أعلن بنك السودان المركزي مطلع العام 2026 عن سياساته المالية والنقدية الجديدة، متضمّنةً حزمة إصلاحات مصرفية جوهرية ومحاور لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. شملت أولويات السياسة النقدية إصلاح الجهاز المصرفي وضمان استمرارية عمله وتقوية نظم الدفع، وتعزيز الشمول المالي، وخفض معدل التضخم ومرونة واستقرار سعر الصرف، وتحسين إدارة العملة الوطنية. يضمّ النظام المالي في السودان 37 بنكاً، وعدداً محدوداً من المؤسسات المالية غير المصرفية، وتستحوذ أربعة بنوك مملوكة للدولة على نحو 14% من إجمالي الأصول المصرفية، بينما تملك سبعة بنوك أجنبية قرابة 23% من الأصول. وتأتي هذه الخطوات الإصلاحية في ظل أوضاع اقتصادية حرجة، كبّدت القطاع المصرفي خسائر جسيمة خلال حرب أبريل 2023، فأغلقت أكثر من 70% من فروع البنوك، وتعطّلت السيولة المصرفية والاحتياطيات النقدية، وتراجعت الودائع، وتآكلت الثقة في النظام المصرفي. حول هذه السياسات النقدية ومدى فاعليتها في تحقيق أهدافها، استطلعت «أتَـر» آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين السودانيين.
يُشير المصرفي والأستاذ الجامعي د. إبراهيم عبد الرحمن، إلى أنّ السياسة النقدية للعام 2026، اتّسمت بطابع توسّعي محسوب، ويرى أنّ «استهداف نموّ اسميّ في عرض النقود بنسبة 47.6%»، الوارد في الأولوية الثالثة، يعكس محاولةَ ضخّ السيولة بهدف تحفيز النشاط الاقتصادي في مرحلة التعافي، لكنّه يتساءل في الوقت ذاته حول مدى انسجام هذا النمو النقدي الكبير مع هدف كبح التضخّم عند 65%. ويُشير إبراهيم إلى أن نجاح هذه المعادلة الدقيقة مرهون بقدرة البنك المركزي على إدارة السيولة بحذر، حتى لا يتحوّل التوسّع النقدي إلى وقود لموجة تضخّمية جديدة. كما يثمّن تركيز السياسات على تعزيز جانب العرض من النقد الأجنبي عبر ضبط حصائل الصادرات وإلزامها بالمرور عبر القنوات الرسمية، مؤكّداً أنّ السيطرة على سوق الصرف الموازي وضمان توفر العملات الصعبة في السوق الرسمي، سيكون عاملاً حاسماً في استقرار الجنيه السوداني ودعم قطاع الصادرات.
بينما تُشدد الخبيرة في البنك الدولي والمتخصّصة في السياسات الاقتصادية د. زحل النور، على أنّ نجاح السياسة النقدية الجديدة يَعتمد على الالتزام الصارم بالانضباط المالي والنقدي. تقول لـ«أتَـر»: «إنّ تحقيق توازن دقيق بين نمو عرض النقود وكبح التضخّم يتطلب تنسيقاً وثيقاً بين البنك المركزي ووزارة المالية، فتحديد معدل تضخم عند 65%، في ظلّ عجز مالي مستمرّ، يعني أنّ على السلطة النقدية كبح جماح تمويل الحكومة بالعجز عبر طباعة النقود، وإلا فإنّ أي توسّع نقدي غير مدروس سيفاقم الضغوط التضخّمية ويقوّض مستهدفات الاستقرار».
وحول سياسات التمويل المصرفي التي استهدفت قطاع الصادر والقطاعات الإنتاجية ومشروعات إعادة الإعمار والسكن الشعبي والفئوي والطاقة الشمسية والأدوية والأجهزة الطبية، باستخدام صيغ تمويل عدة، توضح زحل أنّ تصميم التمويل وفق حصص اجتماعية محدّدة من شأنه أن يعزّز العائد التنموي في سياق هشّ، مشيدةً ببند «تخصيص نسبة من التمويل الأصغر للشباب والنساء ورواد الأعمال»؛ وتؤكّد أهمية استمرار تمويل التعاونيات الحِرَفية والزراعية والأشخاص ذوي الإعاقة والمتأثرين بالحرب عبر صيغ ميسّرة، باعتبارها قنوات سريعة لإعادة الدخل وتعافي المجتمعات المحلية.
من جانبه، يركّز المصرفي المخضرم عمر الأمين على محور إصلاح الجهاز المصرفي شرطاً أساسياً لنجاح أي سياسة نقدية، مشيراً إلى أنّ القطاع المصرفي السوداني يمرّ بمرحلة إعادة بناء جذرية بعد الأضرار البالغة التي لحقت به خلال فترة الحرب، لذلك وضعت سياسات 2026 إطاراً واضحاً لإعادة الهيكلة وتحصين الجهاز المصرفي من الصدمات واستعادة ثقة المودعين والمستثمرين، من خلال تصنيف المصارف إلى فئات حسب ملاءمتها المالية، ورفع كفاءتها وتعزيز متانتها المالية وتحسين مؤشرات السلامة المالية والامتثال لمعايير بازل الدولية للرقابة المصرفية، إضافة إلى إجراء اختبارات ضغط منتظمة لمخاطر السيولة وتطوير نظم إنذار مبكر للتدفقات النقدية. وعن خيار دمج أو تصفية المصارف الضعيفة ضمن الخطط الإصلاحية، يرى الأمين أنها خطوة صحيحة ومطلوبة، إذ لا يمكن تحقيق استقرار نقدي دون مصارف قوية، شريطة أن يرافقها إصلاح حقيقي لمجالس الإدارات، «لأنّ دمج مؤسسات ضعيفة من دون معالجة أسلوب إدارتها يعني عملياً نقل المشكلة من كيان صغير إلى كيان أكبر».
ويرى الأمين أن هذه الإجراءات ستخلق بيئة أكثر استقراراً لتطبيق أدوات السياسة النقدية بكفاءة، منبهاً إلى أنّ دَور البنك المركزي باعتباره ملجأ أخيراً، عبر توفير سيولة طارئة للمصارف عند الحاجة، سيكون اختباراً فعلياً لقدرة السياسات على احتواء الأزمات المفاجئة ومنع تفاقمها.
أمّا الخبير الاقتصادي د. حسام إسماعيل، فإنه يشيد بالتوسّع في التحول الرقمي الذي تبنّته السياسات، إذ دعت إلى تبسيط إجراءات فتح الحسابات وربطها بالرقم الوطني والتوسّع في خدمات الدفع الإلكترونية، قائلاً: «إنّ رقمنة الخدمات المالية ستزيد من كفاءة النظام النقدي وتقلّل التكلفة والمعاملات النقدية خارج النظام المصرفي، ما يعزّز فاعلية السياسة النقدية في السيطرة على السيولة».
حول «استهداف متوسط سنوي للتضخم في حدود 65% للعام 2026»، الوارد في الأولوية الثالثة، يقول د. حسام لـ«أتر»: «إنها مقاربة لا يمكن فصلها عن التحوّلات المنهجية التي طرأت على احتساب مؤشر الأسعار منذ 2020، إذ خضعت سلّة التضخم وأوزانها لتعديلات متكررة أثّرت على قراءة الاتجاه الحقيقي للأسعار». ويشير إلى وجود توتّر واضح بين هدف كبح التضخّم وأهداف السياسة النقدية التي تحمل طابعاً توسّعياً، خاصة مع استهداف نمو عرض النقود بنسبة 47.6%، وهو مستوىً يراه مبرَّراً من زاوية إعادة الإعمار وتمويل عودة النشاط الاقتصادي، «لكنه محفوف بمخاطر تضخمية في بيئة ضعيفة الإنتاجية»، على حدّ قوله.
ويرى د. حسام أنّ التحدي الجوهري لا يكمن في التوسّع النقدي بحدّ ذاته، إنما في كيفية تمويله دون اللجوء إلى الطباعة المباشرة، خصوصاً مع تنامي متطلّبات الإنفاق العام وإعادة التشغيل. ويؤكّد أنّ نجاح السياسة النقدية في هذا المسار يعتمد على قدرة البنك المركزي على فصل التوسّع الائتماني المنتج عن التوسّع النقدي غير المغطى، وضبط قنوات التمويل بما يمنع انتقال الصدمة النقدية إلى أسعار السلع والخدمات خلال 2026.
