أتر

لسان حال المُزارع في الموسم الشتويّ: أنا الغنيُّ وأموالي المواعيدُ

اضطُرّ جاد الله فضل الكريم التوم، المُزارع بمكتب سُرحان بمشروع الجزيرة، لبيع إنتاجه المُتوقَّع من محصول الذّرة قبل حصاده، لتاجرٍ بمنطقة العزّازي بريفي المناقل، ليتمكّن من سداد ما عليه من مديونية سابقة للبنك الزراعي، تعود إلى العام 2023. ويَزرع التوم، مساحة ثلاثة أفدنة من الذّرة، وباع إنتاج فدان ونصف، وتسلّم مقدّماً، بأقل من سعره الحالي في السوق، حيث يُباع الجوال الواحد ما بين 130 و140 ألف جنيه، ويقول إنه باعَه بتسعين ألف جنيه للجوال.

سمع التوم عبر الأخبار المُتداولة عن اتجاه إدارة مشروع الجزيرة، لتمويل المساحات المزروعة قمحاً هذا العام، بعد غياب لأكثر من سنتين، لكن لم يَصلهم أيُّ تمويل عبر إدارة مشروع الجزيرة حتى الآن، وذلك على الرغم مما يسمعه كلَّ يوم عن الاستعداد للموسم الشتوي.

يَقول التوم لمراسل «أتَـر»، إنّ البنك خيَّرَه بين السداد حتى يتسنّى له الحصولُ على التمويل أو حرمانه منه. وهو لا يرغب  في الخيار الأخير، وقد حضّر مساحة ستة أفدنة لزراعتها قمحاً. كذلك سمع التوم عبر الأخبار المُتداولة عن اتجاه إدارة مشروع الجزيرة، لتمويل المساحات المزروعة قمحاً هذا العام، بعد غياب لأكثر من سنتين، لكن لم يَصلهم أيُّ تمويل عبر إدارة مشروع الجزيرة حتى الآن، وذلك على الرغم مما يسمعه كلَّ يوم عن الاستعداد للموسم الشتوي. لذلك قرّر التوم التوجّه نحو البنك الزراعي بمنطقته الذي أعلن عن فتح باب التمويل للموسم الشتوي، ويرهن البنك ذلك بسداد المديونية القديمة، على الرغم من الظروف التي يكابدها المُزارعون حالياً. ويُخبر التوم مراسل «أتَـر»، بأنه اتفق مع صاحب تراكتور لتحضير مساحته للقمح، مقابل منحه مبلغاً يكفي لشراء الوقود وأجرة سائق التراكتور، على أن يدفع باقي المبلغ عند حصاد القمح، وهو السبب الذي يضطرّ التوم لأن يبيع محصول الذرة لسداد المديونية من أجل التمويل، حتى يتمكّن من زراعة القمح وسداد ما عليه من مديونية لصاحب التراكتور.

ولا حديث هذه الأيام لمُزارعي القطاع المرْوي، غير التحضير والتمويل والري، وهي ثلاثية ظلّت تُلازمهم منذ سنين، فهي إما صَلُحت فعَدَلت حالهم، أو راكمت عليهم الديون.

لا تمويل كاملاً

وفي بداية أغسطس الماضي؛ أعلنت إدارة مشروع الجزيرة والمناقل، عن اتجاهها لزراعة 600 ألف فدان، في العروة الشتوية، منها 400 ألف فدان قمحاً؛ غير أنّ مزارعين تحدثوا لمراسل «أتَـر» تعليقاً على خطة إدارة مشروع الجزيرة، قالوا إنّ هذه المساحة يمكن زراعتها نظرياً، لكن عملياً ليست لدى المشروع نافذة تمويل مباشرة في الوقت الحالي.

ولم تمضِ أيام على تعليقات المراقبين، حتى أعلنت إدارة مشروع الجزيرة، أنه ليس لديها تمويل تُقدّمه للمزارعين مباشرةً، كما جرَت العادة، وطالبتهم بالتوجّه إلى فروع البنك الزراعي، وقالت إنّها سلمته تمويلها. يُذكر أنه في موسم 2023-2024، قالت الإدارة إنها عجزت عن تمويل المزارعين بالسماد، وكانت قبل ذلك أعطتهم التقاوي، وهي المرة الأولى التي تعجز فيها عن التمويل جزئياً.

وطوال عمر المشروع كانت إدارته تمنح التمويل كاملاً، بما يشمل عمليات التحضير والتقاوي والأسمدة والمبيدات والجوالات الفارغة وتكلفة الحصاد، على أن تأخذ من المزُارع إنتاجه بواقع سعر تركيزي تعلنه كلّ موسم. أما قانون 2005 فقد فرَض على المزارعين دفع حاصل بيع محاصيلهم ليسدّدوا لإدارة المشروع. بعد العام 2021 تغيّرت سياسة التمويل، فبدلاً عن أن يتلقّى المشروع التمويل من البنك المركزي مباشرة، أصبح يأتي من وزارة المالية عبر البنك الزراعي الذي يُموّل إدارة المشروع، على أن تأخذ مدخلات الإنتاج وتبيعها للمزارعين بهامش أرباح تُسيّر به أعمالها. ومن ثم أصبحت إدارة المشروع، ترهن أصولها الثابتة للبنك الزراعي مقابل التمويل.

حالياً لدى البنك الزراعي نوعان من التمويل: أحدهما منه مباشرة والآخر من إدارة مشروع الجزيرة، التي سلّمت تمويلها إلى البنك الزراعي، وبذلك يَطلب المزارع أحد النوعين. وفي حال طلب المزارع من البنك تمويل إدارة المشروع، يطلب منه البنك تصريحاً بذلك من إدارة المشروع، ومن ثم يجري استرداد التمويل عبر البنك. وهذا شكل جديد من التمويل، وهو تمويل جزئي يتضمّن التقاوي والأسمدة والداب واليوريا فقط، دون التكاليف الأخرى كالمبيدات وأجرة الحاصدة والجوالات، التي أصبحت على المزارع.  

قال مصدرٌ مُطّلعٌ بالبنك الزراعي لمراسل «أتَـر»، إنه بعد التدهور والإخفاقات، وعدم سداد المديونيات السابقة، فإنّ البنك لن يُكرِّر السيناريو ذاته مرة أخرى، في إشارة منه إلى إحجام البنك عن تمويل إدارة المشروع.

ويَكشف مصدرٌ مطّلعٌ من داخل إدارة مشروع الجزيرة لمراسل «أتَـر»، أنّ الإدارة تتخوّف من عدم إيفاء البنك الزراعي بتعهّداته بتسليف إدارة المشروع لتمويل المزارعين على أن تُرجعه بأرباحه في موسم الحصاد، وقال: «نتخوّف من تكرار تجربة العام 2023، حين رفض البنك تمويلنا في اللحظات الأخيرة، ولاحقاً، أعطت إدارة المشروع التمويل الخاص بها للبنك الزراعي، واقتصرت مهمتها على توزيع التمويل القادم من بنك التنمية الأفريقي بواسطة برنامج الغذاء العالمي، بواقع 65 ألف فدان للمشروع».

وكان البنك الزراعي، منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، يُسلّف إدارة مشروع الجزيرة في السابق، مدخلات إنتاج وأسمدة، وترهن الأخيرة أصول المشروع الثابتة والمتحركة «مثل المباني، وخط السكة الحديد، والمخازن، والسيارات والورش والمعدات، وأحياناً تمده بالتقاوي مقابل الأسمدة؛ لكن مصدراً مُطّلعاً بالبنك الزراعي قال لمراسل «أتَـر»، إنه بعد التدهور والإخفاقات، وعدم سداد المديونيات السابقة، فإنّ البنك لن يُكرِّر السيناريو ذاته مرة أخرى، في إشارة منه إلى إحجام البنك عن تمويل إدارة المشروع. ويكشف المصدر أنّ البنك سيتجه لتمويل الأفراد (مزارعين)، وشركات التمويل الأصغر، وبعض الجهات الخاصة، خاصة بعد أن انخفضت قيمة أصول مشروع الجزيرة التي طالها التدمير والنهب في فترة سيطرة الدعم السريع على الولاية.

وقال المُزارع بقسم ري طابت بمشروع الجزيرة، جادين عبد المطلب سليمان، الذي تحدّث لمراسل «أتَـر» في أكتوبر الماضي، إنه لا توجد حتى ذلك الوقت، أيُّ مؤشرات على جدية إدارة مشروع الجزيرة في زراعة المساحة التي أعلنت عنها في الأشهر الماضية، وعلى الأقل في قسم ري طابت. وطبقاً لإفادة سليمان لمّا تزَل قنوات الري ممتلئة بالحشائش والطمي، وسط غياب عمليات الصيانة للأبواب والمحابس في القناطر، وأضاف سليمان قائلاً إنّ البنك الزراعي حتى وقت حديثه لم يُسلّم أيَّ مزارع تمويلاً: «نخاف مما حدث في الموسم الصيفي، إذ أعلن البنك عن التمويل، وحين ذهب المزارعون وجدوا مخازنه فارغة من المدخلات الزراعية».

وفي الاتجاه ذاته يَمضي المُزارع بقسم الهدى بالمناقل بلة جامع الطاهر، ويقول إنه دون إعلان سعر تركيزي لمحصول القمح يكون مجزياً قياساً بالتكلفة العالية هذا العام، فإن أيّ حديث عن نجاح الموسم الشتوي، يبقى مجردَ فرقعات إعلامية وتضليلاً للمزارعين، إن لم تكن الحكومة مُستعدة فلفتح الباب أمام شركات القطاع الخاص.

وفي نهاية نوفمبر بدأ البنك الزراعي تسليم جزء من المزارعين تمويلاً للموسم الشتوي الحالي بالجزيرة، لكنه يطالبهم بتسديد المديونية السابقة ودفع مقدّم يبلغ 500 ألف جنيه لنيل التمويل، موزعة بواقع 280 ألف جنيه تدفع لبنك السودان المركزي و10% مقدم للتقاوي. ويعجز المزارعون عن دفع هذه المبالغ، ما حدا بعدد كبير منهم للعزوف عن الذهاب إلى فروع البنك.

وليس بعيداً عنهم يمضي المُزارع كمال ساري قائلاً لمراسل «أتَـر»: «عندما ترغب الحكومة في الزراعة لتكون داعماً اقتصادياً، عليها أن توجّه قراراتها الحاسمة إلى جهات الاختصاص لحلّ مشكلات الزراعة، وبعدها سوف تجد المزارعين على أهبة الاستعداد والجاهزية للزراعة وزيادة الإنتاج في الحقول».

وكشف مَصدرٌ مُطّلعٌ من داخل إدارة مشروع الجزيرة، لمراسل «أتَـر»، أنه يَجري الترتيب لعقد لقاء مُرتقب بين وزير الزراعة والري ومحافظ مشروع الجزيرة ومجلس الوزراء بمدينة بورتسودان، لمُناقشة قضايا الموسم الشتوي وتحدياته. ويأمل المزارعون أن تُسهم هذه اللقاءات في تذليل العقبات وضمان انطلاقة ناجحة للموسم الشتوي دون صعوبات، خاصة في ظلّ القلق السائد بين المزارعين بسبب ضعف التحضيرات وتخوّفهم من انقطاع مياه الري أو تأخرها أثناء الموسم.

ويترقّب المزارعون بالجزيرة الآن، حلّ مشكلة الجازولين وتوفير الآليات الزراعية إلى جانب إيجاد آليات تمويل واضحة للموسم الجديد، لضمان نجاح زراعة محاصيل العروة الشتوية.

الموسم الشتوي لا يعنينا

في مشروعنا الزراعي لا يوجد أيّ مؤشر على الزراعة، خاصة أننا نُعاني من انعدام المياه لتوقُّف البيّارة الرئيسة التي تَسقي مشروعنا، لذلك أيّ حديث عن موسم شتوي لا يعنينا.

وقريباً من الجزيرة، في ولاية سنار، يقول المُزارع عبد القيوم الكباشي من مشروع البرسي الزراعي لمراسل «أتَـر»، إنّ المزارعين، كبارهم وصغارهم، أصبحوا بين مطرقة الحاجة المُلحّة للتمويل وسندان الجوكية والسماسرة وصانعي القرار في الاقتصاد السوداني، ولذا يتوقّع أن لا يدخل المزارعون في تجارب زراعة محاصيل جديدة في العروة الشتوية. ويقول: «في مشروعنا الزراعي لا يوجد أيّ مؤشر على الزراعة، خاصة أننا نُعاني من انعدام المياه لتوقُّف البيّارة الرئيسة التي تَسقي مشروعنا، لذلك أيّ حديث عن موسم شتوي لا يعنينا».

وفي مشروع الجزيرة، أحد أكبر المشاريع الزراعية المرْوية بالبلاد، كشفت جولة لمراسل «أتَـر» عن ارتفاع كبير في أسعار التحضير، حيث ارتفع سِعر تحضير الفدان من الدسك «ثلاثة صاجة» من 60 ألف جنيه في الموسم الصيفي إلى 90 ألف جنيه في التحضير للموسم الشتوي، وبلغت تكلفة أربعة أفدنة 360 ألف جنيه. وارتفع بالمقابل سعر الفتحية الأولى إلى 40 ألف جنيه للفدان، بزيادة 10 آلاف جنيه عن التحضير للموسم الصيفي، إذ تبلغ الآن تكلفة أربعة أفدنة 160 ألف جنيه، وفتحية ثانية 120 ألف جنيه، وطرح وتسوية الأرض 120 ألف جنيه، وينطبق عليها ما انطبق على الفتحية الأولى، إذ ارتفعت للفدّان الواحد من 30 ألف جنيه في الصيف، إلى 40 ألف جنيه في شهر أكتوبر، ويتوقّع أن يكون نثر البذور والداب بواقع 10 آلاف للجوال، وتحتاج كلّ أربعة أفدنة إلى 80 ألف جنيه، وتتبقى مرحلة دفن البذور، وتحتاج إلى 120 ألف جنيه لكل أربعة أفدنة. إذ تبلغ بذلك تكلفة مرحلة التحضير الأولي 960 ألف جنيه لكل أربعة أفدنة. ويُرجع إسحق البشير عبد الله، سائق تراكتور، في حديثه لمراسل «أتَـر»، الارتفاع في التكلفة إلى ارتفاع سعر الجازولين، إذ ارتفع سعره من 16 ألف جنيه في يونيو الماضي، إلى 21 ألف جنيه في أكتوبر الماضي، علاوة على ارتفاع أسعار إسبيرات صيانة التراكتورات، بسبب تدنّي قيمة العملة الوطنية.

بينما كشفت جولة لمراسل «أتَـر»، في عدد من الأسواق بمشروع الجزيرة، ارتفاعاً كبيراً في أسعار التقاوي والأسمدة. وبلغ سعر جوال الداب «50 كيلو» 205 آلاف جنيه، وتحتاج كلّ أربعة أفدنة إلى أربعة جوالات، بجملة 820 ألف جنيه. وفي سوق المِعيلِق بشمال الجزيرة، بلغ سعر جوال اليوريا «50 كيلو» 160 ألف جنيه، وتحتاج كلّ أربعة أفدنة إلى ثمانية جوالات، بجملة 1,280,000 جنيه.

إنْ لم تُوفَّر هذه المُعينات، وكانت التصريحات الحالية مثل السابقة، فإنّ الاتجاه سيكون لزراعة محاصيل بديلة، لأنّ زراعة القمح بالأسعار الحالية للمُدخلات والتحضير ليست مجدية، ولأن المُزارع لا يملك الإمكانات حالياً.

يقول المُزارع بمكتب تورس بقسم وادي شعير مصطفى إبراهيم بخيت لمراسل «أتَـر»، إنه لا بدّ من التدخّل العاجل لإنقاذ الموسم الشتوي، إذ يُعدّ القمح من المحاصيل الاستراتيجية، والتي تهم الأمن الغذائي القومي، ويدعو لما سمّاه بسياسة واضحة لتمويل المدخلات ومتابعة مناسيب الري وعمل الكراكات والجازولين، ثم ّوضع سعرٍ تركيزيٍّ مُرْضٍ للجميع.

ويقول بخيت تعليقاً على الأرقام المُعلنة من إدارة المشروع، إنّ خطّتها الرامية لزراعة 400 ألف فدان قمح، تحتاج إلى 400 ألف طن يوريا و200 ألف طن داب ومثلها تقاوي، راهناً نجاح الموسم بتوفير هذه المُعينات، وقال: «إنْ لم تُوفَّر هذه المُعينات، وكانت التصريحات الحالية مثل السابقة، فإنّ الاتجاه سيكون لزراعة محاصيل بديلة، لأنّ زراعة القمح بالأسعار الحالية للمُدخلات والتحضير ليست مجدية، ولأن المُزارع لا يملك الإمكانات حالياً».

وفي حديثه لمراسل «أتَـر»، يعزو الخبير الزراعي مصعب محمد الهادي التكينة الأزمةَ إلى غياب التفاهمات بين شركاء الإنتاج: الحكومة (المالية)، البنك الزراعي، إدارة مشروع الجزيرة، المزارعين، والقطاع الخاص. ويرى أنّ المطلوب للخروج من الأزمة الحالية، هو إلزام المالية بضخّ اعتمادات للبنك الزراعي قبل الموسم الشتوي، لأنّ أي تأخير يعني فقدان فرص الإنتاج، مشدّداً على ضرورة التنسيق بين المالية والبنوك وممثلين للمزارعين وشركات تمويل.

وحملت أنباء الأسبوع الأخير من أغسطس الماضي، بُشريات لمزارعي الجزيرة والمناقل، بقرار رئيس مجلس الوزراء د. كامل إدريس بتكوين لجنة خاصة بالمُعْسِرين برئاسة المحافظ وعدد المزارعين، خلال مقابلته لمبادرة مزارعي مشروع الجزيرة والمناقل الرامية لمعالجة قضايا المشروع الراهنة.

وفي اجتماع مع مدير الإدارة الزراعية بمشروع الجزيرة وممثّل لبنك السودان المركزي بود مدني، في أكتوبر الماضي، أكّد مدير بنك أم درمان الوطني، وشركة عزم، وبنك النيل، الاستعداد لتمويل القمح لهذا الموسم الذي وصفوه بالاستثنائي.

ولاية كسلا: أوضاع مشابهة

وتكادُ تتشابه الظروف والأحوال في المشاريع الزراعية المختلفة، إذ لا تزال مشكلات التمويل والري، في صدارة هموم المزارعين بتلك المناطق وهم مقبلون على موسم شتوي، ينتظرون منه أن يزيل بعضاً مما تركه الموسم الصيفي في أنفسهم.

وفي ولاية كسلا أكّد المدير الزراعي لهيئة حلفا الجديدة الزراعية في تصريحات صحفية، أنّ التحضيرات تسير على نحو جيد، إذ إنّ الهيئة تستهدف زراعة 100 ألف فدان من القمح ضمن البرنامج الإسعافي المُموَّل من بنك التنمية الأفريقي، والذي يشمل 13.200 مزارع، إضافة إلى 2.750 مزارعاً آخرين ممولين من منظمة «جايكا».

يقول المزارع بمشروع حلفا الجديدة الزراعي سامي طه أيوب لمراسل «أتَـر» إنه وعدد من المزارعين بحلفا الجديدة لن يتمكّنوا من زراعة محاصيل شتوية هذا العام، بسبب ارتفاع تكاليف التحضير والمدخلات، ولعدم وضوح الرؤى حول السياسة التمويلية من الحكومة والبنك الزراعي والبنوك التجارية، ولفت إلى أنه دخل في تجربة زراعة مساحة ستة أفدنة راكمت عليه مديونية، يتمنى أن تفلح إنتاجية محاصيله الصيفية المزروعة في سداد جزء منها. وقال: «لن نزرع القمح هذا العام فقد اعتدنا في سنوات ماضية أن تكون تكلفة الفدّان في حدود أربعة جوالات، لكن الآن مع زيادة تكلفة الإنتاج من تحضير وتقاوي وأسمدة مع أسعار المحصول الحالية، فسيكون الفرق كبيراً لأنّ تكلفة الفدان لا تقلّ عن مليون جنيه حتى الحصاد. ولو اعتبرنا أن متوسّط الإنتاج 12 جوالاً للفدان، فإن كثيرين سيتجهون إلى محاصيل بديلة». وليس بعيداً عن أيوب، نبّه عادل محمد صالح بابا، المزارع بتفتيش هاجر بمشروع حلفا الجديدة، إلى ارتفاع أسعار الوقود، إذ بلغ سعر الجالون 20 ألف جنيه، ما أدّى إلى ارتفاع أسعار تحضير الأراضي. ووصَف بابا الزيادة في أسعار الوقود بغير المنطقية، وحمّل مسؤولية فشل الزراعة وتحديداً المواسم الشتوية بمشروعهم لوزير المالية الاتحادي، جبريل إبراهيم، الذي يرفض منذ موسم 2021-2022، تحديد سعر تركيزي للقمح، ما يجعل المزارعين نهباً للسماسرة ورأس المال التجاري، ويراكم الديون والخسائر عليهم. وفي السياق ذاته، يُقلّل بابا من أهمية حديث إدارة هيئة حلفا الجديدة، عن زراعة 100 ألف فدان هذا العام في الشتاء. وبحسب المعطيات على أرض الواقع، يقول إنّ الذي يمكن أن يُزرع وبجهد وتمويل ذاتي من المزارعين لن يتعدّى 50 ألف فدان.

وبحسب مشاهدات «عادل بابا»، الذي تَقدّم نيابة عن المزارعين بمذكرة لوزير الزراعة، إبان زيارته للمشروع في سبتمبر الماضي – اطلعت عليها «أتَـر» – فإنّ أكثر من 85 ألف فدان جاهزة الآن للزراعة، ينقصها فقط التمويل، وكشف عن ندرة وشحّ في الأسمدة والتقاوي، ما جعل أسعارها تتصاعد في السوق. ويكشف المزارعون في مذكّرتهم أنه لولا الدعم الذي يتلقّونه من منظمات أممية وإقليمية، لما تمكّنوا من الزراعة، كاشفين عن أنه في الموسم الماضي أعلنت إدارة المشروع عن زراعة 100 ألف فدان، والمزروع فعلياً كان 20 ألف فدان، علاوة عن 23.600 فدان زُرعت بتمويل من منظمة «ميرسي كوربس»، بَيد أن التمويل أتى في وقت أزفَ فيه ميعاد الزراعة، فكانت الإنتاجية ضئيلة. وكشفت المذكرة عن توقّف تمويل برنامج الغذاء العالمي لزراعة القمح، حين جرى اكتشاف أنّ إدارة المشروع قد استولت لحسابها الذاتي على مبلغ 10 ملايين جنيه، بعد أن أُدخلت المنحة المموّلة من البرنامج في تكلفة الإنتاج التي استُردّت من المزارعين. ويتأسّف بابا على توقف مِنَحِ البرنامج التي مثّلت في أوقات سابقة طوقَ نجاة لمزارعي مشروع حلفا الجديدة، طبقاً لما قال به.

وفي أكتوبر كشف وزير الزراعة والري الاتحادي عصمت قرشي في حوار مع «قناة الجزيرة الفضائية» عن ما سمّاه مشكلات في التمويل الزراعي، وقال: «خاطبنا على إثرها وزارة المالية السودانية وبنك السودان المركزي، ونعمل على محاولة توفير محافظ لإنجاح الموسم الشتوي، لأنّ تكلفته كبيرة، إذ نتحدّث عن خطة لإنتاج مليون فدان قمح بتكلفة إجمالية 612 مليون دولار لسدّ قدر كبير من فاتورة استيراده، وهو قدر قليل من احتياج السودان من القمح». وكشف الوزير عن أنّ وزارته تعمل على إنجاح الموسم الشتوي بزراعة 22 مليون فدان، بما يُحقّق الاكتفاء الذاتي من محاصيل المواطن ومحاصيل الصادر.

وقال مزارع من مشروع الرهد الزراعي، إنه مضت عليه سنوات لم يزرع صيفاً ولا شتاءً، بينما يسمع في بداية كلّ موسم من إدارة مشروعه الزراعي حديثاً عن ضمان المدخلات الزراعية وحلّ مشكلات الري.

الولاية الشمالية: استقرار الكهرباء قبل التمويل

يقول المزارع بمشروع القُولِد بالولاية الشمالية، فوزان بدر محمد صالح، إنه بات لا يهتمّ بأمر التمويل بقدر ما ينصبُّ اهتمامه على ضمان استمرار الكهرباء. ويُخبر مراسل «أتَـر» بأنّ أزمة الكهرباء ظلّت سبباً من أسباب فشل زراعتهم، ويشير إلى لجوئهم لبديل الطاقة الشمسية، بَيد أن رداءة الألواح والبطاريات وغلاء سعرها، يجعلان كثيراً من المزارعين يعزفون عن امتلاكها.

وأعلنت حكومة الولاية الشمالية عن اتجاهها لزراعة مليون وخمسة آلاف فدان خلال الموسم الزراعي الشتوي؛ 300 ألف فدان منها قمحاً، طبقاً لما أفاد به المدير العام لوزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية عثمان أحمد، الذي دعا لأهمية العمل على مواجهة التحديات التي تواجه الزراعة وفي مقدّمتها التغيّرات المناخية والطبيعية وتأمين انسياب التيار الكهربائي ومدخلات الإنتاج الزراعي في موعدها. ويُشار إلى أنّ وزارة الإنتاج والموارد الاقتصادية بالولاية الشمالية دشّنت عمليات تحضير الأراضي للموسم الزراعي حيث وفرت 133 آلية.

وفي منطقة عبري بالولاية الشمالية يقول المزارع خالد فرح سعيد لمراسل «أتَـر»، إنّ عدم استقرار الكهرباء والبرمجة التي وصفها بالمجحفة في حقّ المنطقة، أخطر وأكبر مُهدِّدٍ لفشل الموسم الزراعي الشتوي، في ظلّ غياب التحرّكات الجادّة من قِبَلِ المسؤولين في مراكز السلطة والقرار لحلِّ هذه الإشكالات.

يقول المزارع بمشروع القُولِد بالولاية الشمالية، فوزان بدر محمد صالح، إنه بات لا يهتمّ بأمر التمويل بقدر ما ينصبُّ اهتمامه على ضمان استمرار الكهرباء. ويُخبر مراسل «أتَـر» بأنّ أزمة الكهرباء ظلّت سبباً من أسباب فشل زراعتهم، ويشير إلى لجوئهم لبديل الطاقة الشمسية، بَيد أن رداءة الألواح والبطاريات وغلاء سعرها، يجعلان كثيراً من المزارعين يعزفون عن امتلاكها، وقال: «الطاقة الشمسية حلّ ناجع وبديل مثالي، لكنها تستهلك منّا أموالاً كثيرة لتبديل الألواح أحياناً والبطاريات وغيرها من لوازم التشغيل، ما يجعل منها مُكلفة وليست مجانية»، ودعا هيئات الجودة والمقاييس لإيلاء الأمر عناية كافية، مناشداً السّلطات بإعفاء مستلزمات الطاقة الشمسية من الضرائب بما يخفض سعرها ليصبح في متناول يد المزارع العادي.

وليس بعيداً منه، يرى المزارع بمشروع البُرقيق الزراعي، سامح جميل طه، أنّ أزمة الكهرباء تهزم جهود المزارعين في إنجاح زراعتهم، ويشير إلى أنه قبل الحرب كانت هناك أزمات في الكهرباء لكنها تُحلّ في كثير من الأحيان، بَيد أنه ومع تطوّر مجريات الحرب، ودخول المُسيَّرات في الصراع، واستهداف محطات الكهرباء، فإنهم باتوا يحملون هماً كبيراً، خاصةً أن التمويل من البنوك دون ضامن تأميني، في حال أصيب المحصول بضرر لأي سبب من الأسباب، يعني دخول المُزارع إلى السجن. ويعتبر طه ذلك من الأسباب التي تؤدّي إلى تناقص المساحات المزروعة هذا العام بالقمح والفول المصري، ويدعو إلى توزيع وحدات طاقة شمسية على المزارع والمشاريع بأسعار رمزية تشجيعاً للإنتاج.

النيل الأبيض: وعود ومخاوف

وفي ولاية النيل الأبيض، أكّد الفريق الركن قمر الدين محمد فضل المولى، والي الولاية، أنّ حكومته تستهدف نهضة زراعية متكاملة في جميع المشروعات الزراعية بالولاية وتسعى جاهدة لكهربتها وتوفير الطاقة الشمسية الاحتياطية لها، والعمل على جذب المستثمرين خاصة الوطنيين، وتشجيعهم على الاستثمار في الجانب الزراعي بالولاية. وأعرب والي النيل الأبيض عن سعادته بالبداية المبكّرة للتحضيرات للموسم الزراعي الشتوي بمشروع قلي الزراعي، وأشار إلى أن التحضير للموسم قد جرى على نحو جيّد وطُبّقت الحزم التقنية لتحقيق إنتاجية عالية، وأضاف أنّ الولاية تُواصل جهدها لإنجاح الموسم الزراعي الشتوي وتوفير متطلباته.

ويقول المزارع موسى إبراهيم خلف الله بمشروع الفَشَشُوية الزراعي بولاية النيل الأبيض، إنهم في الموسم الشتوي السابق واجهوا صعوبات عدة، من أبرزها نقص التمويل، وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج مثل الأسمدة والتقاوي، إضافة إلى غياب الدعم من المنظمات العاملة في مجال الأمن الغذائي، خاصة لصغار المزارعين، إلى جانب العطش الذي أصاب بعض المحاصيل خلال مراحل النمو، وأنّ ولايته زرعت «33» ألف فدان رغم ذلك، والآن تعلن الحكومة عن 120 ألف فدان. ويؤكّد أن ذلك تحدٍّ يتعين على الحكومة أن تكون على قدره، وأن تُذلِّل هذه العقبات وتضاعف الجهود. وقال: «نتمنى أن لا نعاني مما عانيناه في الموسم الماضي». 

في العادة، تكون الأرقام المُعلن عنها خطة تأشيرية، تعمل إدارات المشاريع على تمويل قدر كبير منها عن طريق وزارة المالية أو إنشاء محافظ للبنوك العاملة في مجال التمويل الزراعي بالولاية أو الإقليم المعني، وجزء آخر من هذه المساحات يجري تمويله بواسطة المُزارعين أنفسهم، خاصةً كبار المزارعين ممن يمتلكون مساحات تفوق 100 فدان في الجزيرة مثلاً، وأحياناً يُموّلون مزارعين آخرين إلى حين الحصاد، غير أنّ سياسة التمويل المتأرجحة أدّت إلى خروج مساحات كبيرة من التمويل، وبالتالي عدم زراعتها، فضلاً عن مشكلات الري في عدد من أقسام وتفاتيش المشاريع الزراعية الكبرى، خاصةً في الجزيرة وحلفا الجديدة والرهد ومشاريع النيل الأبيض ونهر النيل والشمالية، والأخيرتان يُعاني المزارعون فيهما من تذبْذُبٍ أو انقطاع التيار الكهربائي.

لقد بات الآن، كثيرٌ من المزارعين لا يَثقون في الوعود التي تُبذل في الهواء، والتي تضمن في مظهرها حلّ معضلات أساسية على رأسها التمويل والري والكهرباء والمدخلات الزراعية، بَيد أن الصورة تختلف على أرض الواقع كثيراً عما هي عليه في الإعلام بحسب مزارعين تحدّثوا لمراسل «أتَـر» من مشاريع الجزيرة، والرّهد، وسنار، والشمالية، وحلفا الجديدة، والنيل الأبيض.

Scroll to Top