أتر

الناقد عز الدين ميرغني: كنتُ أحرس كنزاً لا يعرفون قيمته

عز الدين ميرغني ناقد أدبي ومترجم، بقي صامداً في منزله بحي أركويت جنوب العاصمة الخرطوم، غير البعيد من القيادة العامة، والذي شهد الحرب منذ بواكيرها صباح الخامس عشر من أبريل 2023. لقد بقي في حيه طوال مدة سيطرة الدعم السريع عليه، حارساً مكتبته المنزلية التي تضمّ كتباً ومجلات ومخطوطات نادرة لا تُعوَّض، بحسب حديثه لمراسلة «أتَـر»، فضلاً عن أنه – كما يصف نفسه – كائن منزلي متعود على طقوس منزلية خاصة في القراءة والكتابة اليومية، ولا يستطيع أن يقضي يومه دونها، وهذا لا يتوفر له خارج المنزل.

ظلَّ ميرغني كاتباً راتباً في الملفات الثقافية الصادرة من صحف الخرطوم لأكثر من عقدين، وصدر له كتاب «تقنيات القصة الحديثة» في 2013، و«بنية الشخصية الروائية عند الطيب صالح: روايتا موسم الهجرة إلى الشمال وعرس الزين نموذجاً» في 2015، و«موسوعية المعرفة، وجماليات اللغة عند الشاعر حاج الماحي» في 2017، ورواية «جدران الخوف» في العام 2023.

لقد دفعته هذه المغامرة إلى الاقتراب من الغزاة – هكذا وصفهم – ليعرف دواخلهم ونفسياتهم، فليس لديه ما يخسره سوى الكتب، وقد كانوا يقصدون أهل المال والسياسة، كما يقول.

يقول ميرغني إنّ سلوك جنود الدعم السريع الذين قابلهم يحتاج إلى رواية كاملة، وكذلك سلوك المدنيّين الذين صمدوا وظلوا في مساكنهم، لافتاً إلى ظهور حالات نفسية كثيرة من أثر الخوف الذي أدّى إلى انتشار حالات الاكتئاب والأرق وانعدام تركيز، وكثر مرض الإمساك بسبب سوء التغذية، وبعض حالات الانتحار.

«منزلنا قريب من السوق، وكانوا سيتخذونه مسكناً لهم لولا وجودي. وبعضهم عرف أنني درويش ثقافة وكتب وتركوني في حالي رغم الزيارات المتكرّرة ممن يأتون إلى المكان لأول مرة»، هكذا كانوا يمرون عليه دون أن يدركوا قيمة ما يكنز من كتب.

يقول ميرغني إنّ سلوك جنود الدعم السريع الذين قابلهم يحتاج إلى رواية كاملة، وكذلك سلوك المدنيّين الذين صمدوا وظلوا في مساكنهم، لافتاً إلى ظهور حالات نفسية كثيرة من أثر الخوف الذي أدّى إلى انتشار حالات الاكتئاب والأرق وانعدام تركيز، وكثر مرض الإمساك بسبب سوء التغذية، وبعض حالات الانتحار.

لم يكن ميرغني يتوقّع أن تستمرّ الحرب كلّ هذه المدة؛ لكنه يقول إنه ومن بقوا معه في الحي تعايشوا مع الواقع، كل بما لديهم: «نقرأ ونكتب، نجتمع ونواسي بعضنا رغم قلّتنا، نتقاسم ما عندنا، ونتبادل إحلال الأمل في النفوس اليائسة خوفاً من الأمراض النفسية. وحيثما استطعنا نقفل البيوت المفتوحة من لصوص النهار، وهم من غير الغزاة وما كانوا يمنعونهم. ونذهب جماعةً لدفن الموتى من المرضى الكبار الذين لم يجدوا الدواء أو العناية فماتوا. ونبيت جماعةً حتى لا ينفردوا بالواحد منّا. كنّا نمارس أخلاقنا السودانية التي لا يعرفونها ويحارون فيها».

لقد تمكن ميرغني رغم ما يحيط به من احتمالات النهاية المأساوية طوال سنتين من الحصار، من كتابة روايتين كانتا مشروعاً مخطّطاً في ذهنه، وجمع كذلك مقالاته النقدية المنشورة في الصحف وصنّفها إعداداً لإخراجها كتباً، فضلاً عن عشرات من القصص القصيرة جداً. 

يستدل ميرغني على حاله بأسطورة العنقاء التي تخرج من رمادها، مشيراً إلى دَور المأساة في تغذية المخيال الإبداعي؛ فتاريخ الأدب يشهد بكثير من العبقرية التي أنتجتها المعاناة، سواءٌ أكانت على مستوى شخصيّ، كالنبذ والعنصرية، أم على مستوى اجتماعي كتجارب الحروب والنفي.

لقد تمكن رغم ما يحيط به من احتمالات النهاية المأساوية طوال سنتين من الحصار، من كتابة روايتين كانتا مشروعاً مخطّطاً في ذهنه، وجمع كذلك مقالاته النقدية المنشورة في الصحف وصنّفها إعداداً لإخراجها كتباً، فضلاً عن عشرات من القصص القصيرة جداً. يقول: «ربّ ضارّة نافعة، فما كان لذلك أن يتيسّر لي وأنا بعيدٌ من المنزل».

ومن واقع تجربته يرى ميرغني مدى تأثير الحرب على الأدب، بخاصة على أولئك الذين يملكون خيالاً كبيراً، وأولئك الذين حضروا وشاهدوا الأحداث حيةً من كُتّاب الروايات. فالكاتب يستطيع انتزاع أحداث روائية ذات مغزى إنساني عميق من المشاهد اليومية، ويستطيع أن يكتب عن الإنسان عندما يتحوّل إلى وحش منزوع الضمير والإنسانية. كذلك يمكن للمواقف التي مرّت بالبعض من خوف ورعب وقلق وأرق وهلاوس أن تغذي الأدب. وهذا ما يسمّيه ميرغني أدب الحرب أو روايات الحرب: «كتابة مثل هذا الأدب تحتاج إلى أقلام عميقة ومحايدة».

إن الأدب – يواصل ميرغني حديثه – يحتاج إلى قوة ملاحظة ومعايشة حقيقية، وجرأة في الكتابة، ومن ثم يستشهد بأدب غرب أفريقيا، حيث تنهش النزاعات والحروب الأهلية حياة الناس، وقد نجح في تصوير وحشية الإنسان عندما يملك القوة ولا يملك الضمير الحي.

ويؤكد ميرغني أن مثل هذا الأدب يحتاج إلى ناقد قرأ كثيراً في روايات أدب الحروب والنزاعات، ويحتاج كذلك إلى ناقد يعرف اللغات الأجنبية لأنّ ما صدر في روايات الحرب والنقد الذي كُتب عنها أغلبه بلغات أجنبية. «لأنّ كتابة أدب الحروب تحتاج إلى صدق المعايشة والمعرفة، كما في روايات هيمنقواي الذي شارك بنفسه في بعض الحروب»، ويضيف: «النقد يكون هنا محاسبة دقيقة لمدى معرفة الكاتب بمعيارية هذه الكتابات والتي صنّفها البعض بأنها مدرسة وأطلق عليها روايات أدب الحرب».

وفي المقابل، يُشدّد ميرغني على أنه لا بد للروائي أن يمتلك معرفة دقيقة بالتاريخ القريب أو البعيد، ليتمكن من المقارنة بين ما جرى حديثاً وما جرى في الماضي، وأن يقرأ الواقع ويبحث في الماضي عن الأسباب ودوامها، ويقرأ الإنسان الذي لم يتغير رغم الحضارة والتعليم، وفي ذلك عليه أن لا يكون متحاملاً على فترة تاريخية معينة.

من هذه المقارنة بين الناقد والكاتب، يتولد سؤال لدى مراسلة «أتَر» عن النقد بوصفه عملاً فنياً قائماً بحدّ ذاته، وإن كان يلتقي مع النص، لكنه أيضاً يخرج عنه؛ فيجيب ميرغني بأن أغلب المدارس النقدية تركّز على النص، وما قامت إلا على أكتافه، ولهذا تأتي مصداقية النقد في كيفية الدخول إلى دهاليز النص وفتح مغاليقه، ويعد أي كلام خارجه تهويماً وعجزاً عن هذا الدخول، لذا يقلّ النقد التحليلي للنصوص في العالم كله ويكثر التنظير حتى في أوروبا.

الأسماء في الحركة النقدية السودانية قليلة لأنّ النقد ليس موهبة فقط أو تطاولاً، إنما هو مجهود سنوات من قراءات عميقة وخيال كبير، ومعرفة باللغات الأجنبية، ومواكبة القديم والحديث، وجامعاتنا لا تهتمّ بتدريس المناهج النقدية الحديثة في كلياتنا الأدبية.

وحول الاتجاهات النقدية التي تستند إلى لذة النصّ وحدها لتقييمه، يفرق ميرغني بين مصطلح «لذّة النصّ»، الذي جاء به الناقد الفرنسي رولاند بارت، قاصداً به القارئ العادي الذي يبحث عن ما يُرضي ذوقه القرائي الخاص، وبين «متعة النصّ»، ويُقصد بها البحث عن المعاني العميقة في النصّ. فالنقد – كما يقول – لا يبحث في النصّ عن اللذة وحدها، وإنما عن العمق المخفيّ فيه؛ وإذا اكتفى الناقد بلذة النصّ أضحى قارئاً عادياً، وقد يَظلم النصّ، ويتحوّل إلى ما يُسمّى النقد الانطباعي.

وعن دور النقد وتطوير الحركة النقدية في السودان، يرى ميرغني أن النقد في السودان ضعيف ولا يواكب النصوص وكثرتها؛ ويقول إن «الأسماء قليلة لأنّ النقد ليس موهبة فقط أو تطاولاً، إنما هو مجهود سنوات من قراءات عميقة وخيال كبير، ومعرفة باللغات الأجنبية، ومواكبة القديم والحديث، وجامعاتنا لا تهتمّ بتدريس المناهج النقدية الحديثة في كلياتنا الأدبية».

يوجه عز الدين ميرغني رسالة إلى الكُتّاب الجدد، موصياً إياهم بألا يتعجّلوا النشر، وأن يعرضوا نصوصهم للمراجعة والتدقيق اللغوي، وأن لا يكتبوا في مواضيع طُرقت كثيراً فليست كلّ قصة حبّ طويلة تصلح لأن تكون رواية. ويقول: «الكتابة من أجل الشهرة تُزري بصاحبها وتكشف ضعفه، خاصة وسط هذا الكمّ الهائل من النصوص الجيدة».

Scroll to Top