على أم روابة وما حولها، كُنّا نُعامَلُ بقسوة، باتهامنا بإمداد الجيش بالمعلومات وأماكن تمركز قوات الدعم السريع. وبعد خروج الدعم السريع، أصبحنا نُتّهم بأننا ساعدناها وتعايشنا معها لفترة تزيد عن السنة، وجميعها اتهامات باطلة».

ومع تزايُد نبرة الاتهامات، مُنِع الرعاة من الاقتراب من القرى والمُدن، ومن ركوب الجمال في الأسواق وقرب الأماكن العسكرية، وهو ما دفع رعاة الإبل لمُغادرة معظم مناطق ولاية شمال كردفان، ولجأ بعضهم إلى أقصى شمال الولاية المتاخم للولاية الشمالية، لجهة دار الكبابيش والهواوير والقِريّات، وهي مناطق نائية تُعاني من شحّ المياه والمراعي، ولا تتناسب مع الرعاة والماشية التي تربّت في شرق كردفان الأوفر ماءً وعشباً.

أثناء سيطرة الدعم السريع على أم روابة وما حولها، كُنّا نُعامَلُ بقسوة، باتهامنا بإمداد الجيش بالمعلومات وأماكن تمركز قوات الدعم السريع. وبعد خروج الدعم السريع، أصبحنا نُتّهم بأننا ساعدناها وتعايشنا معها لفترة تزيد عن السنة، وجميعها اتهامات باطلة.

يَقول أحد رعاة الإبل في شمال كردفان، مُفضّلاً عدم كشف اسمه، لـ«أتَـر»: «نزحنا ضمن مَن نزحوا إلى مناطق لم نعرفها من قبْل، وتركنا أُسرَنا خلفَنا تَعيش ظروفاً قاسية لأنها تعوَّدت على البقاء قرب الماشية التي تُوفر لها متطلبات الحياة اليومية من أكل وشُرب». ويستطرد الراعي الذي قُتل شقيقه داخل مدينة أم روابة في فترة سيطرة الدعم السريع عليها: «الأُسَر الرعوية لا تملك مدّخرات مالية، ولا تَعرف تخزين الحبوب مثل الذرة والسلع الغذائية الأخرى، وحتى أن بعضها لا يَعرف استخدامَ كثيرٍ من المواد الغذائية، وحرمانها من وجود الماشية هو بمثابة دفعها إلى هوّة الجوع والفقر. نحن حالياً ضحايا الحرب التي ليس لنا دَور فيها لا من قريب ولا من بعيد».

ويقول أحد قادة الإدارة الأهلية بشمال كردفان، إنّ عدد القتلى من قبيلته التي يَمتَهِنُ معظمُ أفرادها الرعي بلغ 75 فرداً، جميعهم قُتِلُوا بسلاح طرفَي الحرب، ويتّهمهم كلُّ طرف بمساعدة الطرف الآخر بسبب حركتهم الدائبة. «لا يوجد واحدٌ بين الضحايا كان يعمل لطرفٍ أو لآخر»، يقول القيادي الذي فضّل عدم كشف اسمه لحساسية الموضوع، ومن ثم يضيف في حديثه لـ«أتَـر»: «جميع الماشية وخاصة الإبل نزح رعاتُها من المنطقة، منهم من ذهب نحو دار الريح وهي منطقة قاسية وتفتقر لوفرة المياه في فصل الصيف، ومنهم من ذهب إلى دارفور باعتبار الإقليم أكثر اتساعاً من شمال كردفان. الحرب جعلت الفلاة ضيقةً والتنقّل ممنوعاً وحركة الماشية مُقيّدة».

بينما ذهب بعض رعاة كردفان إلى دارفور، لجأ الرعاة في دارفور إلى دول الجوار. يقول عبد الرحمن عبد الله وهو أحد رعاة الإبل بشرق دارفور، لـ«أتَـر»: «رغم أنّ الخطر على الرعاة في دارفور أقلّ مما هو عليه في كردفان ومناطق أخرى، لكنّ وجود المعارك العسكرية قريبة منهم وتهديد القصف الجوي لا يُشجّعان وجودهم، ولذلك يوجد كثيرٌ من الرعاة حالياً في الحدود مع أفريقيا الوسطى وبعضهم في تشاد».

يضيف عبد الرحمن: «الحرب تَحْرم الرعاة من تسويق حيواناتهم، وتُشيع عدم الطمأنينة والأمن، ويُقتل فيها كثير منهم، ولهذا كان خيار اللجوء إلى دول الجوار حاضراً بينهم، منذ اندلاع الحرب وانتشار الجريمة والقتل وعمليات النهب والسرقة، فضلاً عن تعطّل الأسواق التي يَعتمدون عليها في توفير معاشهم اليومي والأدوية البيطرية لحيواناتهم. وهو ما جعلهم يتّجهون إلى المناطق الحدودية التي يتوفّر فيها أمانٌ نسبيٌّ وتقع قريبة من الأسواق وتتوفّر فيها مياه الشرب وهي دائماً معضلة الرعاة الأساسية».

الأُسَر الرعوية لا تملك مدّخرات مالية، ولا تَعرف تخزين الحبوب مثل الذرة والسلع الغذائية الأخرى، وحتى أن بعضها لا يَعرف استخدامَ كثيرٍ من المواد الغذائية، وحرمانها من وجود الماشية هو بمثابة دفعها إلى هوّة الجوع والفقر. نحن حالياً ضحايا الحرب التي ليس لنا دَور فيها لا من قريب ولا من بعيد.

وقد شهدت ولاية غرب كردفان التي تتميّز بتربية الضأن الحمري نفوقَ آلاف الرؤوس من الماشية بسبب شحّ مياه الشرب في فصل الصيف الماضي، أثناء سيطرة الدعم السريع على عدد من مُدن الولاية ومنها النهود.

يقول حامد عبد الله، أحد مُربّي الماشية، في منطقة النهود لـ«أتَـر»، إنّ الآبار التي تعمل بالوقود توقّفت بعدما اجتاحت الدعم السريع المنطقة وسُرقت ألواح الطاقة الشمسية، ما أدّى إلى انقطاع مياه الشرب عن الحيوانات التي بدأت تنفق مع حالة النزوح التي اجتاحت المنطقة. لقد كان الناس يُحاولون النجاة بأنفسهم من الانتهاكات، ويفرّون من وجه الحرب، وقليل من كان يهتم بالقطعان. ولأنّ الحرب وصلت إلى المنطقة في أشدّ شهور فصل الصيف حرارةً، ما بين أبريل ومايو، كانت حاجة الحيوانات إلى المياه قصوى وآنيَّة، ولذلك نفقت مئات الرؤوس من الأبقار والضّأن والماعز، وألمّت بالرعاة خسائر فادحة وفقد بعضُهم كلّ ما يملك من ماشية، كما يشير حامد، ويقول أيضاً: «لم تقتصر مأساة الرعاة على نفوق الماشية بالعطش، إذ سُرقت ونُهبت أعدادٌ كبيرة منها، كحال جميع المناطق التي ينفرط فيها عقد الأمن، وهو ما حدث في غرب كردفان».

ونتجت عن معاناة الرُّعاة مع الحرب صعوبةٌ في الحصول على العقاقير الطبية والأدوية البيطرية، التي أصبح الحصول عليها شاقاً، وتُكلّف أموالاً طائلة وفقاً لأحمد الجيلي، وهو راعٍ من شمال كردفان قال لـ«أتَـر»: «تكاد أسعار الأدوية البيطرية أن تكون قد تضاعفت خمسين مرة خلال فترة الحرب. وارتفع سعر عقار علاج  جرب الإبل من 1500 جنيه إلى 70 ألف جنيه للبعير الواحد، وتسير بقية الأدوية في ذات المستوى من الأسعار، وهي أنواع أدوية جديدة لم يُجرّبها الرعاة من قبل، ويقولون إنها تدخل عبر التهريب وبطرق غير قانونية إلى الأسواق، وبالتأكيد كلُّ شيء وارد. في ظلّ الحرب نحن مُجبَرون على شرائها لأنه ليس لدينا بديل».

مع توقّف المدارس لأكثر من عامين في المنطقة، وبسبب حاجتنا الشديدة إلى مُساعدة الأطفال في رعي الماشية، وإجبارنا على الابتعاد من القرى والمُدن التي توجد بها المدارس، لم يستطع أطفالنا مواصلة التعليم بعد إعادة فتح المدارس.

ومن أشدّ ما تعرّض له الرعاة هو خسارتهم لتعليم أطفالهم بعد حرمانهم من الاستقرار لأوقات مُحدَّدة قريباً من المدارس. ويقول الطاهر الطيب من شمال كردفان: «مع توقّف المدارس لأكثر من سنتين في المنطقة، وبسبب حاجتنا الشديدة إلى مُساعدة الأطفال في رعي الماشية، وإجبارنا على الابتعاد من القرى والمُدن التي توجد بها المدارس، لم يستطع أطفالنا مواصلة التعليم بعد إعادة فتح المدارس».

وفي الأصل، يذهب أطفال الرُّحّل إلى المدارس في عمر أكبر من بقية التلاميذ، وبعد توقّف سنتين تكون أعمارهم قد تجاوزت مراحل التعليم الأساسي. وفي الوقت ذاته، فإنّ كثيراً من أُسَر الرُّحل، ومع حالة الهشاشة الأمنية، تَستعين بالأطفال في الرعي وتربية الحيوانات، التي لم تكن تحتاج إلى كثيرٍ من الاحتراز في السابق لعدم انتشار النهب والسرقات كما في فترة الحرب.

يختم الطاهر: «تضرّر الرعاة كثيراً في هذه الحرب، وتتعدّد الأضرار التي أصابتهم، بين فقدانهم للاستقرار، وإجبارهم على تجنّب المراعي والمسارات التاريخية، وتشريدهم إلى مناطق غير مُلائمة، وحرمان أطفالهم من التعليم، والأدهى هو أن مُدناً أسهم الرعاة في عمرانها مثل بارا وأم روابة والأبيض والرهد، مُنعوا من دخولها على الجمال بحُجّة أنهم استخبارات. كلّ طرفٍ يتّهمهم بأنهم استخبارات للطرف الآخر».

Scroll to Top