أتر

«السوق قدح كبير»: سوق الدويم خلال الحرب

تشهد الأسواق الشعبية في السودان خلال الحرب تحوّلات عميقة وتحدّيات قاسية في جميع تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. فالحرب التي تَدور رحاها في المدن والقرى لم تُبقِ الاقتصاد بعيداً عن نيرانها، إنما أصابته في صميمه، مُتسبِّبة في انهيار الإنتاج المحلي، وتعطّل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل، ما أدّى إلى زيادة خيالية في الأسعار واختفاء كثيرٍ من السلع الأساسية. أمام هذا الوضع، وجد السودانيون أنفسهم مُجبرين على تعديل سلوكهم الاستهلاكي، والبحث عن بدائل جديدة، والاعتماد على شبكات الدعم الاجتماعي للبقاء على قيد الحياة.

ورغم النشاط الظاهر للأسواق واتساعها بفعل النزوح والحاجة، يبقى المشهد الاقتصادي هشّاً ومتأرجحاً. فخلف حركة البيع والشراء واقع من الخوف، والإرهاق، والمعارك اليومية التي يخوضها الناس لتأمين أبسط احتياجاتهم. وأصبح السوق، الذي كان رمزاً للرزق والطمأنينة، مرآة تعكس آثار الحرب: ارتفاع الأسعار ونقص السلع وفوضى التنظيم، أطفال يعملون بدلاً من الدراسة، وصغار الباعة يقاتلون من أجل البقاء.

سوق ينهض من قلب النزوح

في مدينة الدويم، أدّى النزوح الكبير من الخرطوم ثمّ من ود مدني لاحقاً، إلى ازدحام غير مسبوق في أسواقها. ويقول شيخ السوق، منير الأمين بشير (زهران)، إنّ السوق شهد دخول أعداد كبيرة من التجّار الجدد، ما اضطرّ الإدارة إلى تخصيص ميادين ومواقف جديدة لهم لتمكينهم من كسب لقمة العيش.

يُشير رابح محمد، التاجر بسوق الدويم، إلى أنّ الحرب، رغم معاناة الأغلبية، تسبّبت في ازدهار بعض الولايات التي استقبلت النازحين، قائلاً: «مصائب قوم عند قوم فوائد، فالحركة التجارية ارتفعت في بعض الأسواق، وتوسَّع النشاط إلى حدّ ملحوظ بسبب زيادة عدد السكان، واحتياجات الأسر النازحة، بينما انهار الاقتصاد كلياً في مناطق الصراع». ويؤكّد رابح أنّ اختلاف الأسعار بين التجّار يعود إلى تفاوت الإيجارات وتكاليف النقل والانتقال المستمرّ، لكنه يقرّ بأن النازحين أسهموا بشدّة في إعمار الأسواق وتنشيط حركة التجارة رغم الظروف الصعبة.

في مدينة الدويم، أدّى النزوح الكبير من الخرطوم ثمّ من ود مدني لاحقاً، إلى ازدحام غير مسبوق في أسواقها. ويقول شيخ السوق، منير الأمين بشير (زهران)، إنّ السوق شهد دخول أعداد كبيرة من التجّار الجدد، ما اضطرّ الإدارة إلى تخصيص ميادين ومواقف جديدة لهم لتمكينهم من كسب لقمة العيش. ومع بداية استقرار الأوضاع نسبياً، شرعت إدارة السوق في تنظيم شامل للأنشطة التجارية، شمل مواقف المركبات ودلالة السيارات وتخصيص مواقع خاصة لبيع الفواكه. كما أعاد معتمد محلية الدويم، بروفيسور صلاح محمد إبراهيم، تشكيل لجنة النظام العام، وعيّن لجنة من عشرة أشخاص لمتابعة عملية التنظيم.

ورغم ذلك، يُحذّر شيخ السوق من تحديات خطيرة تُهدّد حركة السوق، أبرزها ارتفاع الأسعار وجشع بعض التجّار، إلى جانب مشكلة التوسّع غير القانوني للأكشاك على الطرق، وهو ما تسبّب سابقاً في إعاقة وصول سيارات الإطفاء أثناء الحرائق.

ومع توفر السلع الأساسية واستقرار بعض الأصناف، تَسعى الإدارة إلى الموازنة بين دعم الباعة الجائلين وحماية النظام العام والصحة.

ينبض بالحركة لكنه مكتظّ بالمعاناة

زمان السوق كان رزق وضحك وسلام، هسي بقي خوف وعيون الناس كلّها تعبانة. بنجي السوق عشان نعيش، لكن مرات بنطلع ونحن أقرب للانهيار.

في ظلّ استمرار الحرب، تحوَّل دخول السوق بالنسبة للكثيرين إلى كابوس يوميّ بسبب الجبايات والكشات. حفصة عثمان آدم، وهي امرأة تعيل بناتها عبر بيع العطور، تجسّد جانباً مؤلماً من الواقع، إذ تقول لمراسلة «أتَـر» إنها أحياناً تغيب عن السوق شهراً كاملاً وتعتمد على العدس والفول فقط في غذاء بيتها، وقد تمرّ أيام لا تجد فيها ما يؤكل، فيصبح الماء طعامهم.

وتتابع حفصة بنبرة يغلب عليها الإرهاق: «الحرب علّمتنا نصبر، لكنها سرقت منّا كل شيء، حتى أبسط تفاصيل الحياة. كنت زمان ببيع وأرجع البيت ومعاي حاجة لبناتي، لكن هسي مرات بطلع من الصباح للمغرب وبرجع وما بقدر أشتري حتى صابونة. الكيس البجيبو معاي مرات يكون فاضي، وأحياناً بكون خايفة أقيف في السوق من الجبايات والكشّات والاشتباكات». وتؤكّد حفصة أنّ السوق لم يعد كما كان: «زمان السوق كان رزق وضحك وسلام، هسي بقي خوف وعيون الناس كلّها تعبانة. بنجي السوق عشان نعيش، لكن مرات بنطلع ونحن أقرب للانهيار».

ولا تختلف معاناة حفصة كثيراً عن معاناة بقية صغار الباعة، إذ يقول الهواري، أحد الفرّيشة العاملين في السوق: «الأسواق امتلأت بالتجّار، والناس بقت تخاف تشتري. الزبون يسأل عن السعر ويرجع خالي اليدين». ويضيف محمد إدريس، وهو فرّيش آخر: «نبيع بأسعار معقولة، لكن الضغط كبير. جبايات وكشّات ونزاعات مع أصحاب المحال، ولجنة التنظيم ما بخلّوا لينا فرصة نقيف براحتنا».

تقول فاطمة أحمد، التي تعمل في بيع الخبائز والفطائر وبلح الشام، إنّها تعتمد على توزيع منتجاتها على الدكاكين، وأحياناً تتجوّل بها في المستشفيات والمراكز الصحية والمدارس بحثاً عن رزق يوميّ يسدّ احتياجات أسرتها. وتوضح أنّ عملها كان مستقراً نسبياً قبل الحرب، إذ كانت تعتمد على أصحاب البقالات في تصريف إنتاجها. لكن الحرب – بحسب حديثها – غيّرت ملامح السوق كثيراً، إذ أدّى نزوح أعداد كبيرة من النساء إلى مدينة الدويم إلى دخول كثيرات منهنّ إلى مجال صناعة الخبائز وبيعها بأسعار أقلّ، ما خلق منافسة حادة أثّرت على حجم مبيعاتها وجعلتها ضعيفة وغير مستقرة. وتشير إلى أنّ مدينة الدويم ما زالت مكتظّة بمن قدموا من الخرطوم، الأمر الذي زاد الضغط على الأسواق وفرص العمل المحدودة.

وترى فاطمة أنّ البيع المباشر داخل السوق يحقّق لها دخلاً أفضل من البيع لأصحاب البقالات، غير أنّ تدهور الأوضاع الاقتصادية دفَع بعض الأسر إلى إعداد الخبائز داخل المنازل بدلاً من شرائها بالقطعة، في محاولة لتقليل التكلفة، ما أسهم في تراجع الطلب على منتجات البائعات. وتضيف أنّ ارتفاع أسعار المواد الخام من دقيق وزيت وسكر وغاز انعكس مباشرة على أسعار المخبوزات، الأمر الذي جعل الزبائن يدخلون في جدال مستمر حول الأسعار، رغم إدراكهم أنّ الغلاء شمل جميع مناحي الحياة.

وتتابع فاطمة حديثها بنبرة يغلب عليها الحزن، قائلة إنّ اتجاهها لهذا العمل لم يكن خياراً، بل فرضته قسوة الظروف بعد أنْ فقدت ابنها الأكبر، الذي كان يعولها ويعول شقيقاته، إثر سقوط دانة بمنطقة الصحافة شرق. وتوضح أنّ هذه الفاجعة ضاعفت من حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها، وجعلتها المُعيل الوحيد لأسرتها في ظلّ انعدام مصادر الدخل الأخرى. وتختم فاطمة بقولها إنّ حياتها اليومية باتت أشبه بدوامة بين الربح والخسارة، تقضي ساعات طويلة في السوق تحت الشمس وبين الأزقة، أملاً في تأمين لقمة العيش وسداد إيجار المنزل وفواتير الكهرباء ومتطلبات الحياة الأساسية، مؤكّدة أنّ ما تعيشه ليس استثناءً، بل هو حال كثيرٍ من الأُمّهات اللائي وجدن أنفسهن في مواجهة قاسية مع واقع اقتصادي خانق، لا خيار لهن فيه سوى الصبر والعمل.

قالت حجّة حواء، وهي بائعة أكل بلدي، إنّ سوق الأطعمة شهد تغيّراً كبيراً منذ اندلاع الحرب، وتطوَّر على نحو لافت مع انتشار الكافتيريات التي تُقدّم الوجبات السريعة بجودة عالية، ما دفَعَ شريحةً واسعةً من الزبائن إلى تفضيلها على الوجبات التقليدية، الأمر الذي انعكس سلباً على حركة البيع في كشكها المتواضع.

تعمل زليخة في بيع المنتجات البلدية مثل الويكة والبهارات والدكوة والكسرة. تقول إنّ دخولها السوق جاء لأول مرة خلال فترة الحرب، بعدما ضاقت بها سبل المعيشة وأجبرتها الظروف القاسية على الاعتماد على نفسها. وتضيف: «كنتُ سابقاً أعتمد على أبنائي، وكنت عايشة ملكة، لكن العيشة بقت صعبة، فقرّرت أشتغل عشان أخفف العبء على أولادي». وتتابع زليخة حديثها قائلة: «السوق قدح كبير، وكلنا مجبورين، والحرب جات وقضت على الأخضر واليابس».

وتشير إلى أنها نزحت إلى مدينة الدويم، من أم درمان، بينما اتجه أبناؤها إلى بورتسودان بحثاً عن الأمان والعمل. ولم تكن تجربتها في السوق سهلة، إذ واجهت العديد من التحديات، من بينها طردها من أمام بعض المحال التجارية والأكشاك. كما توضح أنّ أسعار منتجاتها قد تبدو مرتفعة مقارنة ببعض البائعات، إلا أنّ ذلك يرجع إلى الجهد البدني الكبير الذي تبذله في إعدادها، إضافة إلى الارتفاع المستمر في أسعار السلع. ورغم ذلك، تؤكّد زليخة أنها واصلت المنافسة ولم تتوقّف، فقرّرت إعطاء رقم هاتفها للزبائن لتلقي الطلبات، الأمر الذي خفّف عنها عناء الوقوف في السوق، وأحياناً يأتون إلى مكان إقامتها مباشرة لشراء احتياجاتهم.

وتُشير زليخة إلى أنّ المواطن تكيّف مع ارتفاع الأسعار بصعوبة كبيرة، ولم يعد أمامه خيارٌ سوى الشراء لتوفير احتياجاته الأساسية في ظلّ الأوضاع المعيشية القاسية.

قالت حجّة حواء، وهي بائعة أكل بلدي، إنّ سوق الأطعمة شهد تغيّراً كبيراً منذ اندلاع الحرب، وتطوَّر على نحو لافت مع انتشار الكافتيريات التي تُقدّم الوجبات السريعة بجودة عالية، ما دفَعَ شريحةً واسعةً من الزبائن إلى تفضيلها على الوجبات التقليدية، الأمر الذي انعكس سلباً على حركة البيع في كشكها المتواضع.

وأضافت حجة حواء لمراسلة «أتَر»: «محلّي كشك صغير أمامه ركيزة من الحطب مغطّاة بالشوالات، وسابقاً كان يرتاده أطباء وممرّضون وتجّار وغيرهم، أما اليوم فلا يأتون إلا عند اشتياقهم للعصيدة». وأشارت إلى أنّ الزبائن أصبحوا يفضّلون الطلب عبر الهاتف لما توفره الكافتيريات من سهولة واختصار للوقت، خاصة في ظلّ ازدحام الطرق، مُوضحةً أنّ هذا التحوّل في العادات الغذائية جاء بعد نزوح عدد كبير من الطهاة وظهور خيارات سريعة ومتنوّعة في السوق.

وأكّدت حجّة حواء أنّ هذه التحديات تُمثّل عبئاً كبيراً على صغار الباعة التقليديين، لكنها رغم ذلك متمسّكة بالاستمرار في تقديم الطعام البلدي، مُعتبرةً أنّ المأكولات الشعبية جزء من الهوية ولا يمكن أنّ تختفي مهما اشتدّت المنافسة وتغيّرت أنماط الاستهلاك.

تشير سميرة إلى أن سعر الشاي بقي مستقرّاً عند 500 جنيه والقهوة عند 1000 جنيه، إلا أنّ المنافسة الشديدة من الرجال الذين يبيعون الشاي ويسمون بـ«أب تكّة»، قد أثرت سلباً على عملهم. وتقول إنّ «أب تكّة» أصبح خصماً قوياً، إذ يذهب مباشرةً إلى أماكن التجمّعات حاملاً كفتيرته ويبيع الشاي بـ 300 جنيه والقهوة بـ 500 جنيه مع كباية استخدام واحد وهي طريقة مريحة وسهلة للزبائن.

تقول سميرة الحبشية بائعة شاي بسوق الدويم، إنّ السوق يبدو مزدحماً بالتجّار والبائعين، والمنظر يوحي بحركة بيع نشطة، لكنّ الواقع مختلف تماماً. وتوضح أنّ نزوح المئات إلى الدويم أدّى إلى اكتظاظ كبير داخل السوق، حيث يسعى الجميع لتأمين احتياجاتهم الأساسية، ما جعل بيع الشاي والقهوة مهنةً يلجأ إليها كثيرٌ من النازحين والمقيمين بسبب الظروف الاقتصادية التي فرضتها الحرب.

وتشير سميرة إلى أنه رغم الزيادات المتكرّرة في الأسعار، بقي سعر الشاي مستقرّاً عند 500 جنيه والقهوة عند 1000 جنيه، إلا أنّ المنافسة الشديدة من الرجال الذين يبيعون الشاي ويسمون بـ«أب تكّة»، قد أثرت سلباً على عملهم. وتقول إنّ «أب تكّة» أصبح خصماً قوياً، إذ يذهب مباشرةً إلى أماكن التجمّعات حاملاً كفتيرته ويبيع الشاي بـ 300 جنيه والقهوة بـ 500 جنيه مع كباية استخدام واحد وهي طريقة مريحة وسهلة للزبائن.

وتُضيف أنّ هذه الظاهرة وفّرت على التجار عناء إغلاق محالّهم للذهاب لشُرب الشاي موضحة أنّ «أب تكّة» كانت مهنة محدودة في الخرطوم وبعض الولايات، لكنها اليوم تحوّلت إلى مصدر رزق لكثيرين لأنها لا تحتاج إلى رسوم أو التزامات، وإنما تعتمد على التجوّل من مكان إلى آخر.

وتختم سميرة حديثها بالقول، إنّ الوضع الاقتصادي بالغ الصعوبة، مُشيرةً إلى أنّ رطل السكر ينفد خلال يومين ورطل البن خلال ثلاثة أيام في ظلّ ركود شديد بالسوق، ورغم ذلك يظلُّ الباعة مُطالبين بدفع إيجارات المحال والكراسي. وتقول بحسرة، إنّ الهموم تراكمت بسبب الاكتظاظ السكّاني والمنافسة في المهن، لكن في النهاية السوق باب الله، والأرزاق بيده.

فرّيشة ودرداقات وبيع «على اليد»

الهوّاري بائع خضار يحمل بضاعته على يديه متجوّلاً بين السيارات والمستشفيات والمراكز الصحية، ويعتمد على البيع باليومية في سوق «لم يعد يشبه ما كان عليه سابقاً». يقول الهواري لمراسلة «أتَـر»: «الأسواق امتلأت بالتجّار، والجميع يريدون البيع، ما فضل إلا نعبّي تراب الواطة ونعرضه للبيع، لكن ارتفاع الأسعار خلّى الزبائن مترددين». ويُشير الهواري إلى أنّ السوق شهد نقلة كبيرة بعد الحرب، إذ أصبحت الجبايات والكشّات، إلى جانب النزاعات مع أصحاب المحال الكبيرة، جزءاً من الروتين اليومي للبائعين الجائلين. ويوضح أنه رغم بيعه جائلاً «على اليد»، إلا أنه يتعرّض أحياناً للملاحقة، فيدخل في مراوغات مستمرّة «كالقط والفأر» هرباً من الحملات.

ومن جانبه، يقول الطيب محمد، الذي يفترش الأرض لبيع بضاعته، إنّ السوق اكتظّ بالتجار إلى حدّ غير مسبوق، ويبدو أنّ الجميع يدخلون إلى السوق بهدف البيع. ويُشير إلى أنّه ورغم حركة البضائع الكبيرة وتنوّع السلع إلا أنّ ارتفاع الأسعار أدّى إلى عزوف كثير من الزبائن عن الشراء.

ويؤكّد الطيب محمد أنّ الفرّيشة يعتمدون على سوق اليومية، وهو من أصعب الأسواق، بسبب الجبايات المتكرّرة والكشّات المستمرة، إضافة إلى المهاترات مع أصحاب المحال الكبيرة وقت الازدحام. ويرى أنّ السوق تغيّر كثيراً بعد الحرب مع تزايد أعداد التجار وارتفاع الأسعار بشدّة، ورغم ذلك لا يزال المواطن يزور السوق بدافع الحاجة. ويقول: «نحن نبيع بأسعار مقبولة ونحاول أن نقدم الأفضل رغم الظروف».

أما فاروق الجعلي، وهو صاحب درداقة، فيصف يومه في السوق بأنه مثقل بالضغط والإرهاق، موضحاً أنه يضطرّ أحياناً للتهرّب من المكان بسبب مضايقات بعض أصحاب البقالات التي يقف بجانبها، وأحياناً أخرى من لجنة تنظيم السوق التي تراقبهم باستمرار. ويضيف أنّ ضعف حركة البيع لم يمنعهم من الاستمرار في الكفاح لتأمين لقمة العيش، رغم أنّ التعب والإحباط أصبحا جزءاً من حياتهم اليومية. ويشير فاروق إلى أنهم يواجهون صعوبات متعدّدة، من منافسة النازحين الساعين لكسب رزقهم، إلى الخسائر التي يضطرّون لقبولها حتى لا يعودوا إلى منازلهم بلا مصاريف. ويتابع حديثه بالقول إنّ الحرب والنزوح لم يتركا لهم سوى قليل من الاستقرار، وإنّ كل يوم في السوق بات معركة جديدة من التعب النفسي والجسدي والخوف من العقوبات أو النزاعات، ورغم ذلك يواصلون البيع بأسعار معقولة، لأنّ الاستسلام يعني فقدان لقمة العيش في واقع لم يعد يشبه ما قبل الحرب.

من جانبه، يؤكّد محمد إدريس، أحد الفرّيشة، أنهم يبيعون بأسعار مقبولة ويسعون لتقديم الأفضل للزبائن، رغم ضعف الحركة في بعض الأوقات. ويشير إلى أنهم أحياناً يضطرّون إلى مغادرة أماكنهم بسبب الضغوط التي يمارسها أصحاب البقالات ولجنة التنظيم التي تتابع عملهم باستمرار. ويُوضّح إدريس أنّ الفريشة يواجهون صعوبات يومية عديدة، أبرزها المنافسة الشديدة مع النازحين، والخسائر المادية، إلى جانب الإرهاق الجسدي والنفسي، والخوف الدائم من النزاعات أو التعرّض للعقوبات، ما يجعل الاستمرار في السوق معركة حقيقية.

ورغم هذه التحديات، يؤكّد الفريشة تمسّكهم بالعمل من أجل تأمين لقمة العيش، مشيرين إلى أنّ الحياة بعد الحرب لم تعد كما كانت، وأنّ المعاناة أصبحت جزءاً من تفاصيل يومهم.

اقتصاد الحرب وانهيار القطاع الرسمي

يؤكّد الخبير الاقتصادي، الدكتور أحمد الطيب، أنّ السودان يعيش اليوم ملامح «اقتصاد حرب» مكتمل. فالسُّلطة الاقتصادية متفتّتة، والخدمات الأساسية شبه منهارة، بينما يسيطر الاقتصاد غير الرسمي على الموارد الحسّاسة مثل الذهب والوقود والغذاء. ويعاني المواطنون من ارتفاع غير مسبوق في أسعار السلع، خاصة الحبوب والزيوت والمحروقات، بينما تضاءلت الثقة في الجنيه السوداني، ما دفع الأسر للاحتفاظ بالدولار والعملات الأجنبية لتأمين مدخراتهم في وسط هذا الانهيار.

ويرى الخبير أنّ الخروج من هذا الوضع يتطلّب خطوات عاجلة تشمل إنشاء غرفة عمليات اقتصادية مستقلة لإدارة الأسواق، وحماية القطاع الزراعي لتعزيز الأمن الغذائي، وإعادة تشغيل النظام المصرفي وتطبيقات التحويلات البنكية الإلكترونية، وضبط تجارة الذهب وإعادتها للمسار الرسمي، إضافة إلى توحيد قنوات المساعدات الإنسانية ودعم القطاعات الأساسية مثل الصحة والتعليم والمياه.

توضح عنايات إبراهيم حسين، مدير الرعاية الاجتماعية بمحلية الدويم، أنّ الأسر السودانية تمرّ بأصعب الظروف منذ عقود. فقد فقدت آلاف الأسر مصادر رزقها بسبب الحرب، وارتفع عدد الأسر الأكثر هشاشة، وانخرط كثير من الأطفال في العمل في الأسواق بعد ترك مقاعد الدراسة، إما لارتفاع رسوم التعليم أو فقدان العائل، ما يضطرّهم للعمل في سنّ مبكرة لدعم أسرهم.

وتضيف قائلة: «إنّ الوضع اليوم يختلف تماماً عن ما قبل الحرب، إذ تضاعفت أعداد المحتاجين وأصبح الدعم الحكومي محدوداً مقارنة بحجم الأزمة». ولفتت عنايات إلى رصد الإدارة أكثر من 3,600 أسرة بحاجة عاجلة للدعم، ورُفعت أسماؤهم إلى الجهات المختصة لإدراجها في الميزانية الجديدة. وتقول: «رغم ضآلة المساعدات، إلا أنها تشكّل سنداً أساسياً لهذه الأسر في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها السودان».

Scroll to Top