ظلَّ إقليم دارفور في عُزلةٍ عن الشبكة القومية للكهرباء، ولم تجد ولاياته الخمس بدّاً من الاعتماد على التوليد الحراري. في حرب أبريل تعرّضت خطوط نقل الكهرباء لأضرار بالغة، من سقوطٍ للأعمدة وسرقة للأسلاك الكهربائية، ما أدّى إلى انهيار الشبكة كلياً، دون وجود خطوط طوارئ أو تغذية بديلة، لتغرق مدن الإقليم في الظلام الدامس الذي بات ضيفاً دائماً على البيوت والطرقات.
ومنذ اندلاع حرب أبريل، عاشت مدينة نيالا، حاضرة ولاية جنوب دارفور، انقطاعاً كاملاً للتيار الكهربائي. كان محيي الدين سليمان، أحد مواطني نيالا شاهداً على هذا الانقطاع الذي عاشه وأُسرته لفتراتٍ طويلة. يقول في حديثه لـ«أتَـر»، إنّ أمسياتهم كانت تمرّ على ضوء الشموع، وسَعَت والدته جاهدةً إلى حفظ الطعام من التلف، مُستخدمةً «المُشْلَعِيب»، وهو من الوسائل التقليدية لحفظ الطعام، بخاصة في أوقات غياب الكهرباء. ومع استمرار الأزمة، وطوال فترة انتظار عودة التيار الكهربائي، أدركت الأسرة أنّ الاعتماد على الشبكة العامة لم يعد خياراً متاحاً. وبعد نقاشاتٍ مطوّلة، قرّرت الأُسرة اتخاذ خطوة لإنهاء هذه المُعاناة، فجمعت مدّخراتها واشترت منظومةَ طاقةٍ شمْسيَّة بتكلفةٍ بلغت نحو أربعة ملايين جنيه سوداني.
«إنه مبلغ كبير على ميزانيتنا، لكنه كان الخيار الوحيد المتبقي»، يقول محيي الدين، ومن ثمّ يضيف: «بعد تركيب الألواح الشمْسيَّة على سطح المنزل، تغيّرت حياة الأسرة نسبياً. عاد الضوء إلى البيت، وتمكّنّا من تشغيل بعض الأجهزة الأساسية». بَيد أنّ محيي الدين يؤكّد أنّ ما حدث مع أسرته لا يمثل سوى استثناء في مدينة تعاني أغلبية سكّانها من العتمة.
بحسب مصدر فنّي بإدارة الكهرباء بولاية جنوب دارفور تحدث لـ«أتَـر»، مفضّلاً حجب اسمه، فإنّ ولايات دارفور باتت تعتمد حالياً على الطاقة الشمْسيَّة كلياً مصدراً بديلاً للطاقة، بعد أن كانت تعتمد في السابق على كهرباء التوليد الحراري؛ إلا أنّ هذا التحوُّل نفسه جاء اضطرارياً وليس ضمن خطة مدروسة، ما فاقم معاناة المواطنين والقطاعات الحيوية.
وتُعاني منظومة الكهرباء في السودان منذ سنوات من اختلالات هيكلية عميقة، أبرزها الاعتماد الكبير على التوليد الحراري للكهرباء، الذي تراجع خلال فترة الحرب إلى أقل من 1500 ميغاواط، نتيجة تعطل المحطّات وخروج عدد كبير منها من الخدمة بسبب الاستهداف المباشر أو شحّ الوقود وقطع الغيار، وهو ما تزامن مع اندلاع حرب 15 أبريل 2023 واتساع رقعة العمليات القتالية من الخرطوم إلى إقليم دارفور ثم ولاية الجزيرة، مفضياً إلى انقطاع كامل أو شبه كامل في التيار الكهربائي عن مناطقَ واسعة، بما فيها مدن رئيسة في دارفور مثل نيالا والفاشر والجنينة وزالنجي.
بحسب مصدر فنّي بإدارة الكهرباء بولاية جنوب دارفور تحدث لـ«أتَـر»، مفضّلاً حجب اسمه، فإنّ ولايات دارفور باتت تعتمد حالياً على الطاقة الشمْسيَّة كلياً مصدراً بديلاً للطاقة، بعد أن كانت تعتمد في السابق على كهرباء التوليد الحراري؛ إلا أنّ هذا التحوُّل نفسه جاء اضطرارياً وليس ضمن خطة مدروسة، ما فاقم معاناة المواطنين والقطاعات الحيوية.
وأوضح المصدر أنّ محطّات الكهرباء تأثرت على نحوٍ بالغ، إذ سُرقت أغلب المحوّلات، إلى جانب التخريب الذي طال البنية التحتية. وكانت هذه المحطّات تعمل سابقاً بالديزل و«الفيرنس» وهو ما يُسمّى أيضاً بزيت الوقود الثقيل، ويُستخدَم في المصانع، وفي محطّات توليد القدرة الكهربائية. كان الديزل والفيرنس يُنقلان عبر القطار، غير أنّ توقف حركة القطارات بالكامل وصعوبة الحصول على قطع الغيار «الإسبيرات»، جعلَا إعادة تشغيل المحطّات أمراً شبه مستحيل.
تعتمد الخدمات الطارئة في المراكز الصحيّة على المولدات الكهربائية، وتتحمّل الأُسر أعباءً إضافية. ويجري تشغيل بعض المرافق الصحّية، مثل مركز غسيل الكُلى، عبر مولّدات يُموَّل وقودها مباشرةً من جيوب المرضى؛ كما اضطرّت المسْتَشْفيات ومضخّات المياه وبعض المؤسسات الخدمية إلى تقليص ساعات العمل، بسبب الاعتماد على المولدات الكهربائية ذات التكلفة التشغيلية المرتفعة.
وقالت مواطنة من ولاية جنوب دارفور لـ«أتَـر»، إنّ جميع الخدمات الأساسية تعطّلت، بينما تعتمد الخدمات الطارئة في المراكز الصحيّة على المولدات الكهربائية، وتتحمّل الأُسر أعباءً إضافية. ويجري تشغيل بعض المرافق الصحّية، مثل مركز غسيل الكُلى، عبر مولّدات يُموَّل وقودها مباشرةً من جيوب المرضى؛ كما اضطرّت المسْتَشْفيات ومضخّات المياه وبعض المؤسسات الخدمية إلى تقليص ساعات العمل، بسبب الاعتماد على المولدات الكهربائية ذات التكلفة التشغيلية المرتفعة، في ظلِّ شُحّ الوقود وارتفاع أسعاره. وبات استمرار الخدمة في هذه المرافق مرهوناً بتوفر الديزل، ما زاد من هشاشة الوضع الصحّي والخدمي في المدينة.
وبحسب مصدر تحدّث لـ«أتَـر»، فإنّ عشرات المصانع في مدينة نيالا وحدها، قد تضرّرت بنحوٍ مُباشرٍ من توقف التوليد الكهربائي، ما أدَّى إلى انخفاض قُدرة الإنتاج على نحو بالغ نتيجة ارتفاع التكّلفة التشغيلية، الأمر الذي ألحق خسائر كبيرة بالقطاع الصناعيّ وهدد آلاف فرص العمل، بعد أن أضحى انقطاع التيار الكهربائي واقعاً يومياً لا فكاك منه.
وتقول المواطنة التي طلبت حجب اسمها، إنّ الأزمة أجبرت شرائح واسعة من الأُسر محدودة الدخل إلى تغيير أنماط معيشتها قسْراً؛ فبعض هذه الأُسر كانت تعتمد على الكهرباء في تشغيل أنشطة صغيرة مدرّة للدخل، بعد حصولها على قروض بنكيّة، بَيد أنّ انقطاع التيار الكهربائي أجبرها على إيقاف تلك المشاريع والتحوّل إلى أنشطة بديلة منخفضة العائد، مثل بيع الخضروات والفول السوداني «المَرَرُوه»، فقط لتأمين احتياجاتها اليومية.
![]()
تعكس أزمة الكهرباء في مدينة نيالا، اختلالاً هيكلياً ممتداً لسنوات، إذ شهدت انقطاعات متكرّرة وصلت في بعض الفترات إلى انقطاع كلي، كما حدث في نوفمبر 2020 وأبريل 2022، نتيجة أعطال فنيّة، وشُح الوقود، وتراكم مديونيات على الشركة التركية المُشغّلة، ما تسبب في تعطيل المستشفيات ومضخّات المياه والقطاعين الاقتصادي والخدمي، ودفع حكومة الولاية حينها إلى اتخاذ معالجات إسعافية شملت طلب إضافة وحدات توليد، ومقترح سداد مديونية الولاية للشركة التركية التي بلغت 100 ألف دولار، قبل أن تلتزم وزارة المالية الاتحادية لاحقاً بسداد نحو 5 ملايين دولار وتصفير المديونية. وفي عام 2022 وُقّع اتفاق لإنشاء محطّة طاقة شمْسيَّة بقدرة 100 ميغاواط ومحطّة حرارية مساندة بقدرة 60 ميغاواط بنظام (Build-Operate-Transfer- BOT) – نظام شراكة بين الحكومة والشركة، تبني الشركة وفقاً له المحطة ثمّ تشغلها وتتربح منها لفترة وتحيلها بعد ذلك للحكومة – وإنارة 30 كيلومتراً من طرق المدينة بالطاقة الشمْسيَّة، بَيد أنّ الهجمات المُسلّحة في مايو 2023 أعادت الأزمة مرةً أخرى بعد انقطاع دام خمسة أيام نتيجة تخريب خطوط النقل والتوزيع، ما يؤكّد أنّ كهرباء نيالا ظلّت رهينةَ مزيجٍ من الأزمات المالية والفنية والأمنية، دون حلّ جَذريّ ومستدام.
وبحسب المصدر الفنّي الذي تحدّث لـ«أتَـر»، شهدت المدينة، مع تصاعد الأزمة، تزايداً كبيراً في الطلب على أنظمة الطاقة الشمْسيَّة، غير أنّ هذا التحول لم يأتِ في إطار سياسة عامة أو خطَّة حكومية، إنما قاده التجّار وأُسر العسكريين المنتمين إلى قوات الدعم السريع، باعتبارهم الأكثر قدرةً على تحمّل التكْلِفة العالية لتركيب هذه الأنظمة. وحتى الآن، لم تتجه السلطة المدنية التابعة لقوات الدعم السريع إلى تنفيذ مشاريع لإنارة المدينة أو دعم حلول للطاقة، ليظلّ الاعتماد الكلي على أنظمة الطاقة التي تُجلب فرديّاً أو عبر محلات تجاريّة يملكها مهندسون وفنيّون داخل الأسواق لتلبية الطلب المتزايد.
تقول مآب الشريف، وتعمل في استيراد أنظمة الطاقة الشمْسيَّة لـ«أتَـر»، إنّ وحدات الطاقة الشمسية تصل إلى دارفور مباشرة من دولتي تشاد وليبيا عن طريق التهريب، الأمر الذي أدّى إلى تذبذب في أسعار أنظمة الطاقة من ولايةٍ إلى أُخرى. وتضيف أنّ مُعظم منظومات الطاقة الشمسية تُستورد من الصين، وبعضها من تُركيا، ومصر، وتختلف سِعاتها التخزينية بحسب حجم البطاريات المُرفقة مع ألواح الطاقة. وسابقاً كانت تُستخدم أنظمة الطاقة الشمْسيَّة في عمليات الرّي للمشاريع الزراعيّة، بَيد أنّ تَهالُك الشبكة القوميّة للكهرباء، والتدمير الذي طال محطات الكهرباء، جعل الطلب عليها كبيراً من جميع ولايات السودان، لتلافي انقطاع التيار الكهربائي.
محطة كهرباء الفاشر
المصدر: سونا
قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل، سعَت إدارة الكهرباء في ولاية شمال دارفور إلى توفير خيارات للطاقة البديلة، وأنْشأت محطّة كهرباء الفاشر للطاقة الشمْسيَّة، وتقع على بعد 13 كيلومتراً شرق المدينة، نفذتها شركة (توب قير)، بقُدْرة إنتاجية بلغت 5 خمسة ميغاواط، ودخلت الخدمة تدريجياً منذ عام 2018، وهي أوَّل محطة من نوعها في السودان، بهدف تقليل التكلفة التشغيليّة للتوليد الحراري وتوفير بدائل مستدامة، بَيد أنّ الحرب أفسدت تلك الخطط وأدخلت المدينة في حالة إظلام تام، وأنهت أي إمكان للتخطيط طويل الأمد في قطاع الطاقة، وتنمية إقليم دارفور.
وقال مهندس متخصّص في الطاقة الشمسية، وعمل سابقاً في تلك المحطة في مُقابلة مع «أتَـر»، إنّ نسبة التغطية بالكهرباء قد ارتفعت بعد دخول محطة الطاقة الشمْسيَّة للخدمة إلى أكثر من 95%، قبل أن ينخفض التوليد حالياً إلى نسبة الصفْر نتيجة الحرب، وخروج المحطّة من الخدمة، لتعمل حالياً في الإقليم أنظمة الطاقة الشمْسيَّة المملوكة للأفراد والمركّبة في المنازل أو في مناطق عمل المنظمات الإنسانيّة.
وبحسب حديث المهندس، توجد في مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور ثلاث محطات: محطة توليد حراري حكوميّة، ومحطة توليد حراري تابعة لشركة خاصة (تُركيّة)، ومحطة طاقة شمْسيَّة. هذه المحطات الثلاث مربوطة مع بعضها البعض، ومع أنّ المحطة الشمْسيَّة أسهمت في استقرار الإمداد الكهربائي نسبياً، إلا أن قُدرتها الإنتاجية لم تكن تستقرّ خلال فصل الخريف بسبب التغيرات في الإشعاع الشمْسيّ الناتجة عن السحب، إضافة إلى مشكلات فنيّة في خطوط النقل تتسبب فيها الطيور، والصواعق التي تؤدّي إلى قصور الدوائر وارتفاع الجهود الكهربائية.
ويرى المهندس أنه في ظِلّ الدمار الذي طال المحطّات نتيجة الحرب أصبح الحديث عن أيَّ خُطط طوارئ غير ممكن، إذ يتطلّب الوضع إعادة بناء منظومة الكهرباء بالكامل من محطَّات توليد وخطوط نقل ومحوِّلات وأنظمة تحكُّم، الأمر الذي انعكس على الخدمات الأساسية، لا سيّما القطاع الصحّي في تشغيل الأجهزة الطبية وحفظ الأدوية، وقطاع التعليم، وكذلك خدمات الاتصالات والإنترنت المعتمدة كلياً على الكهرباء.



