ثلاثة أعوام مرت منذ أن صلّى المسيحيون السودانيون آخر صلاة عيد كريسماس في كنائسهم، ولم يحسَب أحدهم أنها ستكون الصلاة الأخيرة. ولعلّ الحرب باغتت الجميع في كلّ شيء؛ في حياتهم اليومية وأشغالهم، وفي روتينهم العادي، كأنْ تخرج في صباح باكر وتشتري الطعمية أو الزلابية من سيدة في محطة الحافلات، أو أن تتمشّى مساءً في الحيّ لا لشيء سوى رغبة في صنع ألفة حميمة مع الشارع، أن تتأمّل البيوت بأشكالها المختلفة، وتتحدّث مع الغرباء هنا وهناك. بعد الحرب، فقد المسيحيون السودانيون ألفة كنائسهم، التي لم تكن مجرد مسبح ومغارة روحية، بل كانت تجمّعاً اجتماعياً فريداً من نوعه. من امتداد شارع المك نمر إلى امتداد شارع المطار، تقف الكنائس عاليةً وشامخة، كأنّ خيطاً يشدّها إلى السماء.
المسيحية في السودان ليست وليدة اللحظة، فلا يمكن الحديث عن تاريخه دون الحديث عن الممالك المسيحية الثلاث نوباتيا والمقرة وعلوة، التي شكّلت الحضارة النوبية بدءاً من القرن السادس ميلادي، حتى سقوط آخر الممالك في مطلع القرن السادس عشر، واختفت بعدها المسيحية طوال فترة السلطنة الزرقاء. مع سقوط سنار وبداية التركية عادت مؤسسة الكنيسة إلى السودان، ومنذ ذلك الوقت ظلّت الكنائس القبطية والأرمينية واليونانية موجودة في البلاد لتنضمّ إليها لاحقاً باقي الكنائس مع نشاط حركة المبشّرين في أفريقيا، ومنها الكنيسة الكاثوليكية، التي دخلت السودان في منتصف القرن التاسع عشر ميلادي، وأُسّست بعثة كاثوليكية في قندوكورو بجنوب السودان عام 1852. بعدها دخلت وازدهرت الكنيسة الإنجيلية المشيخية إبان فترة الحكم الثنائي، وأصبحت المسيحية جزءاً أصيلاً من تركيبة المجتمع في السودان.
كريسماس بَعيد من ألفة كنائسنا
تحمل صباحات الكريسماس في السودان لوناً مختلفاً: يتدفق الجمهور إلى الشوارع بحثاً عن حافلات تنقلهم إلى كنائسهم، بهجة تراها في ضحكات الأطفال وزينة النساء، على وجوه الإثيوبيين والإرتريين وهم يرتدون الأبيض الناصع كالثلج، والنساء يرتدين الأوشحة البيضاء على رؤوسهن في شيء من الخشوع والقداسة الهائلة.
الكريسماس كلمة إنقليزية قديمة، مركّبة من كلمة المسيح Christ وكلمة القدّاس Mass، لتصبح لاحقاً اللفظ المعتاد لعيد ميلاد المسيح. في السودان يحتفل المسيحيون السودانيون والأجانب واللاجئون بالعيد وفقاً للتقويمين الغربي والشرقي معاً. يحتفل أغلب العالم بالكريسماس وفقاً للتقويم الغربي يوم 25 ديسمبر، بينما تحتفل الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية في السابع من يناير.
تحمل صباحات الكريسماس في السودان لوناً مختلفاً: يتدفق الجمهور إلى الشوارع بحثاً عن حافلات تنقلهم إلى كنائسهم، بهجة تراها في ضحكات الأطفال وزينة النساء، على وجوه الإثيوبيين والإرتريين وهم يرتدون الأبيض الناصع كالثلج، والنساء يرتدين الأوشحة البيضاء على رؤوسهن في شيء من الخشوع والقداسة الهائلة، تصدح التسابيح والترانيم بلغات ولهجات مختلفة، وتتعالى زغاريد الأمّهات في المذبح احتفالاً مع مريم بمجيء ابنها الوحيد إلى العالم. جميع هذه الأحاسيس وأكثر فُقدت بعد أن انطلقت الرصاصة الأولى في صباح السبت 15 أبريل 2023.
كنت أستطيع أن أدرك أنّ هذه نورما، وهذه تاتا، وهذه زاهية، وهذه تيته راعوث، وهذه ميرفت، وهنّ يعرفْنَ أنّ هذه كاثي وأمها إيمان. كانت هناك ثوابت واضحة وشعور عميق بالانتماء. حين صلّينا هنا في بلاد أخرى، والتفتنا من حولنا لنجد الوجوه غريبة عنا، كانت لحظة كئيبة بالفعل.
تقول كاسندرا سواريس، التي كانت تصلي في كنيسة الشهيدين، بشارع القاهرة في العمارات، قبل الحرب، ولجأت إلى مصر، إنها لم تَستطع وأسرتها الاحتفال بالعيد في السنة التي تلت الحرب، واصفةً الأمر بأنه صعب ومؤلم. كانت الأسرة تعيش حالة من الكآبة والتشتّت، لم يُزيَّن المنزل ولم تُضَأ أنوار شجر الكريسماس؛ لقد كانوا يحاولون التماسك والتعافي مما حدث. في العام الماضي ذهبت كاسندرا مع والدتها إلى كاتدرائية العذراء مريم والقديس إثناسيوس الرسولي في مدينة نصر بالقاهرة. تقول إن الشعور كان مختلفاً؛ أن يحتفل الإنسان بالعيد بعد مرور سنة ونصف على خروجه من بلده. كانت تشعر بالامتنان، لكن في الوقت ذاته تحسُّ بالفقد، لم تكن الكنيسة نفسها، ولا الأصوات نفسها. هناك في كنيسة الشهيدين، كان مقعد والدتها هو المقعد الثالث أو الرابع في قسم السيّدات، وقد جلست مع والدتها على ذلك المقعد طوال فترة حياتها. تقول لـ«أتَـر»: «كنت أستطيع أن أدرك أنّ هذه نورما، وهذه تاتا، وهذه زاهية، وهذه تيته راعوث، وهذه ميرفت، وهنّ يعرفْنَ أنّ هذه كاثي وأمها إيمان. كانت هناك ثوابت واضحة وشعور عميق بالانتماء. حين صلّينا هنا في بلاد أخرى، والتفتنا من حولنا لنجد الوجوه غريبة عنا، كانت لحظة كئيبة بالفعل. ومع ذلك، شعرنا بالامتنان، لأننا نجونا من أشياء كثيرة مقارنةً بكثيرين حولنا، ولأنّ الاستمرار في الحياة نعمة عظيمة وقدَر يستحقّ الشكر».
تجد كاسندرا صعوبة في الشعور بالألفة مع الكنيسة الجديدة، وما زالت لا تشعر بالانسجام. هناك اختلافات كثيرة في الثقافة وفي المجتمع بعامة، ولا تزال هي وأفراد أسرتها عاجزين عن الاندماج الكامل، والكنيسة الجديدة كذلك غير قادرة على احتضانهم. «هم لا يفهموننا، ونحن لا نفهمهم».
الكنيسة ملاذٌ آمن
منذ بداية الحرب في السودان، تعرّضت العديد من الكنائس إلى التدمير والتخريب. ويتناول تقرير لشبكة أريج تعرُّض الكنائس في السودان إلى القذائف والرصاص من قِبل طرفي الصراع، وقد وثقت شهادات الناس استخدام قوات الدعم السريع بعض الكنائس منشآتٍ عسكرية، ما يُضاعف خوف المسيحيين السودانيين من احتمال عدم عودة تلك الأماكن إلى سابق عهدها. الأمر لا يتعلّق بالجدران، بل بما كانت تحتويه من مشاعر.
تقول ميري شفيق، التي تُقيم الآن في بريطانيا، بعد أن لجأت إليها وأصبحت بعيدة بأميال كثيرة من أرض الوطن، إنّ فقدان الكنيسة يُضاهي فقدانها لحياتها: «فهي المكان الذي نشأتُ فيه، وكانت دائماً ملجأً للشفاء من حروب العالم وضجيجه، وملاذاً لشخصيتي التي كانت تتشكّل وتتغيّر وسط التجارب المختلفة». كانت الكنيسة الثابت الذي يذكّرها بنقائها حين كانت صغيرة. تخبر ميري «أتَـر»: «الكنيسة في السودان، على وجه الخصوص، كانت مختلفة؛ لأنها كانت البيئة الحقيقية الوحيدة التي تعبّر عني كامرأة سودانية مسيحية، وتمنحني الإحساس الكامل بالانتماء والهوية».
بدأت محاولات إعادة التعمير في كنيسة الشهيدين، فقد جمع رجال الأعمال والمؤمنون تبرُّعات وأُرسلت إلى السودان، كما غادر بعضُ المهندسين من مصر إلى الخرطوم لمساعدة بقية المهندسين في بناء الكنيسة. ومع ذلك، هناك أمل ضئيل بأن يعود المؤمنون إلى كنيستهم، فمعظم الكهنة والقساوسة غادروا المدينة أو البلاد.
تتشارك مارثا عبد الله، المقيمة في بورتسودان، مع ميري نظرة الفقد ذاتها، وتصف حياة الكنيسة بالروتين الثابت، بخاصّة أيام الكريسماس، حيث كانت تجهِّز هي ورفيقاتها زينة الكنيسة قبل بداية صلاة العيد، وبعد الصلاة يجتمع الجميع في منزل إحداهنّ لتناول الإفطار، قبل أن ينطلقن جميعاً، الأمهات والشابات والأطفال للزيارات داخل الحي. تقول إن الأمر مختلف جداً في بورتسودان والنشاطات محدودة.
بدأت محاولات إعادة التعمير في كنيسة الشهيدين، فقد جمع رجال الأعمال والمؤمنون تبرُّعات وأُرسلت إلى السودان، كما غادر بعضُ المهندسين من مصر إلى الخرطوم لمساعدة بقية المهندسين في بناء الكنيسة. ومع ذلك، هناك أمل ضئيل بأن يعود المؤمنون إلى كنيستهم، فمعظم الكهنة والقساوسة غادروا المدينة أو البلاد، كما أنّ هناك مخاوف من بعض المؤمنين الذين يرون أن استهداف الكنائس كان استهدافاً مباشراً للمسيحية في السودان، ما يَجعلهم متخوّفين من العودة ثانيةً إلى الوطن. تقول كاسندرا إنها تعتقد على نحو شخصي بأن كل شخص أخذ نصيبه في هذه الحرب، ولم تكن هناك تفرقة دينية، ومع ذلك تعتقد أن الغالبية العظمى من المسيحيين السودانيين لهم رأي مختلف.
مستقبل الكنيسة في مجتمع السودان
لا نستطيع أن نقول بأن دَور الكنيسة أو مكانتها قد تغيَّرَا بسبب الحرب الحالية، بل اختلفت طريقة عملها، إذ لا تزال الكنيسة نشطة ومرنة، وتُواصل عملها. على سبيل المثال، تدير الكنيسة الكاثوليكية حالياً مدارس تستوعب 5 آلاف طالب في بورتسودان، كما انتقلت كلية كمبوني للعلوم والتكنولوجيا من الخرطوم إلى بورتسودان.
يقول القس الكاثوليكي جورج نارانجو لـ«أتَـر» إن الكنيسة الكاثوليكية أدت في السودان دَوراً مهماً ومتعدّد الأوجه طوال تاريخ البلاد، لا سيما في مجالات التعليم والصحة وبناء السلام. خلال الحرب الأهلية الثانية (1983 – 2005)، عندما فرّ الآلاف من الجنوب إلى الشمال، وفّر برنامج الكنيسة «safe and savable» التعليم لما يصل إلى 40 ألف طالب نازح سنوياً، العديد منهم من جنوب السودان وبعضهم كان من دارفور، يعيشون في ضواحي مدن مثل أم درمان والخرطوم. سدّت هذه المدارس فجوة حرجة، إذ ساعدت الطلاب على تطوير مهاراتهم واعتمادهم على أنفسهم. سابقاً، تلقّى عدد من أعلام النخبة السودانية تعليمهم في بعض المؤسسات التعليمية التي تُديرها الكنيسة، مثل مدارس كلية كمبوني، وسان فرانسيس، وسيستر سكول، التي وضعت بصمتها وقدّمت كثيراً للتعليم في السودان. وفي قطاع الصحة، أدارت الكنيسة مرافقَ بارزة مثل مستشفى سانت ماري «الراهبات» في الخرطوم ومستشفى الدايات بأم درمان لسنوات عديدة. فضلاً عن ذلك، ساهمت الكنيسة في بناء السلام والتكامل، وشاركت في رتق النسيج الاجتماعي قبل انفصال الجنوب، حيث اقترح الكاردينال زبير واكو وكان آنذاك رئيس أساقفة الخرطوم، اتخاذ العربية لغةَ الكنيسة للسودانيين الجنوبيين المقيمين في الشمال، ما عزّز الشعور بالوحدة بدلاً من الحفاظ على الانقسامات اللغوية القبَلية.
تضع الحرب الحالية مستقبل الكنيسة في السودان محلّ سؤال، خاصة أن معظم رئاسات الكنائس كانت في العاصمة السودانية الخرطوم، وهنالك عدد من القساوسة غير السودانيين الذين كانوا يخدمون في تلك الكنائس، واضطرّ عدد منهم لمغادرة البلاد عندما اندلعت الحرب. وفقاً للقس نارانجو: «لا نستطيع أن نقول بأن دَور الكنيسة أو مكانتها قد تغيَّرَا بسبب الحرب الحالية، بل اختلفت طريقة عملها، إذ لا تزال الكنيسة نشطة ومرنة، وتُواصل عملها. على سبيل المثال، تدير الكنيسة الكاثوليكية حالياً مدارس تستوعب 5 آلاف طالب في بورتسودان، كما انتقلت كلية كمبوني للعلوم والتكنولوجيا من الخرطوم إلى بورتسودان، ومن هناك تُواصل تقديم الدراسة عبر الإنترنت للطلاب النازحين في أنحاء السودان أو اللاجئين في مصر وجنوب السودان وأماكن أخرى، وقد دعمَ قسمُ الصحة في الكلية وزارةَ الصحة في ولاية البحر الأحمر في أنشطة التدريب ورعاية الأشخاص المصابين بأمراض مُزمنة».
يضيف القس نارانجو قائلاً: «لا أعتقد أننا يجب أن نتخيّل أنّ السودان سيصبح في وقت قصير كما كان من قبل. وضع البلاد في الوقت الحالي، وربما لفترة طويلة، لن يكون كما كان قبل بدء الحرب. ولهذا السبب لا يمكن للكنيسة الكاثوليكية أن تُفكّر في القيام بنفس ما كانت تفعله قبل الحرب، لأن الوضع مختلف. لذا علينا الآن أن نُكيّف أنفسنا».
ثلاث سنوات مرّت دون أن تجلس كاسندرا ووالدتها إيمان على مقعديهما المعتادين في كنيسة الشهيدين. ثلاث سنوات وجزء من كنائس الخرطوم مهجورة وصامتة، يتشارك المسيحيون السودانيون المخاوفَ المُتعلِّقة بالبلاد كسائر السودانيين المسلمين وغيرهم، مستقبل بيوتهم وكنائسهم ومستقبل وحدة بلادهم في ظلّ هذه التغيّرات السياسية، ومع ذلك لا يزال البعض منهم متمسّكاً بأمل العودة والبناء، وأمل أن تظلّ المسيحية جزءاً من هُوية السودان.



