في ما مضى، كان جلال الدين محمد أحمد يبيع سيقان الذرة موسمياً، بعد حصادها، علفاً لمربِّي الماشية في قرية مُقْدَر بمحلية الحصاحيصا، وتساعده الأموال التي يجنيها من بيع العلف في دفع تكاليف حصاد المحصول، وسداد ديونٍ من لدنّ تحضير الأرض أو الأسمدة أو البذور نفسها، وفي بعض الأحيان يَفيض ما يجنيه عن تغطية هذه التكاليف فيُساهم في تدبير أمور معيشته.
ومثل هذه الأعلاف من الميزات النسبية التي تتّسم بها محاصيل مثل الذرة والفول السوداني وفول الصويا واللوبيا بأنواعها مثل العدسية والكردفاني وغيرها؛ ويعتمد مزارعو الذرة بمشروع الجزيرة، على عائدها أكثر من اعتمادهم على عائد المحصول نفسه في بعض الأحيان. بَيْد أنّ جلال فَقَدها هذا العام، وها هو ينظر حائراً إلى العلف الذي كان يتسابق عليه مربّو الماشية في سابق الأزمان، يتراكم الآن في جنبات حوّاشته وقد كسد سوقه وبار.
يعزو جلال في حسرة سبب عزوف الناس عن شراء العلف، إلى التناقص الحاد في أعداد الماشية التي نالها ما نالها من النهب بأيدي قوات الدعم السريع، أو النفوق بسبب الأمراض التي كان علاجها قبل الحرب ميسوراً، أو لعدم توفر المياه، أو بسبب اضطرار بعض المُربّين لترك ماشيتهم دون رعاية.
ليس جلال وحده، الذي يحار في بوار سلعته؛ فما تمرّ بشوارع مشروع الجزيرة هذه الأيام، إلا ويلفتُ نظرك منظر الحوّاشات الملأى بأكوام سيقان الذرة، مرصوصة بانتظام وموزّعة على أجزاء الحواشة، وهي تلمع بلونها الذهبي، بعد أن كانت يانعة خضراء تسرّ الناظرين، وقد أكسبتها الشمس الآن جزءاً من لونها. ورصّها على هذا النحو هو طريقة عرضها تجارياً في انتظار زبون قد لا يأتي.
ويعزو جلال في حسرة، لمراسل «أتَـر» سبب عزوف الناس عن شراء العلف، إلى التناقص الحاد في أعداد الماشية التي نالها ما نالها من النهب بأيدي قوات الدعم السريع التي كانت تسيطر على منطقته بالجزيرة منذ ديسمبر 2023 وحتى مارس من العام 2025، أو النفوق بسبب الأمراض التي كان علاجها قبل الحرب ميسوراً، أو لعدم توفر المياه، بعد أن دُمّرت شبكة ري مشروع الجزيرة، أو بسبب اضطرار بعض المُربّين لترك ماشيتهم دون رعاية أثناء نزوحهم من قراهم وكنابيهم. إنّ شهوراً من الحصار، كادت أن تقضي على القطيع بولاية الجزيرة. «وإنْ تعدّدت أشكال تدمير قطاع الثروة الحيوانية، إلا أنّ السببَ واحدٌ، وهو حرب 15 أبريل»، كما يقول عمر الكريل، مربي الماشية بقرية سليم، بشمال الجزيرة.
ولم يكن جلال وصحبه من المزارعين بغافلين عن هذا التناقص في أعداد الثروة الحيوانية. إنهم يلمسون آثاره في حياتهم يومياً، بينما ترتفع أسعار اللحوم والحليب على نحو جنونيّ بعد أن كانت تحافظ على قيمها الثابتة. وهم ينظرون من حولهم، يعون تدريجياً أنهم قد فقدوا شيئاً كان جزءاً من حياتهم حتى وقت قريب، وأمامهم تتناثر الأعلاف بأنواعها هنا وهناك، وتتحسّر مثلهم، إذ لا تجدُ حيواناً يأكلها.
![]()
تُقطع سنابل الذرة بآلة حديدية تُسمّى «القطّاعة»، أو بالمنجل، وتُترَك لتجف لمدة 8 إلى 10 أيام، ويجمعها عمّال القطع في موضع واحد يُسمّى «التَّقَا». ويقطعون أيضاً سيقان الذرة التي تُسمّى «القصب» بالساطور، ويتركونها لتجفّ ثم يجمعونها بعد جفافها في موضع يُسمّى «الدكة». وتُباع السيقان إلى مربّي الماشية الذين يستخدمونها علفاً لماشيتهم في أوقات الجفاف وبداية الخريف، بعد تخزينها في الشتاء. ويقوم بعمليات قطع السنابل والسيقان وتجميعها عّمال موسميّون من الجزيرة، ويأتي آخرون من خارجها، ويعملون بنظام «المقاولة» بالاتفاق على سعر مُعين.
في آونة سابقة، كانت سيقان الذرة مورداً مهمّاً في اقتصاد العملية الزراعية، لا يقلّ أهمية عن المحصول نفسه، وقد ارتفع الطلب على الأعلاف بفعل تزايد أعداد الثروة الحيوانية قبل الحرب، وباتت سلعة تجارية تخضع لقانون العرض والطلب؛ ففي الأوقات التي يرتفع فيها الطلب على الأعلاف، كان المزارعون ينعمون بزيادة في الأموال تساعدهم في التحضير للموسم الشتوي مثلاً، أو شراء أثاث جديد للمنزل أو حتى ملابس لأطفال صغار، وكانت وسيلة فعّالة في تحسين حياتهم، بخاصة في الفترات التي يقلّ فيها مستوى تساقط الأمطار، حين تكفّ الحشائش عن الإنبات جيداً، فتجوع الحيوانات ما يرفع من الطلب على سيقان الذرة ومخلّفات الفول السوداني واللوبيا العدسية وفول الصويا. كذلك كان في مستطاع المزارعين أن يستدينوا من أصحاب المواشي، مقابل إعطائهم العلف نهاية الموسم.
وفي وقت حصاد الذرة بالجزيرة، كانت الولاية تشهد حركة تجارية دؤوبة، والشاحنات الكبيرة «اللواري» المحمّلة بالأعلاف تتحرك جيئةً وذهاباً من الجزيرة نحو ولاية الخرطوم وسهل البطانة. وكانت حظائر تربية المواشي بالخرطوم تستهلك 40% من أعلاف المشروع، وتستهلك ماشية سهل البطانة 20%، بينما يُباع المتبقي للماشية المحلية بالجزيرة، حسب تقدير عضو بالغرفة التجارية بالجزيرة تحدّث لمراسل «أتَـر».
وفي الموسم الماضي، وبرغم الظروف الصعبة التي كانت تعيشها الجزيرة تحت ظل الحرب، زرع جلال مساحة 8 أفدنة من الذرة، وباع متبقي محصولها لأحد مربي الأبقار، بواقع مليونَي جنيه لمساحة 4 أفدنة، دفع منها 600 ألف جنيه سوداني للعمّال الذين تولّوا قطع سنابل الذرة وجمعها و200 ألف لصاحب الحاصدة الذي حصد له محصوله، و100 ألف جنيه لترحيل محصوله من الحوّاشة إلى المنزل، وقضى من المتبقي ديناً سابقاً لصاحب محل تجاري يبيع الأسمدة بالحصاحيصا، كان قد استدان منه أسمدة للذرة، وتبقى له ما ساعده في شراء مستلزمات لأسرته ومواد غذائية.
في آونة سابقة، كانت سيقان الذرة مورداً مهمّاً في اقتصاد العملية الزراعية، وارتفع الطلب على الأعلاف بفعل تزايد أعداد الثروة الحيوانية قبل الحرب، وباتت سلعة تجارية تخضع لقانون العرض والطلب؛ ففي الأوقات التي يرتفع فيها الطلب على الأعلاف، كان المزارعون ينعمون بزيادة في الأموال تساعدهم في التحضير للموسم الشتوي مثلاً، أو شراء أثاث جديد للمنزل أو حتى ملابس لأطفال صغار.
يقول لطفي هاشم، المزارع بمكتب الريّان بقسم وادي شعير، إنّ المزارعين كانوا يعوّلون في سابق الأوان على «القصب» أكثر من المحصول نفسه، فإذا حدث وأكل الطير سنابل الذرة استطاع المزارع تعويض الخسارة من بيع القصب، «لكننا الآن، نفقد عائد الذرة والقصب معاً، فقد انخفضت أسعار الذرة بعد الحصاد حتى بعنا الجوال زنة 100 كيلو بسعر يتراوح بين 80 و90 ألف جنيه، وهو سعرٌ لا يغطي تكلفة الإنتاج، بينما كسد سوق القصب»، يقول هاشم.
ويقول متوكل جبارة الشريف، المزارع بقسم ود حبّوبة، متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، إنّ هذه الفترة كانت تشهد في السابق حركةً دؤوبةً داخل الحقول، حيث يتجوّل أصحاب الشاحنات داخل الطرق الترابية وسط الحقول لشراء «القصب» وتحميله عبر الطريق المُسفلت الذي يربط منطقته بمدينتي ود مدني والخرطوم. وأشار إلى أن منافسة كانت تحدث بين التجّار القادمين من مناطق شتى وأصحاب المواشي المحليين، ما يؤدّي إلى رفع أسعار السلعة، فيعود بالنفع على المزارع. وشأنه شأن جلال، هو ذا الشريف ينظر متحسّراً إلى قصبه ولا يجد من يشتريه وهو في عزّ الحاجة المالية.
في 25 يونيو 2024 كان الضو ناصر (55 عاماً) يَرعى مُراح أغنامه البالغ 500 رأس بالقرب من قريته «كترة الجديدة» بريفي أبوقوتة، قبل أن تهجم عليه مجموعة من قوات الدعم السريع، وتأخذ منه جميع ماشيته عنوة دون أن تترك له منها ما يسقي صغاره كوباً من حليب. وناصر، الذي كان يحتفظ ببقايا محاصيل حوّاشته جميعها، ويشتري فوق ذلك إنتاج 10 إلى 14 فداناً من العلف لماشيته في بداية الشتاء، مُدّخراً إياها لموسم الجفاف؛ بات هو الآن نفسه في حاجة لمن يشتري منه بقايا محاصيله.
وفي ديسمبر من العام 2024، أعلن «مؤتمر الجزيرة»، وهو كيان مدني غير حكومي، يُعنى برصد انتهاكات قوات الدعم السريع، في تقرير بالأرقام اطّلع مراسل «أتَـر» على نُسخة منه، أنّ قوات الدعم السريع قد نهبت 60% من الأبقار والماعز والضأن والجمال وقضت على قطاع الدواجن بولاية الجزيرة، مُشيراً إلى أنّ خسائر الثروة الحيوانية تُقدّر بنحو 3,5 مليار دولار، غير شاملة قطاع الدواجن. وقدّر التقرير، جملة الثروة الحيوانية في ولاية الجزيرة بحوالي 11,000,000 رأس قبل سيطرة الدعم السريع على الولاية.
وذكر تقرير مؤتمر الجزيرة، أنّ جنود الدعم السريع الذين نهبوا قطعان الثروة الحيوانية من مناطق شرق الجزيرة في محليتي شرق الجزيرة وأم القرى، على خلفية انسلاخ قائد الدعم السريع بولاية الجزيرة أبو عاقلة كيكل وانضمامه إلى الجيش في أكتوبر من العام الماضي، قد عبَر بها جسر الحصاحيصا نحو وسط وغرب ولاية الجزيرة وجسر المنشية بولاية الخرطوم.
بدلاً عن الاستفادة من عائد بيع العلف، لمُجابهة تكاليف زراعة محصول الذرة، فإنّ ابتسام أحمد طلب، ستَلجأ تحت ضغط الحاجة إلى بيع جزء من محصول «الذرة» الذي حصدته هذا العام، وهو خيار لا تحبّذه ابتسام، وتتخوّف من تأثيره على أمنها الغذائي، إذ إنها غالباً ما كانت تدّخر محصول الذرة ليكفيها بقية العام.
وقال الأمين العام لمؤتمر الجزيرة، المُبِرّ محمود، لمراسل «أتَـر»، إنّ تقريرهم مُستمَدّ من الأرقام الرسمية لوزارة الزراعة والثروة الحيوانية بولاية الجزيرة، ولفت إلى أنهم عمدوا للاتصال بشعبة مُصدِّري الماشية بالجزيرة، والغرف التجارية، كاشفاً عن تلقّيهم إفادات صادمة من مُربّي الماشية والدواجن بالجزيرة، حول النهب والتجريف الذي تعرّضت له قطعانهم ومَزارعهم، كما كشف عن أنّ الأرقام، برغم ضخامتها، لا تعكس حجم الفقد في قطاع الثروة الحيوانية بالجزيرة. ولفت إلى أنهم عند جمع مادة التقرير بحثوا عن الحقيقة في مظانّها، وقال: «تواصنا مع مُربّين ومنتجين، وصُدمنا من هول ما فقدوه».
ولم يَسلم المحصول نفسه «حبوب الذرة» من تأثير تناقص أعداد الثروة الحيوانية؛ ففي السابق كانت الذرة علفاً أساسياً تستهلكه الدواجن، وكان قطاع الدواجن بولايتي الجزيرة والخرطوم، يستهلك 30 ألف طن سنوياً، بحسب الطاهر جبر الدار، أحد مُلاك مَزارع الدواجن بولاية الخرطوم، والمُقيم حالياً بالقاهرة، والذي قال لمراسل «أتَـر»، إنّ انتعاش قطاع الدواجن كان يُسهم في زيادة الطلب على الذرة التي تُستخدم علفاً أساسيّاً في غذاء الدواجن، ما يؤدّي إلى رفع أسعارها، ويعود بالنفع على منتجيها.
وأفاد تقرير مؤتمر الجزيرة بأنّ مَزارع الدواجن قد نُهبت بنسبة 100%، بما في ذلك المَزارع الكبيرة، وهي مزرعة ميكو، ومزرعة قرطبة، ومزرعة بحري الجزيرة، ومشروع أسعد نان للدواجن، التي بلغت سعتها معاً 320 ألف فرخة في الدورة الواحدة. وبلغت سعة مزارع الدواجن المتوسطة بالجزيرة (32 مزرعة) 100 ألف فرخة للدورة الواحدة، بينما بلغت سعة 340 مزرعة صغيرة للدورة الواحدة ما يتراوح بين 10 آلاف و50 ألف فرخة.
وتَترُك الذرة بعد حصادها مخلّفاتٍ تُسمَّى محلياً «السِّيوة» أو«الصميمة»، وهي غشاء يُغلّف حبيبات الذرة تستأصله منها الحاصدة أثناء عملها في فرز الذرة، فيعبّئه المزارعون في جوالات ويبيعونه لأصحاب الشاحنات الكبيرة والمتوسّطة، الذين يبيعونه بدَورهم لمصانع إنتاج العلف، فتتولّى هذه معالجته ليصبح علفاً للدواجن. وكان الجوال الواحد من هذا النوع يُباع قبل الحرب بسعر 3 إلى 5 آلاف جنيه سوداني، بَيد أنها الآن أصبحت لا تجد من يطلبها.
وبدلاً عن الاستفادة من عائد بيع العلف، لمُجابهة تكاليف زراعة محصول الذرة، فإنّ ابتسام أحمد طلب، المزارعة بقسم ري المَسَلّمية وسط الجزيرة، ستَلجأ تحت ضغط الحاجة إلى بيع جزء من محصول «الذرة» الذي حصدته هذا العام، وهو خيار لا تحبّذه ابتسام، وكان يكفيها شرّه في الماضي بيع سيقان الذرة، وتتخوّف من تأثير ذلك على أمنها الغذائي، إذ إنها غالباً ما كانت تدّخر محصول الذرة ليكفيها بقية العام. وتقول لمراسل «أتَـر» إنها مضطرّة لبيع جزء من محصولها، حتى تتمكّن من سداد تكاليف تحضير الأرض وعمليات حصاد المحصول حتى ترحيله. وأضافت: «ربما يستهلك هذا نصف الذرة التي حصدتُها هذا العام، ولو كان أحدٌ اشترى قصبي لما لجأت إلى ذلك مطلقاً»، هكذا قالتها بحسرة وألم.
يتخوّف خبراء زراعيّون من أنّ مكوث بقايا المحصول في التربة لفترات طويلة يجعلها عرضة للإصابة بالأمراض، ما يُقلّل من خصوبة التربة.
ومع تطوّر موسم الزراعة وتزايُد تكاليفها، يذهب بعض المزارعين، كجبريل البشير فضل، المزارع بقسم الترابي بشمال الجزيرة، للتعاقد «عُرفياً»، أو بتوثيقٍ من مسؤول محلّي، مع أصحاب الماشية أو تجّار هذا النوع من العلف، لاقتراض مبلغ من المال، يُعدّ بمثابة عُربون، حسب ما هو متعارَف عليه بينهم، فيُحجَز العلف في وقت الحصاد لمن أقرَض المال، وكان ذلك جزءاً من علاقات إنتاج بين المزارعين وأصحاب الماشية والتجّار، ينعكس في نهاية الأمر نفعاً لثلاثتهم.
ويتخوّف خبراء زراعيّون من أنّ مكوث بقايا المحصول في التربة لفترات طويلة يجعلها عرضة للإصابة بالأمراض، ما يُقلّل من خصوبة التربة. ويقول الخبير الزراعي معتصم طه، لمراسل «أتَـر»، إنّ بقاء سيقان الذرة في الأراضي الزراعية، دون أن يتناولها حيوان، مع تأثيرها البالغ على الأوضاع الاقتصادية للمزارعين، يؤثّر كذلك على التربة في المستقبل، إذ إنها ستكون مصدراً لجلب الفطريات الضارّة للتربة إذا لم تُعامَل على نحو سليم، وقال: «قد يلجأ المزارعون للتخلّص منها عن طريق الحرق، لكن لهذا أيضاً مضار على التربة».
وفي محلية المناقل، يعمل مزارعو الفول السوداني على تعبئة أوراق وسيقان الفول بعد حصاده في جوالات فارغة من البلاستيك والخيش، وهذا النوع من الأعلاف يُسمّى محلياً في الجزيرة «التِّبِنْ»، لكنهم يعانون من مصير مماثل لمصير مزارعي الذرة.
وفي الفترة الأخيرة، شهد مشروع الجزيرة توسّعاً كبيراً في زراعة «اللوبيا العدسية»، وهي شبيهة بالفول السوداني والذرة من ناحية المخلفات التي تعدّ سبباً أساسياً يشجّع المزارعين على زراعتها لعائدها التجاري. ويتخوّف مزارعون مثل الهادي عبد القادر الزبير، المزارع بمكتب فحل بوسط الجزيرة، من أنّ قلة أعداد الماشية، ستؤدّي إلى توقّف الطلب على «التبن» ما يحرمهم من ميزة اقتصادية مهمة. ويقول لمراسل «أتَـر»: «كنا سابقاً نُخزّن العدسية ونتصرّف بالتبن كل صيف، ولا ندري كيف سيكون حالنا هذا الصيف».
وفي ما مضى، كان هذا النوع من التجارة، يستوعب قطاعاً عريضاً من المواطنين بالجزيرة، مثل أصحاب وسائقي الشاحنات الكبيرة «اللواري والدفّارات» أو الشاحنات الصغيرة «البكاسي»، ولهم وكلاء في قرى مشروع الجزيرة، يشترون لهم احتياجات السوق، وعمّال من العتّالة يعبّئون هذه الأعلاف ويشحنونها في شاحنات تنقلها نحو الخرطوم والأسواق الكبرى بالولاية. يقول فضل المولي دكين، من منطقة تمبول، لمراسل «أتَـر»: «كنت أملك شاحنةً أنقل بها القصب وتبن الفول السوداني والعدسية، وأذهب بها إلى زرائب الماشية في منطقة جبرة بالخرطوم، وكنت أنقل شُحنة كل يوم، إذ أذهب بها صباحاً وأقفل راجعاً في المساء، لتحميل شحنة الغد، وكان يعمل معي بالشاحنة 5 أفراد، جميعهم الآن فرّقتهم الحرب وأوقفت عملي».
وكان المزارعون بالجزيرة ينتظرون، وصول قُطعان الماشية التي تعبر جِسر رفاعة – الحصاحيصا، على النيل الأزرق قادمة من شرق الجزيرة والبطانة، ويشكّل قدومها مقدم خيرٍ على المزارعين هناك، إذ يُقبلون على شراء بقايا المحاصيل بأسعار عالية، ويزيدون من حمّى التنافس المشتعلة بين التجّار، الذين يذهبون إلى الخرطوم وشمال السودان، ومربّي الماشية المحليين. ويقول النعيم محمد أحمد، مالك أغنام وضأن وإبل، كان يذهب بها في رحلة سنوية، نحو أراضي مشروع الجزيرة، من مسقط رأسه في صفيتة الغنوماب، بريفي تمبول، قاطعاً بها جسر رفاعة – الحصاحيصا، متحدثاً لمراسل «أتَـر»، إنّ ماشيته التي اعتادت سنوياً أن تقطع الجسر رائحةً في شهر نوفمبر وغاديةً في شهر يونيو مع بدايات تباشير الخريف بشرق الجزيرة، قطعت الجسر في أكتوبر من العام 2024، للمرة الأخيرة نحو وجهةٍ لم يعرفها أحمد، بَيد أنه يعرف جيداً مقدار الحسرة والألم الذي ألمّ به جرّاء فقدها، الذي يتعاظم كلّ يوم. ويقول: «قطعَت ماشيتي الجسر هذه المرة، ولم تعد أبداً». وقال: «في ذلك الزمان النديّ، كنّا نتوغل في الجزيرة مع بداية الشتاء، ونغادرها في بداية «الرُّشاش» وهو الأمطار الخفيفة التي تسقط إيذاناً ببدء موسم الأمطار، عند أهل وسط السودان».



