أتر

«المنقة منقولة»: الجناين ملأى والسوق أيضاً

خلال ثلاثة أيام خضراء، من 28 إلى 30 يونيو الماضي، عُقد «مهرجان المانجو الأول» بولاية نهر النيل، برعاية وزارة الزراعة والغابات، الإدارة العامة للإنتاج البستاني، بالتعاون مع مبادرة «بيتنا أخضر» وجمعية فلاحة البساتين، واستضافته دار الشرطة في مدينة عطبرة، بعد أن كان يُقام قبل الحرب في العاصمة الخرطوم، وقد أقيم في مدينة كسلا في أغسطس 2024. ولقي المهرجان ترحاباً من مزارعي البساتين والمشاتل وأصحاب شركات التجفيف، إذ إنه أتاح لهم فرصة للتسويق وعرض منتجاتهم من مختلف أصناف المانجو «المَنْقَة»، ومجالاً لتبادل المعلومات والخبرات وتدشين الأصناف الجديدة. وقد نفّذت إدارة المهرجان مسحاً لأصناف شتول المنقة، بالتجوال في المَزارع وإجراء اختبارات لاختيار أجود مذاق بينها بمشاركة الجمهور في الشارع. وشمل المسح عمليات وزن لحجم الثمار ثم المقارنة بينها حتى يُجهّز الطُّعْم لاحقاً لصناعة شتول من أفضلها. وقُدّمت خلال فعاليات المهرجان خمس أوراق علمية، تناولت شتى الجوانب المتعلقة بزارعة المنقة، مثل تطوير الإنتاج واختيار أمّهات الأصول والأصناف، ورعاية البساتين، والآفات والأمراض، ومشكلات التصدير والبروتوكولات والمواصفات، والحصاد ونقل المحاصيل.

لمحصول المنقة حضور ضخم في أسواق السودان، وطعم ورائحة ومزايا غذائية معروفة. وتطلّ أحياناً بدلالة لونها في أبيات أغاني الغزل. وهي فاكهة متاحة للجميع، أغنياء وفقراء، وفي مواسم الوفرة الشديدة بجنوب كردفان غرب البلاد، تستمتع بها حتى الأغنام والماشية، وتُقدَّم لها علفاً طبيعياً. لكن لم يكن هذا هو الحال قبل مطلع القرن العشرين، إذ لم يرد ذكرها في أيّ من الأدبيات السودانية الباقية، ولم يأتِ الرحّالة بوركهارت على ذكرها ضمن أصناف الفواكه التي وجدها عندما زار سوق شندي في 1814.

زُرعت أشجار المنقة في السودان محصولاً نقدياً وإنتاجيّاً لأول مرة مع الاحتلال الإنجليزي المصري، ويُعزى ذلك إلى الحاكم العام حينها اللورد كتشنر، الذي زرع أول شتلات منها في قصره حوالي 1902، وإليه يُنسب واحد من أشهر أصناف المنقة السودانية: «كتشنر»، المعروف محلياً، للمفارقة، باسم «البلدي». بعدها بسنوات قليلة في العقود الأولى من القرن العشرين انتشرت زراعتها في أنحاء مختلفة من البلاد، حتى بلغت قرابة الأربعين صنفاً، ودخل السودان بأصنافه المحلية غزيرة الإنتاج ضمن قائمة الدول المصدّرة للمنقة.

وبحسب الخبير الزراعي بروفيسور عبد العظيم محمد علي فإنّ المساحة المزروعة بالمنقة في السودان، وفقاً لآخر إحصائية مرصودة في 2013، هي 29.5 ألف هكتار، أي حوالي 65 ألف فدان، بإنتاجيةٍ بلغت حوالي 650 ألف طن. بينما بلغ آخر إنتاج مرصود في 2022 من قِبل الفاو 719 ألف طن سنة. وسجّلت المنقة أعلى إنتاجية في 2015 بأكثر من مليون طن. ورغم توسّع المساحات في غرب أم درمان حتى نشوب الحرب، لم تصل المساحة المزروعة بالمنقة إلى 100 ألف فدان.

بيني وكلّ شجرةٍ لغةٌ نتخاطب بها

قبل الحرب، كانت المنقة المزروعة في جناين شندي تجد سوقها الأكبر في الخرطوم، أما الآن فقد تغيّرت الوجهة إلى بورتسودان وهي أبعد بكثير من شندي. وما ينفقونه على الترحيل، فضلاً عن العمليات الفلاحية والحصاد داخل المزرعة، جعل المزارعين يخسرون قدراً كبيراً من المنقة.

كان من أبرز المشاركين في مهرجان المانجو الأول بعطبرة المزارع طارق حسن بانقا الذي تقع مزرعته الشهيرة في منطقة تُسمّى «الشاطئ» وتبعد عن النهر حوالي 200 متر، بالقرب من مشروع الزيداب – على الضفة الغربية لنهر النيل – الذي يُقدِّم السّقيا للمزارعين مقابل أجرة سنوية معينة.

حال غيره من المزارعين في سودان الحرب، واجه طارق في زراعته مشكلات كبرى. ما عادت المحاصيل تُغطي تكاليف التشغيل والعمليات الفلاحية، إذ فَقَد المزارعون أغلب أسواقهم الرئيسة، «لذلك عندما يُباع محصول المنقة يكون السعر متدنياً جداً»، يخبر طارق مراسل «أتَـر».

قبل الحرب، كانت المنقة المزروعة في جناين شندي تجد سوقها الأكبر في الخرطوم، أما الآن فقد تغيّرت الوجهة إلى بورتسودان وهي أبعد بكثير من شندي. وما ينفقونه على الترحيل، فضلاً عن العمليات الفلاحية والحصاد داخل المزرعة، جعل المزارعين يخسرون قدراً كبيراً من المنقة. يضمّ مشروع الزيداب حوالي 5000 شجرة منقة، بحسب طارق، «أما البرتقال فلا يُحصَى، وليست هناك منطقة في السودان تُنافِس الزيداب في الإنتاج، لكن المزارعين يعجزون عن التوزيع إلى بقية الولايات الآمنة، لأنّ التكلفة باهظة، لذلك يضطرّون للبيع والثمار على أشجارها».

هذا العام، باع طارق 8 أطنان منقة بمليوني جنيه سوداني (250 ألف جنيه للطن). يقول: «لا مفرّ من ذلك، لأن الأسواق حالياً وضعها مجهول، والمحصول معرّض لآفة ذبابة الفاكهة عند نهاية الحصاد، لذلك يجد المزارعون والتجّار أنفسهم في سباق، وعليهم أن يبيعوا حتى يستعدوا للعام القادم، لكنهم لا يعرفون أين يذهبون بالمنقة».

يروي طارق ما تنطوي عليه عمليات البيع من تعقيد: «يبيع المزارع كرتونة المنقة (عبوة 48 قطعة) بـ 12 ألف جنيه سوداني لتجّار الجملة، لكنها تصل إلى المستهلك المحلي بسعر غالٍ عند تجّار التجزئة. وإذا ذهب المزارع بنفسه إلى السوق ستقف أمامه تحديات أخرى، ستظهر الحاجة إلى ثلاجات الفواكه للتخزين إذا لم تكتمل عملية البيع فوراً، والبيع على متن العربة سيعطّل الوقت، وسيُطالب السائق بأجر إضافي، وهناك الرسوم الأخرى، النفايات، والترحيل، والعمّال. وأثناء انهماكه في تعقيدات السوق هذه سيكون عليه أن يغيب عن مزرعته، والبيع يحتاج أحياناً إلى أيام، من سيرعاها؟ ومن يتابع العمل؟ كلّ هذه عوائق شائكة نتفاداها بالبيع لتاجر الجملة مقابل 12 ألف جنيه للكرتونة، وهذا يبيعها بـ 18 أو 20 ألف جنيه، وهو بدَوره لا يستفيد كثيراً. الفائز هو تاجر التجزئة على الطاولة، لأنه يرفع السعر للمستهلك إلى 2.500 جنيه للحبة الكبيرة، والفاخرة قد تصل إلى 5 آلاف جنيه، إلى درجة أن المواطنين يرفضون شراءها أحياناً لأنها تفوق طاقتهم، وعليهم تدبير ضروريات أخرى، لذلك يكسد سوق المنقة، ويتردد التجّار في شرائها مرة أخرى».

يعاني المزارعون من ندرة الثلاجات اللازمة لتبريد المحصول وحفظه لثلاثة أشهر، وإذا حصل المزارع على التبريد تَنقطع الكهرباء، «مثلما حدث إبان كارثة ضرب الدعم السريع محطة عطبرة التحويلية أخيراً بالمُسيّرات».

يقول طارق إن القطعة الواحدة تُباع في سلطنة عمان بريالين، ما يعادل في السودان 16 ألف جنيه، أي ما يفوق سعر الكرتونة عبوة 48 قطعة في نهر النيل. بل ويقول مصدر مقيم بسلطنة عمان في إفادة لـ«أتَـر» إن سعر القطعة بلغ 3 ريالات.

كذلك يعاني المزارعون من ندرة الثلاجات اللازمة لتبريد المحصول وحفظه لثلاثة أشهر، وإذا حصل المزارع على التبريد تَنقطع الكهرباء، «مثلما حدث إبان كارثة ضرب الدعم السريع محطة عطبرة التحويلية أخيراً بالمُسيّرات»، يقول طارق.

تنتج مزرعة طارق وغيرها قدراً كبيراً من المنقة والفواكه الأخرى، لكنّ المستهلك لا يتمتع بهذه الوفرة، والمزارع لا يستفيد. يمضي طارق في وصف المشهد وتحليله: «تتراكم في الأسواق حالياً كميات هائلة من البرتقال والقريب فروت، لكن هناك أشياء مرتبطة بثقافة الناس وأحوالهم الاقتصادية، البعض منهم يعتبر الفاكهة كماليات، ويرى أنّ الأهم هو اللحم والخبز. وما إن قامت الحرب حتى تدنّى سوق الفاكهة إلى حدّ غير مسبوق، وبلغ سعر 20 قطعة من البرتقال 1.000 جنيه فقط. هذه خسارة للمزارعين، لذا يخزنون الفاكهة على شجرتها الأم إلى أن يرتفع السعر، لكنّ الكساد عام ومستمرّ. الجناين ملأى بالفواكه والسوق أيضاً».

جاء طارق بانقا إلى الزراعة من اليابس، إذ كان يعمل متخصّصاً في الأخشاب. لاحقاً، درَس البذرة وصلابتها، العود الطريّ، العصارة النباتية، وفكّر في أنّ التعامل مع الحي أسهل من الميت، لذلك باشَر العمل في البستنة وتجارب الشتول، واستفاد من خبرته مع الأخشاب في التعامل مع كل شجرة، يعرف كيف تبدو خلايا جذعها، وخلايا أفرعها، وخلايا ساقها، وطوّر علاقة ولغة خاصة مع الشجر، يعرف ميلانها وعُصارتها وعمرها واتجاه الماء. عن ذلك يحكي طارق لمراسل «أتَـر»: «لي علاقة جيدة بأرضي ومزرعتي، وهناك أشياء أعرفها بملاحظتي المباشرة داخل الحقل، ومن لحاء الأشجار وأليافها وخطوط أوراقها، أقرأها وأشعر كأنّ بيني وكلّ شجرة لغة نتخاطب بها، أعرف إن كانت تحتاج إلى سماد عضوي بلدي أم كيميائي. هذه أمور خاصة أعرفها كمزارع علاقته وثيقة مع أشجاره، لكن هناك أشياء عامة يجب أن يتابعها المزارع من أجهزة الإعلام كأخبار الطقس مثلاً».

أرضٌ خُلقت للتجارب

ذهبت سارة للتسويق مباشرة بنفسها في جولة على مكاتب الموظفات في مؤسّسات حكومية مختلفة بالدامر، وكانت تسألهنّ: ماذا لو قدّمت لكُنّ ملوخية مورَّقة، وبامية مقطّعة، وثوماً مجفّفاً، هل سترغبن في الشراء؟ قلن: نعم! شرعت سارة في إنتاج عبوات الثوم المجفّف بأشكال جميلة، وكان الموسم موسم ندرة، وباعت الكمية كلها في مكاتب مختلفة.

كذلك كانت سارة إبراهيم الفكي من أبرز الوجوه المشاركة في مهرجان المانجو بعطبرة. درَست سارة إدارة الأعمال في كلية الاقتصاد بجامعة وادي النيل، وهي صاحبة تجربة في تجفيف المنقة ومؤسِّسة مشروع «سارة فود» للأطعمة المجفّفة، وتعمل في التجفيف الغذائي على المنقة والأناناس، إضافة إلى البصل والثوم والطماطم.

تحكي سارة لمراسل «أتَـر»: «في البداية خطرت لي فكرة تعبئة التوابل، راجعتُ بصبر جميع الدراسات حولها، وعندما عرضتُ الفكرة على بعض المقرّبين كانت الردود من عينة أن الناس لا تجد ما تأكله أساساً». لم تستسلم سارة ودخلت مع زميلة لها في شراكة وتمويل. لاحقاً، قدّمتها مسؤولة في تشغيل الخريجين للمشاركة في دورة تدريب للصناعات الغذائية، بالتركيز على العصائر المجفّفة والمربى. بعدها بدأت سارة العمل في مصنع تجفيف، لكن حدث انقلاب 21 أكتوبر 2021، وقُطع الإنترنت، ولا مجال للعرض والتسويق في فيسبوك وتويتر. تخبر سارة مراسل «أتَـر»: «عندها دار في ذهني سؤال: يا الله هل هذه إشارة لكي لا أعمل؟»، وكانت إجابتها: لا، يجب أن أعمل.

ذهبت سارة للتسويق مباشرة بنفسها في جولة على مكاتب الموظفات في مؤسّسات حكومية مختلفة بالدامر، وكانت تسألهنّ: ماذا لو قدّمت لكُنّ ملوخية مورَّقة، وبامية مقطّعة، وثوماً مجفّفاً، هل سترغبن في الشراء؟ قلن: نعم! شرعت سارة في إنتاج عبوات الثوم المجفّف بأشكال جميلة، وكان الموسم موسم ندرة، وباعت الكمية كلها في مكاتب مختلفة، وأخذ منها جهاز تشغيل الخريجين بعض العينات لعرضها. بعدها عملت سارة بتصنيع العصائر المجفّفة من المنقة، لوفرتها في السوق، وبمعالجة خام الفراولة والأناناس، بإضافة الصمغ والشعير. تستطرد سارة: «العمل في التجفيف مُمتع، ويعيد للمحاصيل المعرَّضة للتلف قيمتها الغذائية، مثل المنقة التي صَنعتُ منها «شيبس» مجفّف حلو ومملّح للأطفال، وعصير طبيعي من دون مواد حافظة».

تدرك سارة أن السوق يشهد وفرة غير مسبوقة في محصول المنقة، لذلك تعمل على أفكار جديدة حولها لئلا تضيع هباءً. تقول: «على الرغم من أنني خسرت جميع معدّاتي بالخرطوم أثناء الحرب، لن أتوقّف، فهذه الأرض خُلقت للتجارب».

شركة «سُندس فود» من الشركات التي أنشئت في الولاية الشمالية بعد الحرب، في 2024، وتتبع لمشروع محمد سيد أحمد نصر للإنتاج الزراعي والحيواني بمدينة مروي. تعمل الشركة على تعبئة وتصدير المنقة السودانية إلى دول الخليج، خاصةً سلطنة عُمان.

يقول ياسر العوض، المدير الإداري لشركة سُندس، في حديثه لمراسل «أتَـر»: «الصناعات التحويلية هي المنقذ الوحيد للفواكه التي تُنتج في السودان بوفرة كبيرة مثل المنقة، ما يسمح بتقديم منتجات طبيعية 100% بأعلى معايير الجودة العالمية، باستخدام لبّ منقة نقي، بدون سكّر مُضاف وخالٍ تماماً من الألوان الصناعية والمواد الحافظة، مع الحفاظ على نكهتها الغنية وفوائدها الصحية، ما يجعلها خياراً مثالياً لتحضير العصائر والوصفات الطبيعية».

منقة شندي

في سيرة منقة شندي وبعض وجوه الإنتاج في ولاية نهر النيل، تحدّثت لـ«أتَـر» الخبيرة الزراعية هويدا أحمدون، وقد عملت لسنوات في إدارة البساتين: «أهم أنواع الفاكهة في ولاية نهر النيل، وأكبر تجمّع لأصنافها يوجد في مدينة شندي، 34 صنفاً، منها كتشنر، وألفونس، والزبدة، والمبروكة، وتيمور، والملقوبة، والمتلاكي، وأبوسَمَكة التي تمتاز بوفرة الإنتاجية وجودتها، وشندي 1 التي تمتاز بألياف أقل ونعومة في المذاق، وشندي 2، وقلب التور. هذه الأصناف أصولها مصرية وأخرى هندية وجنوب أفريقية. وتُقسَّم أيضاً حسب تواريخ نضجها: مبكّرة مثل الكتشنر «البلدي»، ومتوسّطة النضج مثل المبروكة وتيمور وألفونس، ومـتأخّرة مثل أبوسَمَكة».

وتشرح هويدا إحدى المسائل التي تؤرّق المزارعين وتؤثّر على معدّلات الإنتاج، وهي ظاهرة تبادُل الحمل، إذ إنّ الشجرة قد تحمل محصولاً جيداً هذا العام، ثمّ تحمل إنتاجاً أقلّ في العام التالي، لذلك تحدد إحصائيات الخبراء متوسّط إنتاج الصنف. وأقلّ أشجار المنقة تبادلاً للحمل هي صنف أبوسَمَكة لذلك تتّسم بإنتاجية أعلى. وتقول إنّ أهمّ الآفات التي تهدّد أشجار المنقة في السودان هي «ذبابة الفاكهة» التي أجريت عمليات لمكافحتها في الآونة الأخيرة وقلَّت حالات الإصابة كثيراً.

علاقات العمل والإنتاج

المهندس أحمد أبوزيد، مُزارع ومتخصّص في شبكات الري، ويعمل في شركات أبرْسي الزراعية ولديها مزرعة في غرب أم درمان، يقول في حديث لمراسل «أتَـر»، عن تأثير التغييرات البيئية على إنتاجية بساتين المنقة؛ إنّ ارتفاع درجات الحرارة يؤثر على التزهير والتلقيح والإخصاب، وعلى عُقد الثمار وشكلها ولونها وطعمها، وتؤدّي لسعة الشمس على الثمار الطرفية إلى تساقطها. كذلك يؤثر عليها انخفاض درجات الحرارة لأنّ المنقة شجرة استوائية في الأصل.

قلّ إنتاج أشجار المنقة خلال السنوات الأخيرة، وفقاً لرصد أبو زيد، بخاصة في مزارع غرب أم درمان التي كانت تُغذّي أيضاً جزءاً من ولاية الخرطوم وتنتج قدراً كبيراً من صادر المنقة. يقول: «تنتج مزرعة أبرْسي التي أعمل بها ما لا يقلّ عن 40 ألف كرتونة في الموسم، وتُباع أحياناً أمام بوابة المزرعة مباشرة. تأتي شركات وأفراد للشراء، لكنّ المزارع قلما يستفيد لأن الشراء يكون بأسعار ضعيفة جداً، والإنتاج يفوق طاقة الاستهلاك».

يشير أبو زيد إلى أنّ الأصناف البلدية من المانجو الشندية والبذرة تُنتج مبكراً في شهري مارس وأبريل، «وهذه تَصلُح للعصائر محلياً. أما الأصناف الجنوب أفريقية، كالتومي والكنت، ذات الأحجام الكبيرة فهي التي يجري تصديرها».

يتباين وضع العمّال في مزارع المنقة، فمنهم الثابت الذي يعمل على نحو متواصل للري والتسميد والتقليم الذي يُجرى سنوياً قبل الإزهار، وهو عملية قطع بعض الفروع المُلامِسة للأرض والتي تحجب ضوء الشمس بخاصة في الأصناف الهجينة، وهؤلاء يعملون برواتب. وهناك عمّال موسميون يأتون بعد الخريف لنظافة الحشائش وإجراء مراجعات بسيطة، ويعملون باليومية أو مقاولة.

يرى أبوزيد، أنّ أكبر مشكلات إنتاج المنقة هي التسويق. أما الآفات فيقول إنهم قد نجحوا في مكافحتها بمساعدة وتوجيه هيئة الإرشاد الزراعي. ويقول بشأن التمويل: «يقدّم البنك الزراعي السوداني تمويلاً للقطاع البستاني لكن بشروط صعبة ويحتاج إلى ضمانات كبيرة. ويقتصر على تمويل الإنشاءات مثل الطرمبات والآبار أكثر من النباتات».

ويشير أبو زيد إلى أنّ أكبر منطقة تنتج المنقة في السودان، بعد شندي، هي أبوجبيهة في كردفان، «لكن من المعروف أنّها تعاني من معضلات الترحيل والتعبئة والتغليف، لذلك يتلف أغلب المحصول في مكانه. وأبو جبيهة هي خير مثال لمشكلات المنقة: إنتاج وفير، مقابل مناطق استهلاك بعيدة جداً، إذ إنّ سعر الكرتونة الفارغة أغلى مما بداخلها من منقة. وقد أدّت الحرب وعدم الاستقرار عموماً إلى تراجع الأسواق إلى حدّ غير مسبوق».

التأمين البستاني

عندما كنتُ أعمل في شركة شيكان، كنا مُصرِّين على أنه لا بدّ لنا أن ندخل في تأمين مزارع المنقة على طول نهري عطبرة والرَّهَد. وعندما عرضنا ذلك على المزارعين، وجدنا أنه لا توجد ثقافة تأمين عند مُلّاك البساتين، إذ يرون أنهم يدفعون مالاً بلا فائدة. الإشكالية التي واجهتنا أيضاً كانت: ماذا نُؤَمِّن؟ نُؤَمِّن الشجرة نفسها أم قيمتها؟ أم نُؤَمِّن المحصول؟ 

أفاد خبير التأمين الزراعي عبد الله علي أبوسن، في حديث لمراسل «أتَـر»، بأنّ وثيقة التأمين البستاني موجودة بجميع الشركات، لكن مع وقف التنفيذ، إذ إنها لم تُطبق أصلاً على القطاع البستاني بشقّيه، سواءٌ أكان قطاع الأشجار أم الخُضَر، ما عدا مرة واحدة في ولاية سنّار جرى فيها تأمين الموز لموسمين على الشريط النيلي، وللأسف كانت تجربة مريرة للشركات لأن الفيضان في عام 2010، أتلف جميع أشجار الموز.

أما بخصوص المنقة، فيقول أبوسن: «عندما كنتُ أعمل في شركة شيكان، كنا مُصرِّين على أنه لا بدّ لنا أن ندخل في تأمين مزارع المنقة على طول نهري عطبرة والرَّهَد، وهي مناطق منتجة. وعندما ذهبنا لدراسة الأمر وعرضنا ذلك على المزارعين، وجدنا أنه لا توجد ثقافة تأمين عند مُلّاك البساتين، إذ يرون أنهم يدفعون مالاً بلا فائدة. الإشكالية التي واجهتنا أيضاً كانت: ماذا نُؤَمِّن؟ نُؤَمِّن الشجرة نفسها أم قيمتها؟ أم نُؤَمِّن المحصول؟ وفي هذه واجهتنا العقبة الشرعية والفقهية. التأمين البستاني غير منتشر كثيراً، والشركات نفسها مُتخوِّفة من مخاطر متعدّدة، مثل الجفاف. وفي الولاية الشمالية أخيراً تعرَّضت كثير من البساتين للحرائق على نحو متكرر، إضافة إلى مشكلات الأسمدة والري».

Scroll to Top