أتر

نوتة من علم الكونكا 28

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية الفنانة مروة الدولية

انقلبت «وضعيّة» أوغست كونت، التي بشّر بها نهايةً للتاريخ وآخرَ عُهدة الإنسان، من الوثنيّة إلى الدِّين إلى العلم «مُعتَدلْ مارش»، في ورطة ديالكتيكية طريفة «مكانك سرّ»: بعّاتي فلسفي من غرامٍ عارمٍ صارت به محبوبته كلوتيلده دي ڤو «الملاك في شكل إنسان» وثناً حيّاً. وتصديق دِين كونت الجديد القديم، أن كلمة fetish التي اختارها البحّارة البُرتغال لوصف ما غَمُض عليهم من طلاسم أهل الساحل الأفريقي الغربي ونذورهم في أول القرن السابع عشر، قد اتّخذت منذ ذلك العهد معانيَ تقتربُ مما لم يَقْصِدْه كونت إرادةً منه، لكنْ وقع فيه «قُمريّة في شرَك».

يُورد معجم الموسوعة البريطانية (البريتانيكا) لكلمة fetish ثلاثة استخدامات: الأوّل جمادٌ معبودٌ يَعتَقِدُ فيه المُعتقِدُ قوةً خارقةً إلهيةَ الطابع. وهذا هو المعنى الذي قصد البحّارة البرتغال. والثاني التعلّق الجنسي بجماد ما، أو طرَف من الجسد البشري غير جنسيّ الطبيعة في العادة، وهذا هو المعنى الذي جَنَّدَ له الدكتور سيغموند فرويد الكلمة في كتابه «ثلاث مقالات في نظرية الجنسية» (دار نشر مجلة الأمراض العصبية والعقلية، نيويورك، 1910): «بديل الموضوع الجنسي في العموم جزءٌ من الجسم غير ملائم البتّة للأغراض الجنسية، كمثل القَدَم أو الشَّعر، أو جماد متصل بالشخص المرغوب جنسياً (قطعة من رداء أو ملابس داخلية بيضاء). والمقارنة منصفة بين هذه البدائل الجنسية والوثن الذي يراه المتوحّش تجسيداً للإله». أجاز فرويد، جزاه الله خيراً، مثل هذه الوثنية ضمن ما هو غزلٌ سويٌّ في الحالة التي يكون فيها الهدف الجنسي بعيدَ المنال أو مُؤجّلَ التحقيق، وقال: «ما فوكَّها شِي»، وضرَب لذلك مثلاً على لسان فاوست بطل غوته: «آتِني بمنديلٍ لامس صدرها أو برباطٍ مسَّ ساق حبيبتي» (ص 18). ولولا هذه الإجازة لضاقَ واسعٌ وانهدَم أدبٌ من لدنّ الشعراء العذريّين، مثل قيس بن ذريح: 

وَما وَجِدَتْ وَجدي بِها أُمُّ واجِدٍ

وَلا وَجِدَ النَهدِيُّ وَجدي عَلى هِندِ

وَلا وَجِدَ العُذرِيُّ عُروَةُ إِذْ قَضى

كَوَجْدِي وَلا مَن كانَ قَبْلي وَلا بَعْدي

عَلى أَنَّ مَن قَد ماتَ صادَفَ راحَةً

وَما لِفُؤادي مِن رَواحٍ وَلا رُشدِ

يَكادُ فَضيضُ الماءِ يَخدِشُ جِلدَها

إِذا اِغتَسَلَت بِالماءِ مِن رِقَّةِ الجِلدِ

وَإِنّي لَمُشتاقٌ إِلى ريحِ جَيبِها

كَما اِشتاقَ إِدريسٌ إِلى جَنَّةِ الخُلدِ

وكثير عزّة: 

خَليلَيَّ هَذا رَبْعُ عَزَّةَ فَاعْقِلَا

قلوصَيكُما ثُمَّ ابْكِيَا حَيثُ حَلَّتِ

وَمُسّا تُرابًا كَانَ قَد مَسَّ جِلدَها

وَبِيتا وَظِلَّا حَيثُ باتَت وَظَلَّتِ

وَلا تَيأَسا أَن يَمحُوَ اللهُ عَنكُما

ذُنوباً إِذا صَلَّيتُما حَيثُ صَلَّتِ

حتى صاوي عبد الكافي: 

رَسِّلْ لَيْ رَسّلْ أنا رَسِّلْ لَيْ

رَسّلْ لَيْ

هديَّة لطيفة

خلّى قلبي يِحِنْ ويْمِيلْ

أبيضْ مشغولْ بي قطيفة

حريرْ أبيضْ

مشغولْ بي قطيفة

خلَّتْ قلبي وسَهْمي نحيلْ

إنْتَ جميلْ والجَابَكْ لَيْ

ملاكْ وجميلْ

يا منديلْ.. يا منديلْ.

والاستخدام الثالث لكلمة fetish، الحاجة الشديدة إلى شيء ما، أو فِعلٍ ما، أو التعلّقُ الشديد بشيءٍ ما أو فعلٍ ما، لدافعٍ باطنيٍّ لا مُبرِّرَ ظاهراً له. وهو المعنى الذي شاعَ استخدامُه في غير المجال الجنسي، كتعلُّق بعضنا بأجساد الكُتُبِ لا مُحتواها. 

لكنْ، لم يَقبل إمام الأنثربولوجيا العظيم الدكتور طلال أسد (مواليد 1932) من العقائد الثقافية الغربية هذا التّسفِيهُ المُستمرّ لغيرها، كوحشيّة وخلاص؛ وأخضع الفقه الديني الغربي وانقلاب هذا الفقه الوضعي لاستشراق مُضادٍّ إذا جاز التعبير. ومن ذلك تحريره لعلاقات القوّة الماثلة في مفهوم «الوثن» في التقليد المُستمرّ من أوغست كونت، نبيّ الوضعية أو نبيّ كلوتيلده كيفما اتفق، حتى الدكتور فرويد ومن ورثهما. تهيّأ الدكتور طلال أسد لهذه المهمة بمنابت هجين وعلم واسع، والدته منيرة حسين الشمري، الحجازية المُسلمة، ووالده ليوبولد ڤايس  (1900-1992)، الرحّالة والصحافي والدبلوماسي والمؤلّف السياسي، ومُترجم القرآن الكريم إلى الإنجليزية، المولود في ليمبرغ (لڤيڤ في أوكرانيا المعاصرة)، في أسرة فقهٍ وعلم يهودي، حاخامٌ يُورِّث حاخاماً، نمساويّ النشأة والمواطنة. تحول ڤايس إلى الإسلام في 1926، واتخذ اسم محمد أسد (تعريب الاسم العَلَم ليوبولد)، بعد إقامةٍ في فلسطين استجابةً لدعوة خاله دوريان فايغنباوم، المُحلّل النفسي وأحد تلامذة فرويد، والذي كان سَلَّك ڤايس في التحليل النفسي الفرويدي في فيينا النمساوية، قبل أن يتولّى إدارة مصحة عقلية في القدس. انتقل محمد أسد إلى الحجاز يسعى العلم بالإسلام واجتماعه، فأقام ستّ سنوات كان فيها، كاتباً راتباً للجريدة السويسرية «جريدة زيورخ الجديدة»، صادف خلالها الأمير فيصل في مكتبة المسجد الحرام، وصار من أصفياء الملك سعود ومبعوثيه، حتى ألصقَ به مُخبرٌ عراقي لدى السلطات البريطانية، ومُنافسٌ مُقرّبٌ إلى الملك سعود، تهمة البلشفية. وللقارئة التي تروم الاستفاضة أن تنظر في سيرة محمد أسد الذاتية «الطريق إلى مكّة» (دار نشر سيمون وشستر، نيويورك، 1954). 

وضعت منيرة الشمري طفلَها طلال في المدينة أم سور، لكن سرعان ما غادرت الأسرة الحجاز وطلال ابن ثمانية أشهر إلى الهند البريطانية؛ وفيها التقى الوالد محمد أسد بالشاعر الكبير محمد إقبال الذي جَنَّدَ محمد أسد لخدمة الإسلام ودولته الجديدة باكستان، فكان ضمن شغله ترجمة صحيح البخاري إلى الإنجليزية. نشأ طلال في باكستان وتعلَّم في مدرسة داخلية لمُبشّرين مسيحيين في لاهور، ومنها انتقل إلى بريطانيا في عمر الثامنة عشرة للدراسة الجامعية، فبدأ بالهندسة المعمارية قبل أن يَكتشف الأنثروبولوجيا. تخرّج طلال أسد في جامعة إدنبره (1959). ونال الإجازة الصغرى والكبرى من جامعة أكسفورد (1968) بدراسة التكوين السياسي لعرب الكبابيش في بادية كردفان، الشغل الذي صدر كتاباً بعنوان «عرب الكبابيش: القوّة، السُّلطة والرِّضا وسط قبيلة بدوية» (دار نشر هرست، لندن، 1970)، حيث تتلمذ عند شيخ الأنثروبولوجيا الاجتماعية والمُجنّد في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية إيڤانز برتشارد (1902-1973)، من قام عِلمُه بدراسة الأزاندي والنوير، وكان من مهامه تجنيد مليشيا من قوم الأنواك لمُقارعة الإيطاليين عبر الحدود في إثيوبيا، فمن أيّ رحم خرجت هذه؟ يا ربي! بدأ طلال أسد سيرته في التدريس في جامعة الخرطوم، وانتقل منها أول السبعينيات إلى جامعة هِلْ البريطانية، ثمّ عبر المحيط في 1989 إلى الولايات المتحدة، حيث استقرّ أستاذاً في مدرسة الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك حتى تقاعده. 

ورث الدكتور طلال أسد من هذه الهجنة الاجتماعية والثقافية والروحية «حساسيةً» أكاديميةً لانزياح المنظور، وهو مفهوم من علم البصريات، يُفِيد التحوّلَ الظاهر في موقع الموضوع بحسب موقع الناظر. والدكتور طلال أسد أستاذ الانزياح إذا جاز التعبير، ويَكشف شُغله الباسل عن الانزلاق الجوّاني بين مواقع تبدو من أول نظرة جواهرَ مُتمايزةً ومستقرّة، لكن آه وين يا! تُضيء كشوفُ الدكتور أسد ذلك «البَكَان» الذي يبقى مُظلماً بين متضادّين، الفجوة التي يَستحيل ردمُها بين قطبين مُتناقضين بعبارة ماو تسي تونغ؛ فالواحد لا يستقرّ أبداً، وإنما ينشقُّ على الدوام اثنين خلا أحد صمد. ولذا لا يقوم الواقع كلاً مُوحّداً، يُمكن إدراكه كما تُدرِكُ الناظرةُ صورةَ الكرة، وإنما الشقّ فيه على الدوام، وتنكسر صورته في إدراك الرائية، كلٌّ بحسب موقعه. وهذا الفتق الوجودي «حقيقة» تكوينية عند الدكتور سلاڤوي جيجيك، فِجَّة قائمة في أكثر من مستوى، فهي في الفلسفة فِجاج الوجود وشُعَبه بحسب مواقع الناظرين، وفي العلم التجريبي الفجوة بين التجربة الذاتية والملاحظة الموضوعية، وفي الاجتماع التناقضات الاجتماعية السياسية التي تَحُول دون التوصُّل إلى أرضية مشتركة، القومة ليك يا وطني. 

لذلك ربما تنازَل المرحوم كارل ماركس عن مشروعه الأصل، استنباط الشرخ بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية للسلعة من مفهوم السلعة نفسه بوسيلة هيغلية، وتجد القارئة آركيولوجي هذا المشروع في مسوّدات «رأس المال» من الفترة 1857-1858 التي نشرها اللاحقون تحت عنوان «أسس نقد الاقتصاد السياسي» (كارل ماركس وفردريك إنجلز، الأعمال الكاملة، م 42، دار نشر كارل ديتز، برلين، 1983)، واشتُهرت باسم «الغروندريسه»، اللفظة الألمانية لـ«أسس». هجر المرحوم ماركس هذا المسعى بعد جهد طويل، وابتدر «رأس المال» بدلاً عن ذلك بالإعلان الجهير: أدُقْ سَدْري وأقيفْ وسط البلدْ واهتفْ.. أول هاك «السلعة مزدوجة الطابع»، لها قيمة استعمالية وقيمة تبادلية، بينهما برزخ لا يبغيان:

«إنّ السلع، بوصفها قيماً استعمالية، هي ذات نوعية مختلفة، وبوصفها قيماً تبادلية، فهي ليست غير كميات مُختلفة، وبالتالي لا تضمُّ ذرّةً من القيمة الاستعمالية. ولو صرفنا النظر عن القيمة الاستعمالية للسلع، لما تبقَّى في أجساد السلع غير خاصيّة واحدة مُشتركة، ألا وهي كونها منتوجات عمل. (…) لقد رأينا أنّ القيمة التبادلية للسلع تظهر للعيان، في علاقة التبادل، كشيء مستقلّ تماماً عن قيمها الاستعمالية. ولكن إن جرّدنا المنتوجات فعلاً من قيمتها الاستعمالية، فلن يتبقّى منها سوى القيمة [التبادلية] التي حدّدناها آنفاً. لذا فإنّ الجوهر المُشترك الذي يَظهر للعيان في القيمة التبادلية للسلع، حينما يجري تبادلها، إنما هو قيمة هذه السلع. وستبين بحوثنا، لاحقاً، أن القيمة التبادلية هي الأسلوب الضروري للتعبير عن قيمة السلعة، والشكل الضروري لتجلّي هذه القيمة؛ وعلى أي حال، يتوجّب علينا، في الوقت الحاضر تأمل طبيعة القيمة بمعزل عن الشكل». (كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 66-67). 

ومن هذا الفتق الجوّاني في السلعة والعمل الذي يُداخلها تُزغلل العيون ببريق «الوثن»، أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ فماذا كان ردّ الدكتور طلال أسد؟

يُتبع…

Scroll to Top