في أكتوبر من العام 2024 أعلن المجلس الاستشاري لقوات الدعم السريع، التي تُسيطر على أجزاء واسعة من إقليم دارفور، عن قرار بمنع خروج سلع من مناطق سيطرتها بإقليمي دارفور وكردفان، من ضمنها التمباك، الذي كانت تجارته تُشكّل عِماد الاقتصاد في بعض المناطق بإقليم دارفور خاصة أجزاءه الشمالية والوسطى. وانعكس القرار بنحوٍ سلبيٍّ على المُزارعين الذين هَوَتْ أسعارُ محصولهم بشدّة. وتوقّفت حياة تجّار جملة وتجزئة وعمّال ارتبطت حياتهم بهذه السلعة. وتبعاً لذلك فقدَ التجّار أرباحهم بسبب تضاؤل هامش الربح لارتفاع تكلفة جلب السلعة وانعدامها في بعض الأحيان، ما أدّى إلى خروج جزء كبير منهم من السوق.
وفي الجانب المقابل؛ يُعاني المستهلكون في بقية أجزاء السودان الذين ندرت عندهم هذه السلعة، ما أدّى إلى ارتفاع أسعارها.
وفي مفارقة للواقع القديم الذي نُسجت خيوطه عبر دهور وأزمان، من معارف مُتوارثة ونمط حياة مُرتبط بالأرض والمهنة؛ نشأ واقعٌ جديد، بظهور حركة تجارية خفية في السلعة عبر قنوات تهريب يديرها نافذون وقادة أهليون محليون متحالفون مع قوات الدعم السريع.
مع هذه المتغيّرات، انفتحت أسواقٌ خارج السودان مستقويةً بالواقع الجديد الذي نشأ، إذ تحوّلت هذه التجارة من بورصة الفاشر الثابتة تاريخياً منذ ثلاثينيات القرن الماضي، والدبة في الولاية الشمالية حيث يستقبلها سوقٌ قديم وراسخ، وسوق الخرطوم حيث تصبّ رحلة الشحنات، قبل أن تنتقل منها إلى باقي مناطق السودان؛ لتنفذ إلى عواصم ومدن دول جوار السودان مُخترقةً جداراتٍ حدودية هشّة.
ويُعدّ إقليم دارفور مكان الزراعة الأول لنبات التبغ السوداني المعروف محلياً بـ«التمباك» أو«الصعوط» أو«ود عَمَاري» أو«العَمَاري». وللاسم الأخير حضور مخصّص للافتات أكشاك التجزئة المنتشرة في مختلف بقاع السودان. بينما يُعدّ إقليم كردفان المعبر الرئيس، بجانب الولاية الشمالية، في وصوله إلى مناطق الاستهلاك في شمال وشرق ووسط وجنوب السودان، ومنها إلى خارجه. ويشهد الإقليمان، نزاعاً بين طرفي حرب الخامس عشر من أبريل، إذ يتبادلان السيطرة على مواقع أساسية في شبكة طرق مرور التمباك نحو مناطق الاستهلاك. وبعد سقوط الفاشر في يد الدعم السريع، باتت جميع مسارات تجارة التمباك، تمضي بعيداً من السودان؛ وتحوَّل إلى أداة من أدوات السيطرة الاقتصادية.
![]()
باعتباره محصولاً استراتيجياً، أنشئت بورصة لشراء وبيع محصول التمباك، في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في ثلاثينيات القرن الماضي، وفق القانون المتعارف عليه في الفاشر، إذ لا يحقّ لأي مزارع بيع محصوله من التمباك خارج تلك البورصة. وقبل الحرب كانت البورصة تستقبل ما بين أربعة إلى خمسة ملايين قنطار من التمباك خلال الموسم الواحد، وفق ما أفاد متعامل بالسلعة مراسلَ «أتَـر».
وتعدُ ولاية شمال دارفور الموطن الرئيس لزراعة التمباك وإنتاجه، وتحديداً في مناطق «طويلة» و«شنقِلي طوباي» و«تابت» بولاية شمال دارفور، وأقلّ منها في مناطق مورني بغرب دارفور، وفي الجزء الشمالي من ولاية جنوب دارفور. وعادة ما يُزرع التمباك في نهايات فصل الخريف ويستغرق ما بين 4 و5 أشهر حتى يكون جاهزاً للحصاد.
وفي وقت سابق، قال وزير الزراعة بولاية شمال دارفور، آدم النحيلة، في تصريحات صحفية، إنّ مَزارع التمباك تغطي ما يقارب نصف مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في شمال دارفور، إذ تشغل حوالي 2500 فدان من جملة سبعة آلاف فدان صالحة للزراعة. ولا ينمو التمباك إلا في التربة الطينية، التي تتوافر في الوديان، ويُعدّ من المحاصيل التي لا تتأثر بالآفات الزراعية، والوحيد المقاوم للجفاف والتصحّر بولايات دارفور. ويعتمد عليه سكّان المنطقة كلياً في كسب عيشهم، ويعتبرونه المحصول الرئيس للمنطقة.
تجارة كبيرة في مهبّ الريح
كشفت مصادر محلية من منطقة «جُخي»، عن أنّ تجّاراً مرتبطين بالدعم السريع ينشطون في شراء التمباك في المنطقة بواقع 100 ألف جنيه للقنطار من الصنف الأول، و50 ألف جنيه لبقية الأصناف قليلة الجودة، حسب المعايير المتعارف عليها في تجارة التمباك. وقال مواطن من بلدة «ترتور» غربي الفاشر، إنّ المشترين يعطونك القيمة بالعملة التشادية إنْ كنتَ مُسافراً خارج طويلة.
تُشير متابعات مراسل «أتَـر» إلى أنّ قوات الدعم السريع تتشدّد في تنفيذ قرارها بعدم السماح بخروج القوافل التجارية من إقليم دارفور، حتى نهاية نوفمبر من العام الجاري. وقالت مصادر محلية من مناطق بولاية شمال دارفور، إنّ قوات الدعم السريع صادرت شاحنات تحمل كميات كبيرة من التمباك كانت عالقة في بلدة دار السلام، الواقعة جنوبي مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور؛ وإنّ كميات كبيرة أخرى مكدّسة في المناطق المحيطة بالفاشر، وإنّ القوات المسيطرة تمنع ترحيلها من مكانها. وفي منطقة «شقرة» غربي الفاشر قال مُزارع لشبكة «أتَـر»، إنّ قوات الدعم السريع ترفض بصرامة خروج السلعة من المنطقة إلا بإذنها، وبعد دفع رسوم، وأنْ لا تكون وجهة الشحنة شمال ووسط السودان، «وإلا صادرها منك قائد صغير بالدعم السريع»، بحسب ما قال.
وكشفت مصادر محلية من منطقة «جُخي»، بين الفاشر وطويلة، لمراسل «أتَـر» عن أنّ تجّاراً مرتبطين بقوات الدعم السريع ينشطون في شراء التمباك في المنطقة الواقعة بين الفاشر وطويلة بواقع 100 ألف جنيه للقنطار من الصنف الأول، و50 ألف جنيه لبقية الأصناف قليلة الجودة، حسب المعايير المتعارف عليها في تجارة التمباك. وقال مواطن من بلدة «ترتور» غربي الفاشر لمراسل «أتَـر»، إنّ المشترين يعطونك القيمة بالعملة التشادية إنْ كنتَ مُسافراً خارج طويلة. وقال أحد سكّان البلدة لمراسل «أتَـر»، إنّ السلطات صادرت ثلاث شاحنات من السلعة كانت متجّهة نحو مناطق قريبة.
وتَواصل مراسل «أتَـر» مع مالك إحدى تلك الشاحنات المُصادَرة، ويقيم حالياً بمنطقة بشمال السودان، حيث يُسيطر الجيش، وقد اتّهم الدعم السريع بمصادرة شاحنته، رغم أن لديه تصديقاً بنقل كمية من التمباك إلى قرية مجاورة، في الطريق نحو منطقة طويلة. ونفى التاجر أيّ علاقة لمُصادرة شاحنته بقرار الدعم السريع بمنع مرور التمباك إلى بقية أجزاء السودان، إذ عَلِم من قريبه المصطفِّ في الحرب إلى جانب الدعم السريع، أن شاحنته صارت تُستغلّ بعد مصادرتها في نقل الأسلحة والذخائر والمواد الغذائية بين الفاشر والضعين، ما جعَلَه يَجزم في حديثه لـ«أتَـر»، بأنّها صودرت لذلك الغرض لا غيره، شأنها في ذلك شأن شاحنات أخرى. وزاد: «شاحنتي مُختطَفة وليست مُصادَرة لخطأ في عملها أو تجاوُز للمنع». وقال إنه عَلِم أنّ قائداً محلياً بقوات الدعم السريع قد باع الشحنات المُصادَرة لأحد التجّار، وأنّ التاجر أرسلها ضمن كميات أخرى صُودرت من تجّار آخرين إلى دولة ليبيا عبر المثلث الحدودي ومنطقة المالحة بولاية شمال دارفور.
وفي ولاية شمال دارفور يشتكي بعض المزارعين أنّ منتسبين للدعم السريع قد دمّروا مزارع التمباك ومنعوهم من زراعته.
ويقول سائق شاحنة كان يعمل في نقل التمباك بين دارفور والدبّة، لمراسل «أتَـر»، إنّ القوات كانت تفرض في بداية الأمر رسوماً مرتفعة للمرور بين المنطقة ومناطق سيطرة الجيش، تصل أحياناً إلى 500 ألف جنيه للشاحنة الواحدة، وهو ما أكّده سائقو شاحنات آخرون، ينزحون بالدبة الآن. لاحقاً، أصبحت قوات الدعم السريع تُصادر الشاحنات المُحمّلة بالتمباك المُتجهة نحو الولايات الشمالية، ومعاقبة سائقيها، وهو ما أدّى إلى توقف تامّ لعمليات نقل البضائع وضمنها التمباك إلى الولاية الشمالية.
وفي ولاية شمال دارفور يشتكي بعض المزارعين أنّ منتسبين للدعم السريع قد دمّروا مزارع التمباك ومنعوهم من زراعته.
قطع الأوصال
ينوّه جرادة إلى انقطاع سبل التمويل التقليدية، وكان المزارعون يحصلون عليه سابقاً بطرق مثل «الشيل» أو«القَل»، وفي أحيان تمويلات بنكية، لمجابهة نفقات العَمَالة في الفلاحة والحصاد. وقطَع بأنّ سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ستؤثر سلباً على زراعة التمباك وإنتاجه هذا الموسم.
ويقول حماد آدم جرادة، تاجر تمباك من الفاشر ونازح حالياً بمدينة دنقلا بالولاية الشمالية، لمراسل «أتَـر»، إن إصدار قوات الدعم السريع قرارات بمنع تصدير التمباك وسلع أخرى، أثر بنحو سلبيّ على تجارتهم، ونوّه إلى أن الشاحنات قد توقفت الآن تماماً عن المرور من دارفور إلى شمال السودان نتيجة لمصادرة الشحنات وفرض الغرامات على أصحابها. ويشير جرادة إلى جانب آخر، وهو أنّ الزراعة حول الفاشر تأثرت بالحرب والوضع الأمني الذي صاحبته ندرة في العُمّال، إضافة إلى عدم توفر النقد اللازم لمقابلة مصروفاتهم إنْ وُجدوا، وأنّ معظم مزارعي التمباك، لم يغرسوا بذورهم هذا الموسم، إذ صادف اشتداد المعارك حول الفاشر نقصٌ في معدّلات هطول الأمطار هذا الموسم في بعض المناطق وزيادتها عن المعدّل في مناطق أخرى، والحالتان لا تلائمان نبتة التمباك.
وينوّه جرادة إلى انقطاع سبل التمويل التقليدية، وكان المزارعون يحصلون عليه سابقاً بطرق مثل «الشيل» أو«القَل»، وفي أحيان تمويلات بنكية، لمجابهة نفقات العَمَالة في الفلاحة والحصاد. وقطَع بأنّ سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر ستؤثر سلباً على زراعة التمباك وإنتاجه هذا الموسم، لأنّ حالة انعدام الأمن التي يخلقها وجود هذه القوات، إضافة إلى الفوضى والنهب، سوف يجعلان المزارعين المتبقين، وقد نزح أغلبهم داخل دارفور أو للشمال، بحسب جرادة، لا يُقْدمون على خطوة زراعة جديدة أو حصاد القديم. وهو ما يختلف معه فيه معاوية سنقو المُقيم بمنطقة «شقرة»، قائلاً لمراسل «أتَـر» إن حدّة العمليات العسكرية ستقلّ بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر التي كانت محورها، ما يخلق نوعاً من الأمان يمكّن المزارعين من رعاية محاصيلهم، خاصة مزارعي التمباك، إن لم يكن في هذا الموسم، الذي فات أوانه، ففي مواسم قادمات.
وكشف مصدر في اتحاد تجّار التمباك، لمراسل «أتَـر» أنهم أجروا دراسة غير منشورة توصّلوا فيها إلى أنّ 13 مليون سوداني يتعاطون التمباك، 85% منهم في شمال وشرق ووسط وجنوب السودان.
وفي يوليو الماضي، نقلت «دارفور 24» عن مصادر محلية، أن قوات الدعم السريع اعتقلت 14 شاباً من أبناء مدينة المَلَمّ شمالي نيالا، أثناء سفرهم إلى مدينة الدبّة بالولاية الشمالية، وذلك في منطقة بروش بمحلية أم كدّادة. وقال إبراهيم الزين، أحد أقرباء المحتجزين، إنّ المعتقلين كانوا في طريقهم من المَلمّ إلى الدبّة على متن سيارات دفع رباعي وقد حمّلوا عليها 120 قنطاراً من التمباك.
ولاحقاً تحصّلت «دارفور 24» على معلومات تفيد بأنّ محكمة ميدانية تابعة لقوات الدعم السريع فرضت غرامات مالية تجاوزت 20 مليون جنيه سوداني على مجموعة التجّار، بعد اتهامهم بمخالفة قرار منع نقل السلع من إقليم دارفور إلى مناطق خاضعة لسيطرة الجيش السوداني.
وتُشير متابعات «أتَـر»، إلى أنّ بعض الشحنات التجارية كانت تسلك طريقاً صحراوياً من شمال ووسط دارفور، يمرّ بأم كدادة ويشقّ بادية الكبابيش، ومنها إلى مدينة الدبة، لكنّ قوات الدعم السريع اكتشفته وأغلقته في أغسطس الماضي، بمساعدة مكوّنات محلية مؤيدة لسلطتها.
الاقتصاد السياسي للتمباك
يقول خبير اقتصادي مقيم حالياً بإحدى مناطق سيطرة الدعم السريع بولاية شرق دارفور، فضّل حجب اسمه لمراسل «أتَـر»، إنّ القوات تستهدف السيطرة على حركة التجارة لخدمة مصالحها الاقتصادية، وذلك باحتكار بيع السلع ومن ثمّ تصديرها عبر شبكات تهريب تسلك طرقاً بديلة. ويرى في منع الدعم السريع مرور السلع إلى شمال السودان مؤشّراً إلى أنّ النموذج الاقتصادي لقوات الدعم السريع يعتمد على التحكّم في الموارد الرئيسة مثل الذهب والماشية والتجارة عبر الحدود، وأنها قد أسّست نظاماً بديلاً للتجارة العابرة يخدم مصالحها، لافتاً إلى وجود تجّار جُدد مؤيّدين لقوات الدعم السريع أو مرتبطين بها يتولّون إدارة هذا النظام التجاري الجديد في المناطق التي تسيطر عليها. وكشف عن أنّ المسارات التجارية البديلة التي تعتمد عليها قوات الدعم السريع، خاصة لتصدير السلع التي تحظر مرورها إلى وسط وشمال السودان، ترتبط على نحو وثيق بالسيطرة على منافذ الحدود البرية في الغرب والجنوب الغربي. وقال: «يُعدّ هذا التحويل في مسار التجارة جوهر استراتيجية الحرب الاقتصادية التي تتّبعها الدعم السريع».
وتعتمد الدعم السريع بنحوٍ أساسي على التهريب عبر دول الجوار التي تشترك في حدود طويلة مع مناطق سيطرتها، بخاصة إقليمَي دارفور وكردفان، كما قال الخبير الاقتصادي، مضيفاً أنّ التجارة الموجودة بمناطق سيطرة الدعم السريع تعتمد دولة الإمارات وجهةً نهائية، عبر دول وسيطة مثل تشاد وليبيا، وهي مصدر التمويل الأول. وقال إنّ الدعم السريع قد فعّلت المعابر الحدودية في جنوب كردفان وشرق دارفور، مثل معبر الرقيبات، إذ يجري التخطيط لفتح الترتيبات التجارية لتبادل الماشية وربما بعض الحبوب مع دولة جنوب السودان، وبالطبع تبغ التمباك. وأكّد أنّ شبكات تهريب تنشط في مناطق واسعة من ولاية شمال دارفور، تسلك طرقاً قديمة وأخرى مُستحدثة، وتُوجَّه السلع عبر تجّار مُوَالين وقنوات تهريب منظَّمة تعبر الحدود البرية. وقال إنّ التمباك أصبح حلقة مهمة في السلسلة اللوجستية والمالية، التي تضمّ تصدير الذهب والماشية والمعادن للتحايل على العقوبات الدولية.
ونوّه إلى أنّ الدعم السريع تقترب من مرحلة السيطرة الكاملة على عائدات التصدير وتوجيهها لتمويل منصرفات الحرب عبر مسارات بديلة، واصفاً قرارات الدعم السريع بأنها خطوات نحو تأسيس إمبراطورية مالية واقتصادية، بصرف النظر عن نتائج الحرب مستقبلاً.
![]()
![]()
![]()
يُعدّ التمباك، من وجوه عديدة، محصولاً مقاوماً للنزاع، لأنه لا يتطلب أي رعاية فلاحية يومية، إنما تجري رعايته على فترات زمنية متقطّعة متى كان ذلك ممكناً، لذا فإنه من الممكن أن يحدِّد المزارع الوقت الذي يذهب فيه إلى مزرعة التمباك خلال الفترات التي يتوفر فيها مستوى أكبر من الأمن، ويعود إلى المعسكر أثناء الفترات التي ينعدم فيها الأمن. ولأنّ الماشية لا تستسيغه، فإنّها لا ترعى في حقول التمباك التي لا تكون محروسة، ومع ذلك فإن التمباك محصول يحتاج إلى مجهود مكثَّف من العمالة لإنتاجه. لقد اعتمد إنتاج التمباك قبل نشوب النزاع «حرب 2003» اعتماداً كبيراً على السلفيات من التجار للمزارعين عبر نظام الشّيل، وتُوفر هذه الطريقة السيولة النقدية التي يحتاج إليها المزارعون حتى يتمكّنوا من استخدام العمالة، إلا أنّ نظام الشّيل قد انهار خلال سنوات النزاع، ونتيجة لذلك، فإنّ أغلب الأسر التي ما زالت تنتج التمباك تفعل ذلك بدرجة أقلّ مما كانت عليه خلال الفترة التي سبقت النزاع.
وقال خبير زراعي مُقيم بمدينة نيالا بولاية جنوب دارفور لمراسل «أتَـر»، إنّ التمباك نبات يفضّل التربة الطينية، خاصة تلك الموجودة في الوديان، وتعتمد زراعته على خبرات محلية ومعرفة متراكمة لدى المزارعين، فُقد جزء كبير منها بعامل الحروب في ولاية شمال دارفور. وقال إن زراعة التمباك تقتضي توفير الظلّ والرطوبة المناسبة للنبات، خاصة في المراحل الأولى من النموّ. وأشار إلى أنه يجري تجفيف أوراق التمباك بعد الحصاد في أماكن جيدة التهوية، مؤكّداً أن التمباك يسهم في اقتصاد ولاية شمال دارفور، إذ يُعَدُّ من أهم مصادر الدخل ويساهم في في إعانة الأسر وتوفير سبل العمل.
مسارٌ عكسيّ
لو اكتشفوا أنك تهرّب إلى شمال السودان، فإنّ مصيرك هو الإعدام، إما إذا كنت ستذهب بها إلى مصر فإنك ستضطر لدفع مبالغ مالية نظير مرور شاحنتك.
ويقول صابر جمعة إبراهيم، تاجر تمباك بسوق مدني بولاية الجزيرة، إنه كان يَعمل قبل الحرب في تصدير التمباك إلى جمهورية مصر العربية وإلى دولة جنوب السودان، وقال إنّ لديهم مخازن ضخمة في الأخيرة، ويشير إلى أنهم باتوا الآن مضطرّين لاسترداد جزء من التمباك الذي صدّروه إلى جمهورية مصر العربية قبل الحرب وقبل قرار الدعم السريع، ولاسترداد جزء من الاحتياطي بدولة جنوب السودان عبر التهريب.
وحول سؤال لتاجر بالسلعة في جمهورية مصر، عن انخفاض الأسعار في مصر وارتفاعها في السودان، قال لمراسل «أتَـر»، إنّ السبب الأساسي هو الوفرة التي خلقها التهريب، عبر الطرق الصحراوية المتاحة لمصر في الوقت الحالي، خاصةً مع سيطرة قوات الدعم السريع على المثلث الحدودي.
ومن شمال دارفور يكشف أحد التجار أيضاً عن أن قوات الدعم السريع لا تتشدّد في البضائع المتجهة عبر الطرق الصحراوية نحو جمهورية مصر، بقدر تشدُّدها في البضائع التي تسلك طريقها نحو الدبة بالولاية الشمالية أو الأبيض بولاية شمال كردفان مثلاً.
وقال تاجر من منطقة غرب الفاشر لمراسل «أتَـر»: «لو اكتشفوا أنك تهرّب إلى شمال السودان، فإنّ مصيرك هو الإعدام، إما إذا كنت ستذهب بها إلى مصر فإنك ستضطر لدفع مبالغ مالية نظير مرور شاحنتك».
ويقول تاجر مقيم بجمهورية مصر، تحدث لمراسل «أتَـر»، طالباً حجب اسمه، إنهم بدلاً من استقبال السلعة من السودان كما كان يحدث قبل الحرب، باتوا الآن هم الذين يصدّرونها إلى السودان، وكشف عن أن تجاراً كثيرين اضطروا إلى استجلاب التمباك الذي صدّروه لجمهورية مصر في أوقات سابقة قبل نشوب حرب 15 أبريل.
ووثّق شاهد عيان من منطقة غربي الفاشر، لمراسل «أتَـر»، عبور ما بين 2 و3 شاحنات مُحملة بالتمباك، تتجه نحو المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، متجهة نحو جمهورية مصر؛ وأخرى نحو المالحة في طريقها إلى دولتي ليبيا، وتشاد. بينما لم يرصد أي شُحنة متوجّهة نحو شمال السودان.
وفي جمهورية مصر، التي تحوَّلت إلى محطة من محطات تصدير السلعة، يقول تاجر فضّل عدم الكشف عن اسمه، إنهم يصدّرون السلعة إلى دول الخليج وأمريكا، فضلاً عن تغطية الاستهلاك المحلي للسودانيين المقيمين بمصر، وقال بحزن: «ونُصدّر للسودان بلدنا».
وفي ليبيا كشف تجّار لمراسل «أتَـر»، أنهم يصدّرون التمباك إلى أوروبا، عبر إيطاليا. ويقول خالد الفالح من سكّان مدينة الفاشر، وقد هاجر إلى ليبيا في يناير من العام 2024، إنه يعمل الآن في مجال تجارة التمباك، وتصله البضاعة من أقربائه المقيمين في المالحة، وأفاد بأنهم يدفعون لقوات الدعم السريع المنتشرة في الطرق، ما قيمته 30 دولاراً مقابل السماح بمرور القنطار الواحد.
متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، يفيد محمدين آدم بدين، تاجر تمباك بولاية كسلا، بأنّ شحّ الوارد من دارفور هو أساس الندرة في توفر السلعة بمناطق شرق السودان. واضطرّ بدين إلى تقليص العمالة التي كان يستعين بها في تجارته بمتجره الصغير وسط سوق كسلا، حيث كان يعمل معه ستة عمّال، بنظام الوردية، تقلّصوا إلى النصف، بعد أن أبقى على ثلاثة منهم فقط.
وفي ولاية القضارف شرقيّ السودان، يُباع القنطار الواحد من التمباك الآن بسعر 6,750,000 جنيه سوداني، بعد أن كان بسعر 2,400,000 جنيه في العام الماضي، ويبلغ سعر الرطل الواحد 28 ألف جنيه. بينما يُباع الرطل من الصنف الأول في مصر بمبلغ 450 جنيه مصري، أي نحو 5,770,22 جنيه سوداني، وفقاً لتاجر تمباك مُقيم في مصر. ويُباع القنطار الواحد بستة ملايين جنيه، بولاية الجزيرة، بعد أن كان يُباع بنحو مليونَي جنيه في هذه الفترة من العام الماضي.
وفي ولاية وسط دارفور، مدينة زالنجي، يُباع كيس التمباك الواحد، زنة 100 جرام، بـ 500 جنيه، ويُباع نفس المقدار في شمال ووسط السودان بسعر يتراوح بين 1000 و1500 جنيه سوداني، وفقاً لفخر الدين أبكر آدم الذي غيّرنا اسمه لدواعٍ أمنية، ويمتلك متجرين من التمباك، أحدهما بزالنجي يديره هو، والآخر بالدبة يديره شقيقٌ له. وقال لمراسل «أتَـر» إنّ أقل من 10% من إنتاج التمباك يذهب إلى مناطق الشمال والوسط عن طريق التهريب، بمغامرات تؤدّي أحياناً إلى قتل المُغامر، وفي أحسن الأحوال مُصادرة السلعة وسجنه وتغريمه. وقال إنه تمكّن من توصيل شحنات قليلة من زالنجي إلى الدبة، وخسر فيهما مبالغ طائلة، وأخبر أنه دفع مبلغ 200 ألف جنيه، عن كلّ قنطار من خمسة قناطير، لقوة بالدعم السريع في الطريق بين المثلث الحدودي والدبة، تحديداً في محطة صحراوية تُسمّى «القهوة الأولى»، و300 ألف جنيه عن كلّ قنطار في المحطة الثانية وتُسمّى «قهوة النُّص»، وأفاد بأن بعض الموجودين في الصحراء، يهتمُّون بما تدفعه من المال ولا يأبهون كثيراً بتطبيق قرار، أياً كان شكله. وقال إنه لا ينوي تكرار العملية مرة أخرى.
وفي جانب آخر، يكشف فخر الدين عن استمرار تدفّق التمباك لجمهورية مصر العربية عن طريق دولة تشاد، وعبر الطرق الصحراوية التي يعمل بها خبراء في التهريب وعلى دراية كافية بتضاريس وجغرافيا تلك المناطق.
ويُفيد آدم مراسل «أتَـر» بأنّ التمباك الذي يُباع في ولاية وسط دارفور يأتي من مناطق شقرة وطويلة وأم شالايا، ودليج، وأشار إلى أنّ الناس هناك يزرعونه الآن بكمّيات أقلّ من السابق، لضعف الأمطار في الموسم الماضي ولدواعٍ أمنية. وقال إنّ القنطار من الصنف الأول من التمباك يُباع بسعر يتراوح بين 350 ألف جنيه و400 ألف جنيه، وأشار إلى أنّ الولاية تشهد حركة واسعة في تجارة التمباك، بالشاحنات وبالسيارات الصغيرة والدوابّ.
مَزارع بلا مزارعين!
ويقول أحد مزارعي التمباك الذين نزحوا من الفاشر إلى طويلة، مُفضّلاً حجب اسمه، لمراسل «أتَـر»، إنه بفعل الحرب والحصار المفروض على الفاشر، فقد غادر جميع مزارعي التمباك المناطق الواقعة بين الفاشر وطويلة، وهي سلسلة قرى وبلدات مشهورة بإنتاج التمباك، مثل «شقرة، قلول، قولو، شالا، شرق جبل مرة، بحير، أم هجاليج، جُخي، مقرن، جرونقا، تركانية، دونقري، ترتورة، أم عشوش، حلة خميس، سرفاية، ووادي النحل»، وكشف عن أنّ قوات الدعم السريع قد استولت على مَزارعهم، وأنها حصدت ما فيها من تمباك لمصلحتها، وقدّر إنتاجها في السابق بأنه كان يُشكّل 70% من حجم إنتاج التمباك بالولاية، وأفاد بأنّ كل المُنتج يُجمع في منطقة «طورما» غرب الفاشر، والتي يقع بها معسكر «سلك» التابع للدعم السريع، ومنها يُصدّر التمباك إلى الخارج أو يُباع للتجّار في الداخل.
ينهب الشفشافة التمباك من المزارع وبيوت المواطنين ويبيعونه بأثمان بخسة لتجّار معلومين ومرتبطين بالدعم السريع، وميزة أنك تاجر تابع للدعم السريع لها تبعات مثل توريدك مبالغ طائلة في خزينة هذه القوات.
وفي منطقة كورما، غربي الفاشر، يقول أحد المزارعين لمراسل «أتَـر»، إنه بعد استيلاء قوات الدعم السريع على منطقة شقرة القريبة، استولى مسلّحون يتبعون لها على كميات من مخزون المواطنين من التمباك، قدَّر كميته بـ 500 قنطار كانت مُعدّة للبيع، وأنّ ناهبيها توجّهوا بها نحو منطقة المالحة.
وأضاف: «ينهب الشفشافة التمباك من المزارع وبيوت المواطنين ويبيعونه بأثمان بخسة لتجّار معلومين ومرتبطين بالدعم السريع، وميزة أنك تاجر تابع للدعم السريع لها تبعات مثل توريدك مبالغ طائلة في خزينة هذه القوات».
وقال باحث محلي مقيم الآن بإحدى المناطق بولاية شمال دارفور، إنه أجرى بحثاً على 50 مزارعاً بمنطقة كورما هَجَر 40 منهم زراعة التمباك منذ عامين لعدم جدواها التجارية بعد الظروف الأخيرة، ومنها انعدام الأمن وتذبذب الأمطار، ونهب المحاصيل، وأن 10 منهم فقط زرعوا العام الماضي، ولم يتمكّنوا من حصاد محصولهم، بسبب عبث الحيوانات المملوكة لقادة محليين في الدعم السريع بمحصولهم قبيل الحصاد بقليل، ليتوجّهوا لاحقاً إلى طويلة، وقال إنهم يعانون الآن البطالة. وترك نحو 3000 تاجر كبير وصغير، كانوا يعملون بالتجارة في السلعة، تجارة التمباك، وتحوّلوا إلى مهن أخرى داخل السودان وآخرون غادروه إلى دول اللجوء. وقال الباحث إنّ الحرب وتعقيداتها تُهدد بضياع زراعة التمباك، وتُحوّل المزارعين إلى فقراء يبحثون عن لقمة الطعام.
ويقطع خبير اقتصادي مقيم بإقليم دارفور حالياً، لمراسل «أتَـر»، بأنّ اتحاد تجّار التمباك والغرفة التجارية، أصبحا غير فاعلين في معادلة إنتاج وتجارة التمباك، ويكشف عن أنّ قرارات الدعم السريع الأخيرة جعلت مركز التجارة والنشاط كُلّه في إقليم دارفور، وتحديداً مناطق مثل طويلة، حيث امتلك المزارعون قرارهم وأصبح التصدير يجري بحرية إلى خارج السودان، بدلاً من توريده إلى الخرطوم التي كانت تخنق اقتصاد دارفور كما يقول، وينوّه إلى أن أسواقاً جديدة قد فُتحت في دول الجوار وبدأ عائدها ينعكس مُباشرةً على المزارعين في دارفور. وقال: «أصبحت اتحادات المزارعين، ومصالحهم المباشرة، هي المُتحكّم في سوق التمباك بدلاً عن اتحادات طفيلية كانت تمتصّ عَرق المزارع وجهده، وتستفيد منه هي في الخرطوم وشمال السودان».
بكلّ جدارٍ سميك ثغرة
مثلاً، إذا كانت لديك 10 قناطير فإنك تُجهز خمسة قناطير، وتجازف بها لاختبار الطريق، لو قُيّض لها الوصول إلى وجهتها نحو الدبة فإنك سوف ترسل الخمسة الأخرى، وبهذا تكون قد اكتشفت طريقاً جديداً.
«مثلما لا يتوقّف المزارعون عن الزراعة، ولا يستطيع المستهلكون السيطرة على «كيفهم»، فإننا لن نتوقف عن تجارتنا، وهي حياتنا»، هكذا قالها عبد الرحمن صغيرون، التاجر الذي كان يعمل في تجارة التمباك بين ملّيط والدبة، مؤكّداً لمراسل «أتَـر» أنهم يَجتهدون في إيصال سلعتهم إلى مكانها وضمان الربح على الرغم من جميع المخاطر العالية. وقال: «صحيح إن تجارتنا الآن لا تمضي على وتيرتها السابقة، إذ فقدنا نحو 85% من حجم تجارتنا القديمة، لكنها تمضي ولن تتوقّف».
وعن طريقة التهريب يكشف صغيرون، أنهم يجرّبون الطرق: «مثلاً، إذا كانت لديك 10 قناطير فإنك تُجهز خمسة قناطير، وتجازف بها لاختبار الطريق، لو قُيّض لها الوصول إلى وجهتها نحو الدبة فإنك سوف ترسل الخمسة الأخرى، وبهذا تكون قد اكتشفت طريقاً جديداً».
ويكشف صغيرون عن أن الوصفة السحرية للإفلات من قبضة الرقابة المفروضة على مرور السلع هي انتهاز فرصة انشغال قوات الدعم السريع بالحشد في الوقت الذي تستعد للهجوم على مدينةٍ ما في كردفان، وهذه هي أفضل أوقات عمل المهربين، إذ تُسحب جميع نقاط الارتكاز ويُجمع أفرادها في أماكن معينة للانقضاض، ويضيف: «يتبقّى بعد ذلك الشفشافة وبعض مسلّحي المكوّنات المحلية الموجودة في الطرقات، والتعامل مع هؤلاء سهل لأنهم يستهدفون جمع المال فقط ولا يأبهون بتطبيق قرار المنع».



