أتر

أم درمان: ذكرى ديسمبر في قلب الحرب

فاجأ الحراك الذي شمل عدة مُدن داخل السودان، في الذكرى السابعة لثورة 19 ديسمبر، كثيراً من المواطنين الذين أدهشتهم جرأة خروج المواكب على قلَّة المشاركين فيها بالنسبة لأعدادهم قبل الحرب، وترديد الهتافات الثورية التي لم تَتَغيَّر، وأشهرُها «العسكر للثكنات والجنجويد ينحل».

وفي 13 ديسمبر نظمت كيانات مدنية وعسكرية مواكبَ في كلّ من البحر الأحمر، سنار، القضارف، الجزيرة، ونهر النيل، والخرطوم، وكسلا، في ما سُمّى بيوم الخلاص الوطني لدعم القوات المسلحة، وقد حظيت تلك المواكب بتغطية إعلامية واسعة من أجهزة الدولة الإعلامية، ورُتّبت لها حماية فائقة من قبل الأجهزة الأمنية والشرطية. بينما تعرّضت مواكب إحياء ذكرى الثورة في 19 ديسمبر لقمع عنيف من قبل الشرطة، واعتُقل عشرات الثوار في أم درمان والقضارف والبحر الأحمر والشمالية.

يقول أحد المنظّمين للموكب الرئيس من حوش الخليفة لـ«أتَـر»، إن الحصول على تصاديق مكتوبة لتسيير المواكب في غاية الصعوبة، ولتجاوز العقبة استغلّ بعض الثوار علاقتهم بقادة الأجهزة الأمنية التي استُنفروا إلى جانبها خلال الحرب. وقد استجاب بعض القادة بإرسال أفراد بأزياء مدنية لحماية الموكب من أي اعتراضات أو انتهاكات تطال المشاركين.

وعلى الرغم مما جرى من عنف تجاهها، أحدثت عودة المواكب الثورية غير المتوقّعة صدىً داوياً، وأعادت النقاش حول جدوى المواكب السلمية في ظلّ استمرار الحرب، وهُوية المشاركين فيها، ومدى قبول الشارع والسلطة معاً لحراكٍ كهذا، يُطالب بالمدنية، وإعادة الجيش إلى ثكناته وحلّ الدعم السريع، وهي مطالب راسخة في ذاكرة الحِراك الثوري منذ سقوط نظام الإنقاذ في 11 أبريل 2019.

بالنسبة لآلاف المواطنين، لم يكن الإعلان عن إحياء ذكرى 19 ديسمبر يَختلف عن الدعوات السابقة التي كانت تنتظم مواقع التواصل الاجتماعي على صفحات الثوار والناشطين. أما وسط الثوار، فبحسب إفادات تحصّل عليها مراسل «أتَـر»، كان الوضع مختلفاً للغاية، إذ جرى ترتيب دقيق مع بعض القيادات النافذة في الأجهزة الأمنية، منحت ضوءاً خافتاً بالتجمّع والتظاهر، ورغم ذلك كان الثوار الذين جاء بعضهم من خطوط المواجهة العسكرية أكثر حذراً.

يقول أحد المنظّمين للموكب الرئيس من حوش الخليفة لـ«أتَـر»، إن الحصول على تصاديق مكتوبة لتسيير المواكب في غاية الصعوبة، ولتجاوز العقبة استغلّ بعض الثوار علاقتهم بقادة الأجهزة الأمنية التي استُنفروا إلى جانبها خلال الحرب. وقد استجاب بعض القادة بإرسال أفراد بأزياء مدنية لحماية الموكب من أي اعتراضات أو انتهاكات تطال المشاركين، بحسب حديثه.

يُتابع المصدر الذي فضَّلْنا حجب اسمه لحساسية موقعه: «عندما حاولت الشرطة اعتراض الموكب وتفريقه بالقوة، تدخَّلت قياداتٌ من الأجهزة الأمنية وأمرت الشرطة بالتراجع، وهو ما حدث بالفعل».

كان يتعيّن أن يسير الموكب نحو شارع الأربعين وأحياء أم درمان القديمة، إلا أن عدداً من الثوار تدخّلوا في اللحظات الأخيرة وغيّروا اتجاه الموكب نحو أحياء الثورة، وتحديداً شارعي الوادي والنص، بحُجّة أنهما أكثر المناطق اكتظاظاً في أم درمان، والوصول إليهما يَخلق زخماً للموكب، وأنّ أي تحّرك للموكب نحو أحياء أم درمان القديمة هو حكمٌ عليه بالفشل لخلوّها من السكّان.

 يقول مصدر آخر من منظِّمي الموكب لـ«أتَـر»، إنه رغم الحماية غير المُعلنة التي توفرت للموكب، لكن عمليات اعتقال ومضايقات وقعت على الثوار الذين كانوا داخل الموكب وخارجه.

يستطرد المصدر: «اعتُقل بعضُ المنظِّمين الذين لم يشاركوا في الموكب على الأرض، ما يعني أن بعض الأجهزة الأمنية فوجئت بردّ فعل الناس تجاه الموكب، لذلك اعتقلت عدداً من الثوار من مناطق بعيدة لكنهم كانوا من المنظمين والمتابعين».

كان ردّ فعل الأجهزة الأمنية سريعاً على المواكب الثورية. وبجانب اعتقال الثوار في أم درمان ومحاولة رشق الموكب بالغاز المسيل للدموع، اعتُقلَ عشرات الثوار في القضارف وفي بورتسودان، وفي الشمالية. بَيد أن المواكب، على قلة المشاركين فيها نسبياً، أثارت لغطاً كثيفاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ولفتت أنظار المارّة والسكّان وبعض جنود القوات النظامية الذين كانوا يلوحون بعلامات الثورة ويردّدون جملة «قدام بس».

بعض الرجال والنساء خرجوا من منازلهم وانضمّوا إلى الموكب، وبعضهم كان يراقب من بُعد، لكنهم أبدوا كثيراً من الحماس لعودة الهتافات الثورية التي كانت تدوي في غير أوقات الحرب. رغم خوف الناس من الخروج للتظاهر، لكنّ صدى قوياً شقّ سكون المدينة الممزّقة بالحرب والرصاص.

يقول أحد المشاركين في الموكب لـ«أتَـر»: «لم يتوقّع الناس خروج مواكب في مثل هذه الأيام، لذلك اعتَلَتْ وجوههم الدهشة في البدء، ومن ثمّ لحق بعضهم بالموكب وبعض النساء كُنَّ يُراقبنَ من خلف أبواب المنازل. كنا نسمع كلمات التشجيع. بعضٌ منهم يقول هذا هو طريق وقف الحرب. هذا هو الأسلوب الحضاري. هذا هو الشعب السوداني».

ويمضي المصدر بالقول: «بعض الرجال والنساء خرجوا من منازلهم وانضمّوا إلى الموكب، وبعضهم كان يراقب من بُعد، لكنهم أبدوا كثيراً من الحماس لعودة الهتافات الثورية التي كانت تدوي في غير أوقات الحرب. رغم خوف الناس من الخروج للتظاهر، لكنّ صدى قوياً شقّ سكون المدينة الممزّقة بالحرب والرصاص».

«كان المارّة يتوقّفون لوهلة ينظرون إلى الموكب الذي ارتفعت هتافاته الثورية، وبعض الدوريات العسكرية كانت تعبر بهدوء دون أيّ رد فعل»؛ يقول أحد المشاركين وهو يصف الحراك الذي انطلق من حوش الخليفة بعدد قليل من الثوار، ويضيف: «لم نكن نتوقّع مشاركة الكنداكات، لكن مئات الفتيات انضمَمْنَ إلى الموكب. الجميع يتخوّف من اعتقالهن».

اشتركت في الموكب بعض أسر شهداء ثورة ديسمبر، وكذلك أسر شهداء حرب الكرامة، لم تكن هنالك أي حساسية في المشاركة.

يقول: «اعتقال البنات يجعلهنّ يتجنبن المشاركة في المواكب القادمة، لكن لم يجرِ اعتقال أي فتاة. وحتى الثوار الذين اعتُقلوا كانوا من الذين نظّموا الموكب، واعتقالهم كان متوقّعاً، وقد أطلق سراحهم بعد ساعات عقب تدخّل القيادات الأمنية التي تكفّلت للثوار بحماية الموكب والمشاركين فيه».

«اشتركت في الموكب بعض أسر شهداء ثورة ديسمبر، وكذلك أسر شهداء حرب الكرامة، لم تكن هنالك أي حساسية في المشاركة»، تقول إحدى المشاركات في الموكب لـ«أتَـر» وتضيف: «في لحظةٍ ما، تجاوَز الناس الخوف وخرجوا من منازلهم مع الموكب. كانت أوقاتاً عصيبة منذ انطلاق الموكب وحتى نهايته. كنا نتوقّع حدوث أسوأ الاحتمالات، وتحسَّبْنا لبعضها، لكن لم يحدث مكروه. أما ردّة الفعل اللاحقة التي انتشرت عبر الميديا فتشير إلى أنه من المستحيل تنظيم موكب مشابه في القريب العاجل».

مشاركٌ آخرُ في الموكب، يُشير إلى خطورة التعليقات التي جاءت بعد الموكب ويقول لـ«أتَـر»: «كان تنظيم موكب في مثل هذه الأيام شجاعة نادرة من الثوار الذين قرّروا أن ينظموا الموكب رغم العراقيل التي وضعت أمامهم والظروف المحيطة بهم».

ويتابع: «حاولنا استخراج تصديق للموكب لكنّ السّلطات تجاهلت الطلبات المُتكرّرة التي تقدّمنا بها، وبعد محاولات وجدنا حماية غير مكتوبة من إحدى الجهات الأمنية التي طلبت عدم كشف هويتها، وقبول الجهات الأمنية نفسه أثار لغطاً لدى الجهات الأمنية الأخرى، وكاد الأمر أن يتطوَّر لولا هدوء الثوار وعدم انجرارهم لأي استفزازات».

يقول المصدر: «بعد خروج المواكب والمخاطبات التي جرت، ورفع شعارات الثورة التي تدعو للحكم المدني، كان ردّ الفعل قوياً من دعاة استمرار الحرب ومن رموز النظام السابق الذين اعتقدوا أن المواكب الثورية هي استفزاز لوجودهم، ولذلك نُظّم هجوم إسفيري ضخم على الثوار وعلى الحراك نفسه».

لكنّه لا يتوقّع في ظلّ الأوضاع الحالية تنظيم مواكب أخرى في القريب العاجل، لأنّ رد الفعل سوف يكون قوياً وعنيفاً ضد الثوار، ومن غير المستبعد أن تتراجع الجهات الأمنية والشخصيات التي وفرت الحماية للموكب السابق عن توفير أي حماية للمواكب اللاحقة؛ لذلك لا يُرجِّح المصدر أن يُفكّر الثوار في الأيام القادمة في طلب تصديق أو حماية لموكب حتى لا يُنظر إلى الأمر بأنه استغلال لتعاطف بعض الشخصيات الأمنية والعسكرية مع الثوار ودعمهم لهم في المواكب وحمايتهم.

حتى بعد مرور أيام على مواكب إحياء ذكرى ثورة 19 ديسمبر، لم يتلاشَ صدى النقاش والحماس الذي أعقب المواكب التي لم تكن متوقّعة في ظلّ القبضة الأمنية التي تُحاول إغلاق منافذ الحياة المدنية وعسكرة الفضاء العام.

Scroll to Top