أتر

من الورقة إلى الشاشة: حكاية تحوّلات الصحافة

«تزيد تكلفة إنتاج الجريدة الورقية على عائد مبيعاتها، وتخرج من المطبعة وهي خاسرة مادياً، لكنها تكسب رمزية البقاء على قيد الحقيقة»، هكذا ينظر الصحافي عبد الله رزق أبو سيمازة، إلى حكاية تحوُّل الصحافة من الورق إلى الشاشات، بأسلوب يَجمع بين رصانة الباحث وحنين الصحافي، في كتابه «مغرب الصحافة السودانية التقليدية.. تحديات الراهن ورهانات المستقبل»، مُستدعياً لغةً تمزج بين الحسّ التوثيقي والسرد الأدبي، وبين التحليل السياسي والتأمل الإنساني.

صدر الكتاب حديثاً عن دار «أرام» في طبعته الأولى (أواخر 2025). ورغم أنّ عنوانه ينطوي على إيحاء بنهاية الصحافة الورقية، لا يمثل الكتاب مرثية لها، بقدر ما هو محاولة فكرية لفهم تحولات المشهد الإعلامي السوداني والعربي في زمن «السوشيال ميديا» والتبدّلات السياسية العاصفة. وتأتي مقالاته لتُؤرّخ لتحوّلٍ ثقافيٍّ واجتماعيٍّ واسع يتجاوز الورق إلى بنية الوعي نفسه. وقد كُتبت مقالات الكتاب على فترات متفاوتة، لكنها توحّدت حول سؤال الوجود الصحفي في زمن العواصف.

ينتمي عبد الله رزق إلى جيلٍ من الصحافيين السودانيين، جمعوا بين الممارسة والعمل الميداني والتحليل الفكري. وعلى مدى ثلاثة عقود، كتب في الصحف السودانية والعربية، وكان شاهداً على تحولات المهنة وانكساراتها؛ وعمل طوال هذه الفترة في غرف تحرير الصحف وله عمود صحفي شهير باسم «جُراب الراي».

يستهلُّ الكاتب تمهيدَه بمقطع يُعبِّر بصدق عن الحالة الرمزية التي أراد أن يلتقطها: «كان ضجيج المطابع ورائحة الحبر مرادفَين للسعي وراء الحقيقة… لكن الصفحة المُلطّخة بالحبر وجدت نفسها تحت الحصار، ليس في السودان فحسب، بل في العالم كله».

ومن هذا المدخل الآنف، يشرع رزق في قراءة تحوّل صناعة الصحافة من عالم الورق إلى الفضاء الرقمي، ومن مركزية المؤسسات إلى سلطة الجمهور. ويرى أن تراجع الصحافة المطبوعة ليس حادثاً تقنياً فحسب، إنما نتاج لتغيرات أعمق في العلاقات بين الإعلام والسلطة والمجتمع، وفي ثقة الناس بالمؤسسات ووسائلها التقليدية.

وفي مقالة «عشر سنوات بعد فيسبوك»، يصف الكاتب لحظة التحول الكبرى حين بات فيسبوك «علامة فارقة يمكن التأريخ بها كما يُؤرَّخ بميلاد المسيح» بحسب قوله، مشيراً إلى أن الموقع «حرّر المشاركين من سجن البريد الإلكتروني» وفتح الباب أمام «ملايين الناس ليصبحوا ناشرين لأنفسهم»، ليعيد النظر إلى فيسبوك بوصفه حدثاً ثقافياً غَيَّرَ مفهوم الصحافة نفسها.

يُشير رزق إلى ثنائية «موت وانبعاث» الصحافة بوعي مُتجدِّد تتحوَّل فيه أزماتها إلى حافز لتجديد ذاتها رقمياً. ويستعرض الكتاب تجربة التحول الرقمي عبر مقارنات عالمية – من نيوزويك إلى لوموند – لكنه يعيدها في النهاية إلى التجربة السودانية، إذ يرى أن «ضعف التوزيع وارتفاع التكاليف جعل الانتقال إلى المرحلة الرقمية أفقاً حتمياً». ومن ثم، يخلص إلى أن مستقبل الصحافة في السودان لن يكون ورقياً، وأن «الانبعاث أونلاين» ليس خياراً، إنما ضرورة وجودية.

في فصول لاحقة، يقدّم رزق رؤية تحليلية دقيقة لصعود ما يسمّيه «الصحافة الموازية» أو «البديلة»، التي وُلدت من رحم الأزمات السياسية والاقتصادية، ويرى أنها ليست محض امتداد إلكتروني للصحافة التقليدية، بل حركة مجتمعية تُعيد توزيع الأدوار بين الصحفي والمواطن والسلطة. يقول: «لقد كسر الإعلام البديل احتكار الدولة للمجال العام، وفتح فضاءً جديداً لحريّة التعبير والمشاركة الشعبية».

ويُحلِّلُ المؤلف كيف أسهمت شبكات التواصل في تعبئة الرأي العام السوداني خلال الثورات والاحتجاجات، مشيراً إلى أن ما حدث بعد ثورة ديسمبر 2018 وما تلاها من تحولات، لم يكن مُمكناً دون انخراط الجماهير في الفضاء الرقمي، حيث تولّد وعي جديد وسلطة جديدة.

فضلاً عن ذلك، يَذهب رزق إلى تحليل العلاقة المعقدة بين الصحافة والسلطة، مسلّطاً الضوء على ما يسميه «القيود القانونية» بوصفها أعلى مراتب الكبت الرقمي. وفي الفصل المعنون «القانون كقيد على الحرية الصحفية»، يربط رزق بين أزمة الصحافة وبين غياب الضمانات الدستورية لحرية التعبير، مُشيراً إلى أن قطع الإنترنت في السودان خلال الأزمات السياسية لم يكن محض إجراء أمني، إنما تعبيرٌ عن عقل سلطوي يخشى المعرفة.

من أعمق فصول الكتاب ذلك الذي يتناول تجربة الصحافة خلال حرب 15 أبريل 2023، وفي هذا السياق يشير الكاتب إلى أن الصحافة السودانية وجدت نفسها «وجهاً لوجه مع الحرب»، بين واجب نقل الحقيقة ومخاطر التحول إلى أداة تعبئة. ويقول: «إن إنهاء الحرب هو الضمان لتعزيز حرية الصحافة، فلا يمكن أن تزدهر الحقيقة في ظل القصف».

يُعيد رزق تعريف الصحافة، ليس بوصفها مهنة، إنما لكونها ضميراً مدنياً في زمن الانقسام، ما يمنح كتابه بعداً إنسانياً يتجاوز المهنة إلى الرسالة.

ختاماً، يأتي كتاب «مغرب الصحافة السودانية التقليدية» ليؤرّخ للحظةٍ فارقة في مسار الإعلام السوداني، هي نهاية حقبة، وبداية لوعي جديد. إنه كتاب عن الصحافة، لكنه أيضاً عن التحول الثقافي والاجتماعي في السودان، وعن معنى أن تظلّ الكلمة حية رغم صمت المطابع.

يبقى عبد الله رزق واحداً من أولئك الذين يكتبون التاريخ وهم يدركون أن الكتابة نفسها، في هذا الزمن، هي فعل مقاومة.

Scroll to Top