لأكثر من عشرة أعوام مضَتْ، ظلَّت مدينة كادُقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان، ترتدي لأْمَة الحرب، ولم تُجرِّب الشعور بالأمن، وهي تَستقبلُ القصفَ بالأسلحة الثقيلة بين الفينة والأخرى؛ ولم تتوقّف المحاولات المتكرّرة لاجتياحها عسكرياً. كان هذا يحدث من قِبَلِ الحركة الشعبية التي فضَّتْ شراكتها مع نظام المؤتمر الوطني بحرب سُمّيت «حرب ستة ستة»، وانطلقت مُتزامنةً في النيل الأزرق وجنوب كردفان بتاريخ 6 يونيو 2011.
منذ ذلك الوقت، أصبحت السُّلطات الأمنية والعسكرية تُحْكِم قبضتَها على المدينة، التي تضاءل فيها الفضاء المدني بشدّة مقابل عَسكرَتها، إذ تكبَّد سكّانها أقسى صنوف المعاناة، بدءاً من المراقبة والمتابعة الأمنية وارتفاع الأسعار وقلَّة فُرص العمل الحُرّ وتدهور الرعاية الصحية، بَيْد أنّ ما جرى بعد اندلاع حرب منتصف أبريل بين الجيش والدعم السريع كان بالغ الخطورة على السكّان، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة حرب فوجئوا بها أشدَّ عنفاً من سابقاتها.
ومن خلف الجبال التي تُشتَهر بها كادُقلي، كانت حرب أبريل تقترب باستمرار، مُضيّقة الخناق عليها، إلى أن أصبحت بنهاية ديسمبر الماضي، عند تخوم المدينة، على بُعد كيلومترات قليلة.
وفي مطلع ديسمبر سيطرت الدعم السريع على حامية كيقا الخيل، التي تبعد نحوَ 60 كيلومتراً من كادُقلي، بينما سيطرت الحركة الشعبية على منطقة البلف الواقعة بين الدلَنْج وكادُقلي. وفي 19 ديسمبر أعلنت الدعم السريع السيطرة على منطقة برنو الواقعة على بعد 30 كيلومتراً تقريباً غرب كادُقلي. وأعلنت الحركة الشعبية في 3 يناير الجاري سيطرتها على منطقة البرداب على بعد 6 كيلومترات شمال كادُقلي.
مجاعة وانقطاع طرق
بدأت معاناة سكّان كادُقلي مع سيطرة الدعم السريع على مدينة الدبيبات التابعة لمحلية القوز بولاية جنوب كردفان وانتشارها في المنطقة. ومنذ مايو من العام الماضي، لجأ آلاف النازحين إلى كادُقلي التي اكتظّت بالفارّين من القُرى والمُدن الصغيرة، وأنشئت بها عدة مراكز إيواء لا تزال أربعة منها تعمل وهي: مركز مزرعة الداوجن، ومركز الميناء البري، ومركز الهجرة الدولية، ومركز إيواء مرتا.
خلال العام الماضي، تفشَّى الجوع على نحوٍ غير مسبوق في جنوب كردفان، ما دفع السكّان لطهي أوراق الأشجار وعلف الحيوانات، ونتجت عن حالة المجاعة وفاةُ عشرات الأطفال، وفقاً لبيانات صادرة من غرف الطوارئ بالمنطقة وشبكة أطباء السودان. وأدّى قطع الطرق إلى نفاد المواد الغذائية وانعدام السلع الأساسية داخل المدينة وفي أريافها، ما دفع جهات أممية لإعلان المجاعة وسط السكان.
وفي أغسطس من العام 2024، أعلنت الحركة الشعبية عن حدوث مجاعة في مناطق سيطرتها، وحدَّدَتْ عدة مناطق في هيبان ورشاد ولقاوة، وهي المناطق التي أصبحت وجهةً للفارّين من كادُقلي بعد اشتداد المعارك حولها. وفي نوفمبر الماضي، أعلنت لجنة التصنيف المرحلي المُتكامل للأمن الغذائي وقوع مجاعة في كادُقلي، وحذّرت اللجنة الأممية من تمدُّد رقعة الجوع إلى 20 منطقة بالإقليم. ومع تفاقم الوضع المعيشي، ارتفعت حدَّة القتال، واشتدّ قصف المدينة الذي تبادل عليه الدعم السريع والحركة الشعبية، وهو ما أجبر آلاف السكّان على النزوح.
وفي 13 ديسمبر الماضي، تعرّض مقرّ بعثة الأمم المتحدة المؤقتة لحفظ السلام في أبيي (يونسيفا) ومقرّها في كادُقلي لقصف بمُسيّرة تسبّب في مقتل 6 أشخاص وإصابة 8 من جنود حفظ السلام، وهو ما دفع المنظمة الأممية لسحب بقية الجنود وإخلاء مقرّها، وقد لحقت بها في الحادي والعشرين من الشهر ذاته عدة منظمات دولية كانت تقدّم أعمالاً إنسانية داخل المدينة، حيث أجْلت موظفيها بعد اشتداد الحصار وزيادة العنف بين أطراف الحرب.
النزوح إلى الجوع
فقدت كادُقلي أكثر من نصف سكّانها -بحسب تقدير أحد المواطنين- وقد نزح معظمهم إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية وبعضهم لجأ إلى أبوجبيهة وكادُقلي والأبيّض والنيل الأبيض.
يقول أحد المواطنين من داخل كادُقلي لـ«أتَـر»، إنّ الأوضاع داخل المدينة حالياً، يسودها الخوف والرعب من اقتراب وصول المعارك العسكرية إلى المدينة التي فقدت أكثر من نصف سكّانها – بحسب تقديره -وقد نزح معظمهم إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية وبعضهم لجأ إلى أبوجبيهة وكادُقلي والأبيّض والنيل الأبيض.
ويصف المواطن، الذي فضّل حجب اسمه لدواعٍ أمنية، الوضع المعيشي والأمني بالخطير، وأضاف: «المواد الغذائية صارت شبه معدومة في المدينة التي كانت تُعاني تفشّي الجوع. وبعد سيطرة الدعم السريع على مناطق قريبة من المدينة توقفت سلاسل الإمداد التي كانت تنقل السلع إلى داخل المدينة».
ويُتابع المواطن أنه رغم محاولة الأجهزة الأمنية منع المواطنين من النزوح، لكن آلاف الأشخاص فرّوا نحو مناطق سيطرة الحركة الشعبية التي تُعاني بشدّة من نقص المواد الغذائية، بَيد أنّ المواطنين مجبرون على الفرار بأرواحهم حتى لو وإلى مناطق يتفشّى فيها الجوع.
خلال شهر ديسمبر، ازدادت حركة النزوح أكثر من أيّ وقت مضى من كادُقلي نحو المناطق الآمنة، حيث يواجه الفارّون صعوبة في العثور على وسائل النقل، ما أدّى إلى ارتفاع قيمة التذاكر على نحو بالغ. وتراوح سعر تذكرة الفرد الواحد في عربة اللوري ما بين 120 و150 ألف جنيه بالكاش، وما بين 170 و200 ألف جنيه عبر تطبيق بنكك.
وخلال شهر ديسمبر، ازدادت حركة النزوح أكثر من أيّ وقت مضى من كادُقلي نحو المناطق الآمنة، حيث يواجه الفارّون صعوبة في العثور على وسائل النقل، ما أدّى إلى ارتفاع قيمة التذاكر على نحو بالغ. وتراوح سعر تذكرة الفرد الواحد في عربة اللوري ما بين 120 و150 ألف جنيه بالكاش، وما بين 170 و200 ألف جنيه عبر تطبيق بنكك. وتراوحت تذكرة التوكتوك بين 200 ألف إلى 270 ألف جنيه بالكاش وحوالي 300 ألف جنيه عبر تطبيق بنكك. والغريب في الأمر أنّ هذه التذاكر ليست محدّدة بمحطات معينة يصل إليها الراكب، وتعتمد كلياً على خط السير والأمان.
يقول أحد النازحين من كادُقلي لـ«أتَـر»، إنّ الناس يشعرون بالرعب داخل المدينة، ويعتقدون أنّ وسائل النقل التي تُوفر لهم الخروج في جماعة هي الأكثر أمناً من الخروج بأرجلهم أو عبر الدوابّ، ولذلك تلجأ إليها الأسر بغرض تجاوز أماكن الخطر بعدها، وليس مهمّاً أن يبلغ المسافر وجهته الأخيرة. ويضيف: «في الحقيقة أغلب الفارّين من المدينة ليست لديهم أي وجهة، إنهم يريدون الخروج فقط، وبعدها يبدأ التفكير في الوجهة النهائية».
أسعار مرتفعة وسوق معزولة
داخل المدينة، ارتفعت الأسعار بعد إغلاق الطرق بينها والأسواق. وتقول مصادر من كادُقلي لـ«أتَـر»، إنّ معظم التجّار أصبحوا يفضّلون البيع بالكاش بدلاً عن تطبيق بنكك المستخدم على نطاق واسع. وتخبر المصادر أنّ نسبة استبدال التطبيق مقابل الكاش ارتفعت إلى 50 في المائة بسبب شحّ الكاش وصعوبة استخدام التطبيقات لانقطاع الاتصالات وقلة أجهزة استارلينك المستخدمة بعدد قليل لدى الأجهزة الأمنية. ووصل سعر كيلو الدقيق إلى 15 ألف جنيه وكيلو العدس إلى 10 آلاف جنيه مع انعدام السكر وندرة الزيت. وبدأت الأحياء تخلو من السكّان، والعدد القليل منهم لا يزالون داخل المدينة، ولم يتمكّنوا من تمويل رحلة النزوح التي أصبحت تُكلّف أموالاً طائلة، خاصة بالنسبة للأسرة التي تتكوَّن من عدَّة أفراد.
وبحسب المصادر، فإنّ معظم السكّان الذين يريدون النزوح شرقاً، يُواجهون صعوبة في مغادرة المدينة وذلك لأنّ بعضهم يريدون الوصول إلى النيل الأبيض والقضارف. وحتى من يريد الوصول إلى أبوجبيهة والمناطق الأخرى بولاية جنوب كردفان، يجد صعوبة في ذلك، لطول المسافة وارتفاع التكلفة. أما النزوح نحو مناطق الحركة الشعبية، فهو الأقل تكلفة لأنّ التنقّل بين القرى خارج كادُقلي أيسر منه نحو المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش. ويستخدم المواطنون الفارّون نحو مناطق الحركة الدواب والتكاتك و«التريلات» التي تجرّها التراكتورات.
بحسب أحدث المعلومات التي تحصّلت عليها «أتَـر»، فإن المساحة الآمنة داخل كادُقلي قد تقلّصت بحلول يناير الجاري، وانقطع الطريق القومي الرابط بينها والدلنج انقطاعاً تاماً، وبدأت المنازل والأحياء تخلو من سكّانها الذين توسّلوا النجاة والسلامة في النزوح خارج دائرة القتال.
ويصف الخبير في الشؤون الإنسانية، صلاح الأمين، الوضع في كادُقلي بالخطير، ويقول لـ«أتَـر»، إنّ الوضع الأمني في كادُقلي وصل المرحلة القصوى بحسب تعريف المنظمات الإنسانية الدولية، لذلك جرى إجلاء الموظّفين العاملين في المجال الإنساني خارج المدينة. ويشير صلاح إلى أنّ خروج المنظمات الإنسانية من المدينة «كشف ظهر المواطنين الذين لن يجدوا من يقدّم لهم المُعِينات الإنسانية مثل الرعاية الطبية، والأخطر هو أنّ خروجهم يؤكّد أنّ الوضع لم يعد يصلح لبقاء المدنيين ولا بدّ من إيجاد طُرق آمنة لخروجهم» على حد قوله.
وبحسب أحدث المعلومات التي تحصّلت عليها «أتَـر»، فإن المساحة الآمنة داخل كادُقلي قد تقلّصت بحلول يناير الجاري، وانقطع الطريق القومي الرابط بينها والدلنج انقطاعاً تاماً، وبدأت المنازل والأحياء تخلو من سكّانها الذين توسّلوا النجاة والسلامة في النزوح خارج دائرة القتال التي بدأت تضيق حول المدينة المحاطة بالجبال من عدة اتجاهات والواقعة في خضمّ الحرب منذ سنوات طويلة.



