أتر

في أم درمان: البيت الجميل الذي بناه الشنواني

في يناير 2023 افتتح مجدي محمد أحمد الشنواني المركز الإنمائي لتطوير الفنون في بيت له بمحلية كرري، الثورة الحارة الثامنة، محطة شقلبان. أقام المركز عند افتتاحه معرضاً فنياً، ثمّ دورة تدريبية لتعليم التصوير الزيتي. بعدها سافر أبناء مجدي إلى أيرلندا ليكملوا تعليمهم مع والدتهم، ثمّ أغلق المركز مؤقتاً في رمضان الحرب. كان رمضان في حسبان مجدي إجازة قصيرة يعود بعدها ليستأنف النشاط الفني، لكن الشهر الكريم انتهى بحرب غيّرت كل شيء.

يحكي مجدي محمد أحمد الشنواني، 50 عاماً، عن علاقته القديمة بفنّ الرسم منذ الطفولة المبكرة، حين كان يضع الورق على رسومات المجلات محاولاً تقليد الشخصيات الكاريكتيرية والكارتونية. ومع الوقت لاحظ شغفه بالألوان وخاماتها واستمرّ بالرسم على طول مراحله الدراسية.

في بداية تسعينيات القرن الماضي، كان مجدي يدرس في إحدى مدارس البعثة المصرية التعليمية بالسودان، ويحلم بدراسة الطب، لكن تلك الفترة شهدت ذروة من التوترات السياسية بين مصر والسودان اعترضت عمل البعثة وآلت بالأمور إلى نقل مجدي وزملائه إلى المساق الأدبي لامتحان الشهادة السودانية. وفي عام 1994 التحق مجدي بكلية القانون، وكان ضمن أول دفعة بعد تأميم جامعة القاهرة فرع الخرطوم وتسميتها جامعة النيلين. وإنْ لم يَجد مجدي الطبّ الذي أحبّه، لكنه أحبّ في ما بعد الروحَ التي وجدها في القانون، وأثناء كل ذلك كان يرسم في المساحات الصغيرة التي سمحت بها الحياة. وبعد تخرّجه من الجامعة، تزوّج وبدأ العمل في السوق حيث جرّب كثيراً من المجالات التجارية وأصبحت شغله الشاغل، وأنجب ولدين وبنتاً.

حينها أدرك مجدي أن لديه كثيراً من وقت الفراغ، وتذكّر ما كان يفتقد فبدأ الرسم فوراً. بعد انقطاع دام 20 عاماً، توقّع أن تكون مهاراته في الرسم قد تضاءلت أو ربما انعدمت، لكنه فوجئ بمستوى أعلى من توقّعاته. يعزو مجدي هذا التطوّر الفني إلى عملية التغذية البصرية التي تعرض لها طوال سنواته السابقة.

ومع بداية فترة تراكم المسؤوليات عليه حوالي عام 2000 انقطع مجدي تماماً عن الرسم، لكنّ هنالك شيئاً ما في نفسه لم ينقطع. يحكي مجدي أنه كان يتأمّل كثيراً في المناظر الجميلة، ويتوقّف أحياناً في منتصف الطريق ليحظى بوقت قصير من التأمل، ومن ثم يعاود المشي من جديد.

في بداية عام 2020 توقّف العالم عن الدوران إذ انتشرت جائحة كورونا، وأعلنت ولاية الخرطوم اكتشاف أول حالة إصابة في 22 أبريل. وبسبب الاحترازات الصحية آنذاك توقّفت حركة مجدي ومكث مع أسرته في منزله في حي أب روف وسط أم درمان.

حينها، في لحظة ما، أدرك مجدي أن لديه كثيراً من وقت الفراغ، وتذكّر ما كان يفتقد فبدأ الرسم فوراً بما لديه من مواد بسيطة. بعد انقطاع دام 20 عاماً، توقّع أن تكون مهاراته في الرسم قد تضاءلت أو ربما انعدمت، لكنه فوجئ بمستوى أعلى من توقّعاته، بل يعتقد أنه مستوى أعلى من آخر مرة رسم فيها قبل انقطاعه. يعزو مجدي هذا التطوّر الفني إلى عملية التغذية البصرية التي تعرض لها طوال سنواته السابقة.

رسم مجدي لوحة عصفور أخضر على خلفية خضراء، وفوجئت أسرته بهذه اللوحة، وسأله أبناؤه حائرين لِمَ لَمْ يَروْه يرسم من قبل. رسم مجدي لوحات أخرى، كان بعضها يستغرق ثلاثة أشهر حتى يكتمل. وبإلحاح من أبنائه وأسرته الممتدة، شارك في عدد من المعارض الفنية وكوّن علاقات مع فنانين وهواة رسم. ومع الوقت صار الهواة يحضرون إلى منزله ليعلّمهم تكنيكات الرسم. ولاحظ مجدي أن بيته الصغير صار لا يتسع لعدد المتدرّبين، ومن هنا جاءت فكرة إنشاء مركز لتعليم فنون الرسم.

عند اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، كان مجدي في منزله في أب روف، وتعرّض لما تعرّض له سكّان أم درمان القديمة من معاناة بسبب سيطرة قوات الدعم السريع على تلك المناطق آنذاك. ورغم هذا كان المركز في باله دائماً طيلة فترة الحرب الأولى، لأنه كان بالنسبة له ولمن معه من الفنانين والهواة يشكل موطناً وملاذاً ورابطة عاطفية عميقة بين مرتاديه، لهذا سارعوا بنقل محتوياته من لوحات وأدوات فنية إلى مكان «أكثر أماناً» بتعبير مجدي.

طال أمد الحرب، وازدادت معاناة الناس، ورغم أن قوات الدعم السريع لم تنتشر انتشاراً تاماً في أحياء الثورة وخاصة الحارة الثامنة، لكن قذائفها تهاوت على تلك المناطق. يشير مجدي إلى موضع في سقف المركز اخترقته شظايا قذيفة.

عانت أم درمان القديمة أكثر بانتشار قوات الدعم السريع فيها. يحكي مجدي أنّ جماعة من أهلها استأذنوه للإقامة في المركز لأنّ الثورة الثامنة كانت نسبياً أكثر أماناً من أم درمان القديمة. يقول مجدي إنه لم يستطع أن يرفض لأنّ أهداف المركز في الأساس كانت خدمة المجتمع، وكان الملجأ أهمّ خدمة يمكن للمركز أن يقدّمها للناس في الحرب، «هي خدمة للمجتمع بنفس المستوى» يقول مجدي.

 مع ازدياد المعاناة وتعثّر نواحي الحياة، سافر مجدي إلى مصر وحاول العثور على عمل هناك لكنه لم يُوفَّق، وطوال تلك الفترة ظلّ متصلاً بتلاميذه، يقدّم لهم الاستشارات الفنية ويوجّههم لبدائل لخامات الألوان بسبب تعذر الحصول عليها، وكان يسمع كثيراً من الأسئلة على شاكلة: انتو متين حترجعوا؟ المركز حيرجع متين؟ ولم تكن لديه إجابات واضحة، ولكن بعد فترة رجع مجدي مرة أخرى إلى السودان.

يحكي مجدي عن تساؤلات الجدوى وشكوك القيمة والمعنى التي قد تساور النشاط الفني في ظروف الحرب القاهرة. وكانت مثل هذه التساؤلات والشكوك تُساوره عندما ينفرد بنفسه، لكنها تتبدّد عندما يخرج إلى الشارع ويجد الحياة؛ هناك من يبيع الخضار، وهناك من يبني ويصلح منزله، وهناك حفل عرس في الشارع الآخر. عندها يحدّث مجدي نفسه بأنّ ما يقوم به جزء مهمّ من الحياة نفسها، ولهذا يجب أن يستمر. 

بعد برود الحرب في أم درمان، ومنذ يوليو 2025 بدأ مجدي في مساعي إعادة افتتاح المركز، فجدّد تسجيله المركز جمعيةً ثقافيةً في وزارة الثقافة. وبالعون الذاتي، وبمساعدة مرتادي المركز، صانوه بدهن الجدران وتنظيف الغرف وإصلاح السقف بسدّ ثقب خرقته شظايا الحرب. وبدأ العمل على تهيئة المركز للافتتاح في بيئة كانت تعاني من توفر مياه الشرب ومشكلات الكهرباء، وانتشار الأمراض والهشاشة الأمنية وكثير من مهددات الحياة. «في ذلك الوقت، كان مشهداً عادياً أن ترى صفوفاً طويلة من الناس حاملين أوعيتهم للحصول على الفطور من التكايا»، يقول مجدي.

وفي شهر ديسمبر 2025 أعيد افتتاح المركز رسمياً مرة أخرى، وأقيم معرض فني. يحكي مجدي عن تساؤلات الجدوى وشكوك القيمة والمعنى التي قد تساور النشاط الفني في الظروف الطبيعية دعك من ظروف الحرب القاهرة. وكانت مثل هذه التساؤلات والشكوك تُساوره عندما ينفرد بنفسه، لكنها تتبدّد عندما يخرج إلى الشارع ويجد الحياة؛ هناك من يبيع الخضار، وهناك من يبني ويصلح منزله، وهناك صيوان عزاء في الشارع المقابل، وحفل عرس في الشارع الآخر، والعربات تتحرّك جيئة وذهاباً أمامه في شارع شيكان الذي يطلّ عليه المركز. عندها، يحدّث مجدي نفسه بأنّ ما يقوم به جزء مهمّ من الحياة نفسها، ولهذا يجب أن يستمر. هكذا، ظلّ مجدي الشنواني يجد الدعم من الشارع في مقاومته الحثيثة للموت.

في المركز، يتولّى مجدي بنفسه عمل كلّ شيء، يذهب إلى الأسواق ويشتري الخشب المُناسب لعمل لوحات الخشب، ويتكلَّم عن أن هناك أنواعَ خشب مُحدَّدةً تُناسب الرّسم، كذلك يَجلب أنواع الخشب المناسبة لتأطير لوحات القماش التي يعتمد فيها على قماش الدمّورية، ويذهب إلى الحدّادين لتصنيع حوامل اللوحات. وعندما يحكي مثل هذه التفاصيل تشعر بأنه مُلمٌّ بأعمال النجارة والحدادة وغيرها من مكونات لوحة واحدة قد تستغرق أشهراً من ضربات خفيفة بالفرشاة حتى تكتمل. كذلك يَصنع مجدي خامات الألوان بنفسه من الصّفر، قائلاً إنّ جميع موادها متاحة في حياتنا اليومية العادية.

عن دافعه وراء تصنيع الألوان بنفسه، يحكي مجدي أنه عندما عاود الرسم في 2020 بحث عن خامات الألوان التي كان يرسم بها في بواكير شبابه، لكنه لم يجدها وكانت أغلب المكتبات القديمة قد أغلقت أبوابها مثل المكتبة الوطنية العريقة في أم درمان. رأى مجدي أنّ الألوان المُتاحة في السوق رديئة الجودة، لهذا بدأ في البحث عن أساليب إنتاج الألوان الفنية وتصنيعها.

يعمل المركز حالياً كمؤسسة ثقافية حيث يعمل مجدي في تعليم الفن التشكيلي بخبرته الشخصية، لكن لديه رؤية أن ينشط المركز في مجالات فنية وثقافية متنوّعة من تصميم الملابس والكروشيه والأعمال الحرفية اليدوية الأخرى التي تحمل مسحة فنية. يرى مجدي أن الفنّ موجود في أصغر تفاصيل حياة الناس ولا يعتبره نشاطاً نخبوياً فردانيّ التوجه، ويعبّر عن تعريف شاسع للفنّ من أنه ليس شيئاً هشّاً وثانوياً كما يراه البعض، بل هو جزء أصيل ومؤثر في مسيرة الحياة نفسها.

يقول مجدي إنّ أبواب المركز مفتوحة لجميع محبّي الفنون والمهتمّين بها، وهو يجهز حالياً لإقامة دورة في الرسم لتُقام في يناير2025. ويقول إنّه لا يسعى إلى أهداف تجارية من خلال مركزه، أي أنه مؤسسة غير ربحية، حتى أن الرسوم الرمزية التي يدفعها التلاميذ في الدورات التعليمية تغطي تكلفة خامات الألوان واللوحات وأدوات الرسم فقط.

يرى مجدي في المركز وسيلة لخدمة المجتمع فنياً، وخدمة للفنانين والهواة في مساعيهم ومشوارهم مع الفنون، ويشعر بأنّ عليه ديناً من نوع ما تجاه المجتمع والناس. يقول إن جيلهم لم يحصل على مساعدة فنية كافية، ولهذا يجب عليه أن يبادر بتقديم المساعدة لجيل الشباب الحالي في البيت الجميل الذي بناه في أم درمان.

Scroll to Top