دخل السودان عهداً جديداً من التجارة الخارجية بإطلاق أوّل عقد صادر رقمي عبر منصّة «بلدنا» في 27 ديسمبر 2025، وهي منصّة قوميّة أطلقتها وزارة التحوّل الرقمي والاتصالات، لربط البنك المركزي والوزارات والجهات السيادية بنظام إلكتروني موحّد. ورغم ما يحمله هذا الربط من وعود بتقليص البيروقراطية، احتدم الجدل حول كفاءة البنية التحتية والتشريعات اللازمة لمواكبة هذا التحوّل.
تحوّل رقمي ولكن
تساءل الخبير التقني ومطوّر العملات الرقمية، زياد ذو النون بشرى، عن مدى جاهزية البنك المركزي تقنياً لمواجهة تحديات العصر الرقمي. ولفت إلى مخاطر أمن المعلومات وحوكمة البيانات الناجمة عن عدم وعي العملاء بالخطوات السليمة عند استخدام المنصة الرقمية، ما قد يُعرض بياناتهم لخطر القرصنة أو التسريب. وأكّد على أهمية إطلاق حملات توعية واسعة للعملاء لضمان الاستخدام الآمن وحماية الأمن القومي.
وأوضح الخبير أنّ نجاح المنصّة يعتمد على تدريب العاملين والعملاء على استخدام النظام الجديد تدريجياً. وأشار إلى أنّ أكبر خطر قد يؤدّي إلى تعثّر المنصّة هو مقاومة التنفيذيين الذين اعتادوا على التعامل الورقي والسجلات التقليدية، ما قد يؤدّي إلى تباطؤ أو سوء إدارة التحول الرقمي من الداخل.
العقبات المُحتمَلة
وبينما تتركز بعض التحفظات حول الجوانب التقنية والبشرية للتحوّل الرقمي، تمتدّ المخاوف لدى اقتصاديين إلى تأثير المصالح المتضررة والفساد على فرص نجاح التجربة واستدامتها. وأوضح الباحث الاقتصادي مجاهد علي، في حديثه لـ«أتَـر»، أن النافذة الموحّدة لمعاملات الصادر والوارد تستهدف تقليص وقت إنجاز المعاملات من أسابيع إلى أيام، والحدّ من الرشاوى والتعطيل المتعمّد والتكاليف غير الرسمية التي كانت تشكّل نسبة تتراوح بين 10% و15% من قيمة الصفقات التجارية، ما ينعكس مباشرة على خفض تكلفة الاستيراد والتصدير. وأشار إلى أنّ التحول الرقمي يسهم اقتصادياً في تحسين كفاءة الصادر والوارد، وتقليل تعطّل الموانئ، ورفع تنافسية الصادرات السودانية، بما يدعم المنتجين والمصدّرين ويعزّز الإيرادات العامة للدولة. وأكّد أن نجاح المنصة عملياً مرهون بتطبيق القوانين دون استثناء، وإلزام جميع الجهات، بما فيها الشركات التابعة للمؤسّسات النظامية، باستخدام النظام الرقمي، محذّراً من أنّ أي تجاوز أو استثناء سيقوّض الثقة الاقتصادية ويعيد الفوضى السابقة، ما قد يؤدّي إلى فشل تجربة الرقمنة الحكومية.
شبكات المصالح
حذر مستورد، فضّل حجب اسمه مخافة التعرّض لمضايقة محتملة في مصالحه التجارية، مما سمّاه «لوبيهات المصالح»، التي قال إنها تتقاضى رسوماً غير قانونية وتعمل في نوع من الشراكة بينها وموظّفين في بعض الجهات الحكومية لبيع أوراق الصادر والوارد، والتلاعب بعقود الاستيراد والتصدير، والتحايل على المواصفات والإجراءات البنكية، وقد تسعى لإفشال مشروع التحوّل الرقمي لأنه سوف يتبع الإجراءات الرسمية ويسدّ الباب أمام الفساد. وتوقع المستورد أن يلجأ بعض التجار والمستوردين إلى التهريب، أو الاستيراد عبر واجهات مرتبطة بالقوات النظامية، لتخفيض الرسوم الجمركية وضمان الربح. وأضاف أنّ النتائج المحتملة لفشل النظام الرقمي تشمل زيادة الاحتكار، وارتفاع معدّلات التهريب، وتراجع مبدأ العدالة والمنافسة، وإفراغ التحوّل الرقمي من محتواه الحقيقي.
تجربة أولى
وبحسب متابعات «أتَـر» عبر الوسائط الإلكترونية، تباينت الآراء حول كيفية استخدام منصّة «بلدنا»، إذ يرى البعض أنّ عملية الدخول إلى المنصّة سلسة وسهلة، بينما يواجه آخرون صعوبات في الاستخدام، خاصة في التجربة الأولى.
وفي هذا السياق قال مُصدّر لـ«أتَـر» مفضّلاً حجب اسمه إنهم حاولوا الدخول إلى المنصّة للتجربة، إلا أنّ عدم الدراية الكاملة بآلية الاستخدام، وكونها تجربتهم الأولى، حالَا دون إكمال عملية الدخول والتسجيل. ومع ذلك، وَصَف الخطوة بأنها إيجابية، وستقودهم نحو التحوّل الرقمي بدلاً عن الطرق التقليدية المتبعة. وأضاف أنّ ما يُؤخَذ على وزارة التحوّل الرقمي والاتصالات هو عدم توضيح كيفية التعامل مع المنصّة، مطالباً بضرورة توفير دليل استخدام وإرشاد، لا سيما أنّ المنصة باشرت العمل فعلياً.
تجربة "أتَـر"
في موقع المنصة لحظت «أتَـر» أيضاً أنّ أزرار «شروط الخدمة» و«سياسة الخصوصية» و«تواصل معنا» وأيقونات مواقع التواصل الاجتماعي في موقع المنصّة لا تقود إلى صفحات أو محتوى قد يُعِين على التعامل مع الموقع.
وفي ظلّ قلة التجارب الموثّقة لاستخدام منصّة «بلدنا» لجأت مراسلة «أتَـر» إلى تجربة عملية لخدمات الاستيراد عبر الشركات وأسماء العمل، بهدف الوقوف على خطوات الاستخدام ومتطلبات الخدمة.
- العقبة الأولى التي واجهت مراسلة «أتَـر» تعذُّر «تسجيل الدخول» مباشرة، واتضح عبر متابعات «أتَـر» أن تسجيل الدخول للمنصّة يتطلب أولاً تسجيل الشركة بالمنصّة، وهذا يقتضي أن تكون الشركة مسجّلة أصلاً لدى المسجّل التجاري.
- في الصفحة الرئيسة، «توجَّه إلى خدمات القطاع الخاص» و«اختر المستوى الاتحادي». ستُحوَّل تلقائياً إلى صفحة وزارة الصناعة والتجارة في المنصّة، وهي الجهة المختصة بإجراءات الاستيراد، وتحوي عدداً من الخدمات من بينها «تسجيل شركة»، و«تسجيل بقيد المصدِّرين والمستوردين»، و«استيراد الشركات وأسماء العمل»، و«إصدار عقد صادر إلكتروني»، إضافة إلى خدمات أخرى.
- اختر «خدمة تسجيل الشركة» التي ستحوّلك إلى صفحة جديدة بها البيانات والمستندات المطلوبة، ثمّ اضغط زر «إنشاء طلب» الذي يفتح صفحة استمارة الطلب.
- قم بتعبئة الطلب بالبيانات التالية: اسم الشركة/ العمل، رقم التعريف الضريبي، رقم سجلّ المصدِّرين والمستوردين، اسم المالك أو المدير العام ورقمه الوطني، اسم الشخص المُفَوّض ورقمه الوطني، رقم هاتف ورقم تطبيق واتساب وعنوان البريد الإلكتروني. إضافة إلى البيانات أرفق المستندات الآتية: شهادة تسجيل الشركة/ العمل، وخطاب التفويض، وصورة من جواز الشخص المُفوَّض. ثم أدخل رمز التحقّق الموجود في صورة (للتحقّق من أنك شخص وليس برنامج أو بوت) ثم اضغط على «إرسال الطلب» في أسفل الصفحة.
- بحسب متابعات «أتَـر»، بعد مراجعة وزارة الصناعة والتجارة للطلب ستصلك رسالة (في رقم الهاتف أو الواتساب أو البريد الالكتروني)، ويُمكنك عبرها تسجيل الدخول إلى موقع المنصة.
- عند تسجيل الدخول، تطلب المنصة الرقم الوطني (للشخص المفوّض) وكلمة المرور.
- توجّهْ من جديد إلى صفحة خدمات القطاع الخاص، المستوى الاتحادي، وهذه المرة اختر خدمة «استيراد شركات وأسماء أعمال»، وستُحوَّل إلى صفحة جديدة بها توضيح البيانات والمستندات المطلوبة.
- البيانات المطلوب تعبئتها هي: مصرف الاستيراد، اسم المستورد وعنوانه، مصدر الفاتورة ورقمها وتاريخها، الرمز الائتماني، الرقم التعريفي الضريبي، جهة عدم الممانعة ورقم الشهادة، إضافة إلى بيانات السلعة (النوع، الوحدة، الكمية)، رقم القيد بسجلّ المستوردين، الجهة المستورَد منها ومنشأ السلعة، المنفذ الجمركي، عملة الاستيراد، طريقة الدفع، والقيمة الإجمالية للسلعة. وكلّها إلزامية ما عدا «سعر الوحدة».
- أما المستندات التي تشترط المنصة إرفاقها عند تقديم الطلب فتشمل الفاتورة المبدئية، وصورة من شهادة المسجل التجاري، إلى جانب صورة من شهادة القيد في سجلّ المستوردين والمصدّرين، بينما تُعدّ شهادة عدم الممانعة من المستندات غير الإلزامية ضمن متطلبات الخدمة.
انتهت تجربة مراسلة «أتَر» عند هذه الخطوة، لأنها لا تستطيع تسجيل الدخول إلى المنصّة ما دامت لا تملك شركة استيراد وتصدير مُسجَّلة سلفاً في المسجل التجاري، ولم تستطع التحدّث مع مستوردٍ أكمل إجراءاته عبر المنصّة حتى لحظة كتابة هذا التقرير.
توضح البيانات المعروضة في صفحة وزارة التجارة والصناعة بموقع منصّة «بلدنا»، أنه وحتى الساعة 7:48 مساء الخميس وصل عدد الطلبات لخدمة تسجيل الشركات بالمنصة إلى 1,517 طلبات، ولخدمة الاستيراد عبر شركة أو اسم عمل إلى 22,781 طلباً، بينما وصل 802 طلب لخدمة استخراج عقد الصادر الإلكتروني. لكن يجدر توضيح أن المنصّة لا تزال في مرحلة التجريب ولم تعمل بكفاءتها القصوى بعد، كما ستُضاف إليها خدمات أخرى بينها خدمة تسجيل شركة في المسجّل التجاري.