أتر

كلتوم فضل الله: سيرة الحرب والمحبة والكتابة

في بلدة صغيرة، غنية بالحُبِّ والحياة، عاشت الشاعرة والروائية كلتوم فضل الله طفولتها الأولى، بين الغابة المُمتدّة وسلسلة الجبال الخضراء الشاهقة، في منطقة الليري، بجبال جنوب كردفان الشرقية الساحرة. تَنساب المياه في شلالات رقيقة تلتفُّ حول البيوت الهاجعة تحت ظلال الأشجار الكثيفة ونُدَف السحاب القطني الناصع. تسقط ظلال جبل الكِرِّيس على منازل القَش التي تُشبه قرىً سياحية شيَّدَتْها الطبيعة، مبثوثة في حقل من الخضرة الدائمة مثل جنة لا نهاية لحدودها.

وُلِدَت كلتوم لأُمٍّ كانت تصنع، كل صباح، مهرجاناً من الرعاية والحنان للفتيات من سِنِّ بناتها وهن يتأهبنَ للذهاب إلى المدرسة في زيهنّ الموحد: جلباب أخضر بأكمام بيضاء، وحذاء بلاستيكي أبيض برباط أخضر، وحقيبة من قماش الدمورية الناصعة. ووُلدت، كذلك، لأب عطوف، يرعى القرية كلها ويُشجّع الجميع على إرسال البنات للتعليم، ويستضيف فتيات القرى المجاورة في بيته الفسيح، ويُساهم في كسائهنّ المدرسي، وفي بناء مدرسة القرية الجديدة مع مديري التعليم، صفاً بعد آخر.

طفولة آسرة

كانت حياتنا اليومية، المعتادة، يَصنعها الناس بملمس الإنسان الحر الطليق، الذي ينساب مباشرة مع الطبيعة، في كلّ علاقاته وتجاربه الإنسانية الحرة التي ترَبَّتْ على الجمال من دون ارتباك أو خوف من الحياة أو الموت.

كانت البلدة، في طفولة كلتوم، غافية في جمالها السحري الخاص وطقوسها المعافاة، من أهازيج الغناء والرقص والصُراع الجماعي في أسبار الحصاد وليالي النقعة والساحات، إلى هرولة النساء الريفيات، جماعات وفرادى، خلف أبقارهن في المراعي المترعة بالخضرة، إلى جلوس الرجال في حلقات الأنس ليلاً أو نهاراً بعد أوبتهم من النفير الشاق. صور تختزنها كلتوم وهي تتعلم فكَّ الخط على تراب البلدة ومنابت الأشجار في طين البساتين القريبة؛ الهواية التي لازمتها طوال حياتها. وتختزن في وجدانها روائح الزهر والأرض وأصوات العصافير والطيور، من كل لون وصنف. تقول كلتوم: «كانت حياتنا اليومية، المعتادة، يَصنعها الناس بملمس الإنسان الحر الطليق، الذي ينساب مباشرة مع الطبيعة، في كلّ علاقاته وتجاربه الإنسانية الحرة التي ترَبَّتْ على الجمال من دون ارتباك أو خوف من الحياة أو الموت». وتقول إنها، في تلك الأيام البعيدة، رقصت مع السَّبَّارة في أزيائهم النسائية التنكّرية، وهم مصارعون قدامى، على رؤوسهم الشَّعْر المستعار ويَطلون شفاههم بالألوان الحمراء، ويَلبسون السكْسُك والزمام والأقراط؛ ويُبادلهم الأهالي بسكب العطور على جوقتهم الاحتفالية الضاحكة، ويَذبحون لهم الشياه أمام البيوت والساحات، فيخرج المُصارِعون بأجسادهم العارية المصبوغة بالألوان على هيئة حيوانات ضارية، مُزركَشين بالسُكْسُك والأصداف وأردية الصوف، فتُزغرد النساء ويُلوّحْنَ بالعصي والأغنيات ويبدأ الكرنفال.

حرب في البلدة

في تلك السّن الباكرة من الحياة، اقتُلعت كلتوم من جذورها الراسخة في جنة الريف وراحَتْ تتنقل، بقية عمرها، نازحة، بين كادقلي والأبيض والخرطوم، ومن ثم إلى كمبالا في هجرتها الأخيرة بعد حرب أبريل الشاملة.

«كل ذلك قَطَعَه، مرة وللأبد، صوت بروجي مخيف، يقطع سكينة القلب، جاء من جهة مباني البوليس، فهرول الرجال مسرعين، يحملون بنادق الصيد القليلة والكوكاب والحراب البلدية، وبدأت النساء في البكاء والنواح وبدا الجميع في حالة من الذعر والخوف، فعلى مشارف قرية الأميرة غطى الدخان الأفق وغمرت رائحته المكان. بدأت الحرب وشواءات الجثث واغتصابات النساء ونهب الثروات»؛ تقول كلتوم فضل الله في حديثها لـ«أتر»، واصفةً بوادر الحرب في جبال النوبة أواخر الثمانينيات، واشتداد أوارها في تسعينيات القرن العشرين. وفي تلك السّن الباكرة من الحياة، اقتُلعت من جذورها الراسخة في جنة الريف وراحَتْ تتنقل، بقية عمرها، نازحة، بين كادقلي والأبيض والخرطوم، ومن ثم إلى كمبالا في هجرتها الأخيرة بعد حرب أبريل الشاملة، مُخلّفةً وطناً يَحترق، وبيتاً منهوباً ومكتبةً كبيرةً ومتنوعةً مجهولٌ مصيرها.

صدى الأماكن

بدأت كلتوم رحلتها الأدبية في منتصف الثمانينيات عبر الصحف اليومية، وسرعان ما أثبتت حضورها بأسلوبٍ شعريٍّ يتّسم بالعمق والمُغايرة، وبقُدرة فريدة على المزج بين الشعر والفكر والتحليل النقدي. وكتبت العديد من النصوص الشعرية تُعَدُّ من العلامات الفارقة في الشعر السوداني الحديث، في الوقت الذي كتبت فيه الرواية. وتميزت روايتها «الصدى الآخر للأماكن»، والصادرة عن دار توتيل 2016، بطرح سردي يحمل نفس الشعرية والإنسانية التي تطبع كتاباتها. فالرواية عندها –مثلما يقول الناقد حامد بخيت- لم تكن مجرد سرد، إنما هي وعاء فكري وفني وشعري، قادرٌ على حمل قضايا الإنسان والتنمية والمجتمع في آن واحد، لذلك فإن رؤيتها هذه جعلتها من الكاتبات القليلات اللواتي يربطن بين الأدب والتحولات الاجتماعية والسياسية، خاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة والهوية السودانية.

من يعرفها سيعرف كيف خلق الله نساء الريف البعيد، لا تنهزم لظروف مهما كانت قسوتها، ولا يمكن لابتسامتها أن تختفي. كلتوم في أقل تعريف لها يمكننا أن نقول إنها حالة من الإنسانية تنمو وتكبر كل يوم وساعة، فضلاً عن مكانتها في إعادة تعريف دور المرأة في الثقافة السودانية، وفتح مسارات جديدة للكتابة التي تنبع من الهامش لتصل إلى قلب المركز. 

ويصفها حامد، كذلك، بأنها شاعرة الدروب البعيدة وآية الله في المحبة: «أثناء نشأتها وتنقلاتها بين الريف البعيد بجماله ونقاء إنسانه في الليري، مسقط رأسها بجبال النوبة، ثم انتقالها القسري إلى العاصمة في الخرطوم بسبب حروب السودان التي ما زالت تطحن الأرواح، ثم عملها بين ولاية النيل الأزرق وجنوب السودان حين كان الوطن واحداً؛ خزنت ذاكرة كلتوم مشاهد الجمال ولم يستطع الحزن وقبح الحروب التشويش عليها، فبرزت شاعرةً وروائيةً، وحجزت موقعها ضمن أبرز الأصوات النسائية التي أعادت تشكيل الخطاب الشعري والسردي في السودان، انطلاقاً من مخزون الجمال الذي كنزته من جذورها وصولاً إلى المنابر الثقافية في الخرطوم بضجيجها». يقول بخيت مضيفاً: «من يعرفها سيعرف كيف خلق الله نساء الريف البعيد، لا تنهزم لظروف مهما كانت قسوتها، ولا يمكن لابتسامتها أن تختفي. كلتوم في أقل تعريف لها يمكننا أن نقول إنها حالة من الإنسانية تنمو وتكبر كل يوم وساعة، فضلاً عن مكانتها في إعادة تعريف دور المرأة في الثقافة السودانية، وفتح مسارات جديدة للكتابة التي تنبع من الهامش لتصل إلى قلب المركز. من يعرف كلتوم سيَعرف حتماً كيف خلق الله نساء الريف البعيد، ومن أي طينة انتخب تراب خلقهن، سيعرف قطعاً أن أجمل الطين وأقواه، قد اختاره الله للنساء هناك».

تهويدات الجبال

تنظر الكاتبة ميسون أبو الريش إلى شعرية كلتوم فضل الله بأنها همس رقيق لامرأةٍ، يتردّد صداه من أعماقِ جبالِ النوبة، يغمر العالم بفيوض من الحبِّ والجرأةِ والصفاءِ، رافعة كرامةَ تلك الجبالِ التي لا تنتهي. تمزج السهل والجبل لتشكل تجربتها الصلبة الخاصة، فروحها مرنة وجذورها متينة: «حين نقرأُ شعر كلتوم، نستمع إلى تهويدةً بعيدةً من أنغامِ كردفان، تداعبُ الروحَ بسلامٍ عميق، كأنها نَفَسُ الأرضِ حين تستريحُ بعد المطر. ذلك التفرد المستقل الذي يسكن كلماتِها، يكشفُ عن كيف تحرّرتْ كلتوم من القيودِ غيرِ المنطوقة، إلى فضاءٍ أرحب، تعبّرُ فيه بحريةٍ عن حبِّها، وأحلامِها، وأشواقِها. ومن خلال حريّتِها السرديّة، تأخذُنا بعيداً عن النمطِ المكرور، إلى أغوارِ تجربتِها الحياتية والإنسانية، حيث تتقاطع المفردات مع الرمز، وتتداخل الرؤى كخيوطِ الضوءِ في ظلمةِ الصراعاتِ المسكوتِ عنها، لتمنحَنا منظاراً أنثوياً جريئاً وشجاعا، يتسلّلُ برقةٍ وصدقٍ إلى قلوب الناس».

استعادة الريف

تستعيد كلتوم ريفها المجهض، منذ اقتلاعها من مكانها الأول، كلما توغلت في النزوح أكثر، الجداول والصخور التي تجري من فوقها المياه، الرمل النائم تحت البلل، وتتساءل: «كيف لا أسمع الهديل مرة ثانية والجبل المشدود مثل ستارة في القرية، كلّ شجرة كانت قائمة بذاتها وكل مطرة تعبّر عن ميقاتها ولها اسم وتشبيه». تقول كلتوم أيضاً: «في المكان الجديد تتشكَّل أسئلة الإزاحة والنقلات الحارقة وتُمتَحَنُ إنسانية الإنسان في أقصى حرجها، وهناك ينفجر الحنين لكل نقلة وتكتشف أنك مثل طائر يجوب الأماكن كلها ولا يبني عشه الأخير، فالصياد لا يزال يُصوب بندقيته ليرديه». وتضيف: «الحرب بالنسبة لي، ليست أياماً وتنتهي مثلما ظن الناس، ولكنها متوطنة في أذهان الناس وفي أذهان السلطة، وراسخة وقائمة ومشتعلة طالما هناك نزعات ضد الإنسانية وإقصاء وعنصرية وجهل وطالما هناك هيمنة».

داهمني الشِّعر كثيراً، كتبت في الهواء الطلق، وفي السر، أحاور الأشياء أكثر مما دونت، كنت أُكلِّم كل لحظة مباشرة بكلامي، ثم لاحقاً كتبتُ كلَّ ما كتبتُ من الشعر. كنتُ أحسبه مرحلة، كنت أحلم بكتابة الرواية، لأن عوالمي أوسع من قصيدة وأكثر من حكاية.

وتقول حول الشعر والصور الشعرية: «هي متلازمة حياتية منذ الطفولة، أمي حكامة تغزل الأغنيات وهي تضفر السعف والبروش الملونة وتجر نمّها. نشأتُ هكذا، كنت أتمرّغ في العشب بعذاب لا أدري معناه كنتُ مشدودة بعذاب خاص منذ الطفولة. وعندما كبرت عرفت أنه وقع الجمال في روحي. ولكن الشِّعر داهمني كثيراً، كتبت في الهواء الطلق، وفي السر، أحاور الأشياء أكثر مما دونت، كنت أُكلِّم كل لحظة مباشرة بكلامي، ثم لاحقاً كتبتُ كلَّ ما كتبتُ من الشعر. كنتُ أحسبه مرحلة، كنت أحلم بكتابة الرواية، لأن عوالمي أوسع من قصيدة وأكثر من حكاية، وأحسب أن التجربة ساقتني لأكثر من معترك، وأن خيالاتي المعزولة خلقت لي أسماء وأشخاصاً ومواقف وصوراً هي ليست في الواقع، بل هي واقعي المُحبَّب. كنتُ أتصور أن لحظة ما سوف تأتي وأبدأ الكتابة، وأن ما أقوله مجرد عتبة للكتابة، وكنت أنتظر الرواية أن تأتي، لكن اللحظة خذلتني وما أتت. وحين كتبتُ ما كنتُ أظنها الرواية، وبجلالها توهَّطت، كانت وعاء شعرياً يسع تصوراتي بكل صعوباتها وتفلّتاتها، واجهتُ أشخاصاً حقيقيين ساقوا مصائرهم رغماً عني، حتى توقفت عن الكتابة مندهشة! كم كتبتُ على ضوء فانوس الكيروسين في زقاق البيت المُظلم، كم ضحكتُ بأعلى صوتي حتى هرولَ نحوي أمي وأبي ظانَّيْن أن مكروهاً ألمَّ بي، كم مرة بكيتُ فخدَشَهُمْ بكائي فاعتذرت. الرواية عالم جابدني كثيراً، لم أستطع نزعَها بالصورة المُتخيَّلة في رأسي، ولكن الشِّعر داهمني فيها، حتى أحسستُ بالاختناق، واكتشفتُ أن الشعر هو الوسيلة وأنه الغاية، وأن الشعرية أساسُ حياتنا اليومية وهي المتلازمة الحقيقية في تداولنا لليومي، فكتبتُ بفوضى وأحببتُ تلك الفوضى. يجب أن أعي بأن الكتابة احتراف وصنعة إذا كنت أكثر جدية في أن أقدم عملي للنشر، ولكن لا أظن أن الظرف سوف يتبدّى لي لأتحول إلى ذاك المحترف ذي الأدوات والأشكال. ربما لا أستطيع، ولا أظن أن الممارسة سوف تُتيح تلك الفرصة ولا يعنيني ذلك، مثلما أرمي بروحي للكتابة، وأجعلها تفعل فعلها، سأكتب هكذا بالحرية التي فرضتها».

فصل من رواية "شواء الفرح"

كلتوم فضل الله

(رواية غير منشورة)

وقعتُ في الرقص

كانت الطبول والدّفوف كلها تُدَوّي، تدقّ وتطرق النقاقير، صوتها رخيم. ثم تقرع الأجراس وتعلو الأصوات متناغمة في تشابك نيء مثل أفرع خضراء جديدة مزدحمة الاشتباك، الألحان تلاطمت كلّها مثل موج يرتجف ويتلاصف بعد أن كان الإيقاع صفقتين صفقتين تهزّ رجّتهما دواخلي، تعلو وتعلو ثم تتنزّل الأصوات المنهمرة قبل أن يكسرها الوقت لتنمو ثانية في جوقة الخلط الدفين مثل عجين على ماكينات الخلط متساوٍ، وكانت تلك هي ملكة العالم والراقصاتُ وصيفاتُها، أيُّ حبٍّ تصاعَدَ وانبرى بي لأكون في نيرڤانا التوحّد والارتجاج، ومهما نما خيالي في الليالي السحيقات لم أظنّ أنْ أسمو ولو بالشِّعر أو بالحلم وأصير ملهوفاً هكذا، مواجيدي كلُّها تحنانٌ، هي انتحاراتٌ في الحالات، والدّم القابض بمعصم الإشارات كلها، هشٌّ للفرح، هشٌّ للتسامح، هشٌّ للحياة، فهي بوتقة أتيحت لي وقدّمت في هذه الباقة كما الأزهار. تراصّت البنات، عاريات الصدور، يلبسن تنورة في الأسفل، أفريقيا في قلبي، زهرات سوداء لا تتفتَّح إلا باعتصار الروح وتوليدها بالنزيف والتأوّه والأنين عشرات المرات، فنبتهج، نتضاحك، نتصايح. يدورون حول بعض نساء ورجال في انطلاقات الجسد. فكلما تزيّنت الأرجل بالكشاكيش والسكاسك، تزيّنت أيضاً أزاهير الغاب وتمايلت تصحو، فالقطاطي تمتصُّ أنين الميلادات وتختزنه كي تضيء لنا به وساوس الليل في اللحظات التي نلتجئ فيها إلى الصلاة، ونشكر الله كلما عامت البنات في رقصة الإوز أو رقصة الصيد أو ارتجفن في الماء الذي خضّه اختلاط عكاكيزنا الراقصة في الفضاء، صفقناها ببعضها، كلٌّ حَمَلَ منها عكازتين عكازتين، وتكاثرت العكاكيز كي تطرق طبل الليل، وطبطبت أنفاسنا بالطبول وندهت آذاننا أفريقيا المنبوشة في التو من لحمي ناهدة وقارّة ومتحضّرة لا تحتاج إلى استجلاب البدو كي نراها ملتبسة، ولا تُضيف لها أوروبا غير الحضارة المصنوعة، والتي تُطفئ الشيء في قلبها كي نستحيل نحن إلى آلات.

أفريقيا، نحن بدَمِنا آلةُ لَونِك وخصبك وإطراقك، وهكذا إلى أن أرسل الصبح رياحينه الأولى، يشتبك بنا الغناء والرقص، وأصوات لغاتنا العظمى تُرتجل أو تُنسج، فانتهينا بالدروب، نغازل بعضنا بصراخ النشوة الأبدية.

ليس لبيوتنا أبواب، من معدن أو حديد، نُوصدها علينا، هي الطبيعة نسجت من شجرها ما نُغطّي به البيت ونتدفَّأ، وما إن تصير لنا أبواب حتى نصنع خوفاً يناسب أبوابنا ثمّ نخاف لو تركناها مفتوحة، ونطمئنّ حين نوصدها لنصير في جدل الخوف والطمأنينة، ودونها نتماهى ولا تكون لنا هاجسة. أسرّتنا الدافئة تتمِّم الحالات التي نجيء بها من حلقات الرقص، بل بما امتصَّته من وَقْع بعيد يصنع نواتنا مثل القوقعة، حيث نلثغ بالجمل المُؤجّلة، ونصنع الابتسامات واللغات المُكتملة، وجُمل الطبول تُلاقِي جُمل الوَقْع. الرقص حالة الكائن الملائكية التي يجد عندها خمرَه وامرأتَه وشرابَه والتصاقَه وانفكاكَه معاً ويجد نشواه.

خلعتُ جلبابي ومشيتُ مثلهم، أنا عريان، عريان وليس بصدري شعر ولا بأياديّ ولا بأرجلي، أملس، أرتعش من عرق الرقص والدفوف والطبول. اجترَرْتُ جرعةَ الرقص التي قصعتها، كلّمت روحي أنْ رَقَصْنا جميعنا وغَنّينا، طَرَقنا العصايات على الهواء، فصفق صوتها تصفيقاً وأحَلْنا دَورها في التأديب إلى الرقص. الدينكا كلّ شخص يُغنّي أغنية، تحتوي بطولاته، وعدد أبقاره ومحبّته للبقر وعنايته بها، فالطارق على الطبول واحد والإيقاع واحد، والمغنّون كثر. كلّ أغنية هي للشجاعة وللبطولات. كلٌّ يغنّي أنثاه التي أمامه عارية الصدر، تضع في عجزها ذيل الثور. الإناث يصنِّفن كلَّ الغناء المخروط إلى مسامعهن بجوقات فردية أثناء الرقص الجماعيّ لا يربطها لحن، ويُفرغنه من صخبه إلى ارتباطٍ أقصى بالأرض وبالمكان وبالقبيلة وبالحبّ، ثم تختار كل واحدة أجمل الشِّعر، وتُعلن حبيبها عندما يُغني خلف البيوت ليلاً، ويُردّد أغنيته. رَقَص شباب الدينكا الطِّوال، قفزوا بقامات ممشوقة كأنها أشجار التِك. أكلنا لحم العجل، وشربنا شرابنا الروحي والمائي. سألتُ صديقي ميان عن مناسبة الحفل، فما كان منه إلا أن صاح بصبيّةٍ فحضرت، وقدّمها لي. صبيّة رفيعة القامة وممشوقة، واسعة العينين، وقال لي: هي المحتفى بها. أمسكتُ يدها وصافحتُها مبارِكاً بلغتهم التي ما زلتُ في عتباتها الأولى، أتمّم كلامي بالابتسام وبالحركات، فأجابوني: المناسبة أنها قد جاءها الحيض، وبلغت الخصب. ومن دهشتي باركت لها قائلاً: الحمد لله الذي بلغنا الحيض، بلغة دينكا ركيكة، فضحكوا.

العصور تتراكم وتمضي. عصر الإنسان الذي يحتفي بتحوّلاته في الخصب، وفي كلّ عمر احتفال، يحمل طقوسه وشاراته حيث الخصب يتوطّن، وأنا أبحث عن ما يُعربد ويُفرغ أحشائي جملاً وحواشي لهذا الزهو. هناك في الشمال يُوارون الحيض مثل خطيئة لا تُغتفر، تلمّستُ جسدي الذي يتعافى ويتبرّأ من مرض العقول، بحثتُ في ذهني الذي تتحسَّن فيه اشتياقاتي لتعود معافاة إلى آنائها الأولى.

بعثرتُ الأوراق داخلي بحثاً عن قوّة العقل وأيّ قالب يمكن تعافيه هنا، تذكّرت البيانية والعرفانية والبرهانية، التي أشعلناها في ليالٍ كنا نتفاصح فيها، هنا القوالب بعيدة عن هذه المهلبية التي تُطبخ، العقل الحرّ الذي يمضي أفقياً فارداً الجماليّ والمعرفيّ والمُكتَسب دون تحوير، إبسْتِيمات ذاك العقل، لنُعيد قراءةً تعدو في خطو الإنسانية ويُعيد العقل مكانته فيها. ليس هنا نظام للطبقات، هنا البيع بالكوم وليس بالوزن، كوم شطّة، كوم أناناس، كوم بافرا، كوم ملح، كوم مانجو. الناس أكوام تتفرّد بالتصاقها في بعضها البعض، حتى حروبها وانتصاراتها المؤقّتة تجعلها تمشي على تلك الدوائر المُغلقة، كينونتها، غناؤها، سهوها، فناؤها المجّاني المُبعثر في السهول. قلتُ: يا ربّ الشِّعر فكَّ لجام فمي لأنطق. نمتُ حاملاً مشنقتي تلك الليلة، ينغسل اسمي ويتلاشى مع كلّ بضعة عرق أنزَلها الإيقاع. نمتُ، وفي الليل زارتني الأرواح من سلطنات الوطاويط والهمج والفور، أمسكَتْ بيدي وتبَّلَتني كي أصير مستساغاً لتلك الريح، ريح الحرية التي هبَّت بأصابعي وهمست حتى الصباح.

***

من أهمّ المراحل التي يواجه فيها الفتى الدينكاوي التجارب الصعبة في حياته، هي الفترة التي تقوى فيها شكيمتُه وتُحدَّد فيها مكانته الاجتماعية؛ إذ تُعتبر شهادة عبور من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة. فبعد هذه المرحلة يقوم برعي الماشية في أماكن يتوقّع أن تكون فيها حيوانات متوحّشة، وفي هذه الفترة بالذات يتمّ الوشم الأفقي العميق بالحديد المُحمّى في الجبهة، ويتعيَّن على الفتى أن يتحمّل الألم في صمت من دون أن يُظهر ما يدلُّ على ألمه، فهي مقياس تحمله الصعاب التي ستواجهه في ما بعد، لا سيّما أن أقاربه وأصدقاءه يُشاهدون هذه العملية. ولا تكتمل مرحلة الشلوخ إلا بعد أن يُهاجَم هؤلاء الصبية، في فجر أحد الأيام، من أفراد الطبقة العمرية السابقة لهم، يُضيِّقون عليهم الخناق حتى يرموا بأنفسهم في مياه النهر، فإذا ما خرجوا منها أصبحوا متطهّرين من وجهة النظر الشعائرية، حيث يزيّنون سواعدهم ورقابهم بالخرز الملوّن والأصداف ويرتدون الثياب المزخرفة ويزهون في كبرياء ويتنافسون في حلبات الرقص ويصبحون من الأحرار. كنت لا أعلم كلّ هذا ونحن نعيش في قطر واحد، مثل جبال معزولة. حتى منهجنا التعليمي لا يتناول ثقافاتنا لنعرف بعضنا الآخر. والآن، مثلما يتكشف لي قاع النهر، أراني من هو أنا هنا، وبوضوح تام.

أتأمّل العادات والتمارين التي يتعرّض لها الشباب لتعلُّم كبح جماح أنفسهم تحت إشراف القبيلة، يتآنس خلالها الشباب ويختلطون في عُرْي تامّ طوال الليل، وذلك قبل تتويجهم فرساناً تنضبط مشاعرهم. أما أنا فقد جئتُ مضبوطاً بحداد أزليّ على غرائزنا نحن الرجال. الغريزة، التي أوقعتها الطبيعة فاختارت ذاتنا الذكورية لنكون أكثر حضوراً، وذلك للتلقيح وحفظ النوع، لم نجد وسيلةً لتنظيمها. ما اخترعته الديانات كان التعدّد أو التعفّف ثمّ الفصل المبكّر بين الذكور والإناث ومحاربة التعليم المُختَلط، ونحن اخترعنا بدَورنا مفهوم الشرف ظناً منّا أن النساء صُمِّمن للتلقيح مثلنا، فكنّا قساةً مع نسائنا وبناتنا، نعاقِب فيهنّ حواسنا. كلّما احتدّت شفرتنا وجُرحت الغريزة بالداخل، أشرنا بإصبعنا الأوّل تجاه نسائنا بالخطيئة، لنعلن فشلنا الذريع في إيجاد طريقة ننضبط فيها، فتساوَيْنا مع الحيوان. وفي عملي كبيطريّ، أضع التيس باتجاه الريح كي تهبّ الرائحة، ثمّ أحضر الإناث صوبها، فيتنفّسنه استعداداً للقاح، وبذلك ليس للذكر وظيفة سوى التلقيح، وعلى الإناث الحمل والإنجاب للكثرة. وتارةً أعزل الخراف بعيداً ثمّ أجلب لها الإناث في برمجة الإنتاج حتى لا تأتي المواليد في موسم الصيف فتمرض.

أتقزّز بالحزن والحداد مثل إبر الوخز منذ اكتشافي غرائزي، ضبطتها كلّها بالحبّ. ولأنّ فؤادي ظلّ فارغاً صباح عمر من حبّ في ميتة لا توقظها ما بالقوارير، لاقت مهمّتي عادات القبيلة هنا فانسجمنا، ربما أمواج الصيرورة كانت بالحدس تعلِّمني وتقودني إلى هنا لأنسجم في تلك الممارسة.

Scroll to Top