أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية في 28 ديسمبر الماضي، أنّ إنتاج الذهب في عام 2025 بلغ نحو 70 طناً، وهو مستوى غير مسبوق خلال السنوات الخمس الأخيرة. وفاق الإنتاجُ الفعليّ الإنتاجَ المخطّط له بنحو 8 أطنان، بنسبة إنجاز بلغت 113% مُقارنة بما كان مُخطّطاً لإنتاجه، ويبلغ 62 طناً. وتُمثّل هذه الطفرة الإنتاجية مؤشراً على محاولة الحكومة تعويض النقص الحادّ في موارد العملة الصعبة، نتيجة الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، والتي أضرّت بالقطاعات الزراعية والصناعية والموارد التقليدية للبلاد. وبتطاوُل أمد الصراع وإغلاق أجزاء واسعة من البلاد، أضحت عائدات الذهب رأس الحربة الوحيد للحكومة في الحصول على النقد الأجنبي، إلا أنّ تأثيرات الحرب زادت نسبة الذهب المهرّب واحتفظ المهرّبون بعوائده خارج البلاد.
تفاصيل الأرقام
يشير تقرير الشركة السودانية للموارد المعدنية، إلى أنّ الإنتاج في 2025، تَركّز في القطاع الأهلي التقليدي، وبلغ نحو 58.4 طناً، مُقابل 5.7 طن من شركات معالجة المخلفات، و6 أطنان من شركات الامتياز (المنقّبين في الأراضي الممنوحة)، وبذلك حافظ القطاع التقليدي على الحصة الأكبر من الإنتاج (نحو 83%)، بينما بقيت الإسهامات من شركات الاستثمار الصغيرة والمتوسطة ضئيلة. وبلغت الإيرادات العامة من قطاع التعدين أكثر من 1.087 تريليون جنيه سوداني، متجاوزةً خطة العام بنسبة إنجاز تبلغ 132%. ومن المُلفت أن إجمالي صادرات الذهب المعلن عنه بلغ 10.8 طن فقط (بقيمة نحو 1.04 مليار دولار) بنهاية الربع الثالث، بينما يشير الخبراء إلى وجود فائض هائل من الإنتاج إما موجود محلياً أو هُرِّب.
الاعتراضات والتحفُّظات
متحدثاً لـ«أتَـر»، قال مُحلِّل أسواق المال والبورصات هاني أبوعاقلة، إنّ الحجم الحقيقي لإنتاج السودان من الذهب قد يناهز 120 طناً في العام، مبيناً أن ما تحصل عليه الحكومة فعلياً من عائدات هذا القطاع لا يزيد عن 8%. واعتبر أبوعاقلة، ومعه عدد من المتخصّصين، أن قصور الرقابة وتشابك الإجراءات الإدارية وتعدُّد الجهات المعنية، قد دفعت معظم كميات الذهب إلى الخروج عبر قنوات غير رسمية، الأمر الذي يفسّر التفاوت بين أرقام الإنتاج المُعلنة وحصيلة الصادر الرسمية. وتوضح التقديرات أن الفجوة بين كمية الذهب المسجّل إنتاجه والكميات المصدرة رسمياً تقارب 59.5 طن. وتُشير تقارير إلى أن هذه الكميات إما استقرّت داخل السوق المحلي أو جرى تهريبها بالكامل.
إنتاج الذهب والمصدر والفاقد من العام 2015 -2024 – تقارير بنك السودان المركزي
أسباب التفاوت
وفي حديثه لـ«أتَـر»، أوضح المهندس محمد صلاح، الباحث وخبير التعدين، أنّ أرقام الذهب المُعلَنة والتي دار حولها جدل في قيمة الإنتاج تتحكّم فيها عدد من العوامل، منها ارتفاع سعر جرام الذهب من 85 دولاراً في بداية عام 2025 إلى 145 دولاراً بنهاية العام نفسه، ما دفع المنتجين لزيادة الإنتاج، وقد رافَقَ ذلك انخفاض في حصائل الصادر، لأنّ الحكومة لم تُركِّز على ضبط الإنتاج؛ ففي الفترة ما بين يناير وفبراير 2025 ركّزت على زيادة الضرائب على المنتجين الصغار وتقليلها على الشركات الكبرى، فتزايدت إيرادات الضرائب بسبب رفع نسبة الضريبة وليس بسبب إدارة الإنتاج.
ومع توقف التجارة المباشرة مع الإمارات منذ أغسطس 2025، بحسب معلومات تحصّلت عليها «أتَـر» في تقرير سابق، يُشير صلاح إلى أنّ سياسات بنك السودان المتذبذبة بشأن احتكار الذهب وفك الاحتكار أثارت مخاوف المنتجين والمشترين فاحتفظوا بالذهب احتياطياً، ولم يجد البنك المركزي حلاً لآلية بيع الذهب، فبات يُخزّن كميات من الذهب بدلاً عن تصريفها. ويتساءل صلاح عن منهجية احتساب الإنتاج: «لِمَاذا يُقدَّر الإنتاج بـ 70 طناً فقط وليس 90 أو 100 طن؟»، ويؤكّد أنه لا توجد آلية واضحة للاحتساب لدى الحكومة، إنما تعتمد على تقديرات جمع البيانات الضريبية، ما يجعل الأرقام المُعلَنة مشكوكاً فيها.
أما حسام تبيدي، مالك شركة تعدين خاصة، فقد أكّد لـ«أتَـر»، أن القطاع الخاص قدّم خلال 2025 أداءً استثنائياً، إلا أن ذلك لم يكن بذات الدعم والسياسات التشجيعية من الدولة. واعتبر تبيدي أن الخطوات الحكومية لمواجهة تهريب الذهب لم تكن فعّالة كفاية، إذ يمكن أن يكون الإنتاج أكبر من ذلك لكن الحكومة لا تحتسبه، مُشدِّداً على ضرورة تعزيز الشراكة مع المستثمرين بدل التعامل الاحتكاري، وعبّر عن ترحيبه بإلغاء الاحتكار الحكومي للذهب، وأضاف: «نتطلّع إلى تنفيذ حلول استراتيجية حقيقية، مثل إنشاء بورصة ذهب محلية مُتّصلة بالأسواق العالمية، وتخفيض الرسوم على التجار والمستثمرين».
وبحسب تبيدي، فإنّ بعض المُنقبين، في ظلّ غياب هذه البيئة التنظيمية، يجدون أنفسهم مضطرين للجوء إلى خيار التهريب لتسويق إنتاجهم، لأن السوق الرسمي لا يوفر لهم السيولة اللازمة في الوقت المناسب.
تهريب مُسلّح
مؤكّداً ما مضى إليه تبيدي، يُبيّن أحد مهربي الذهب، مفضّلاً حجب اسمه، في حديثه لـ«أتَـر» أنّ غياب عائدات الصادرات يعود إلى السياسات الحكومية الخاطئة، ويقول: «ليس لدينا عداء مع الدولة، لكن إن كانت القنوات الرسمية تُفقِد إنتاجنا من الذهب قيمته فالأفضل أن نهرّبه». وأشار المُهرّب إلى أن وتيرة التهريب ازدادت خلال النصف الثاني من العام، وأصبحت المنطقة الواقعة على بعد 30 كيلومتراً شرق مدينة أسوان بورصةً لتداول الذهب المهرب من السودان.
ويكشف المُهرّب أنه يمتلك شركات توريد خارجية، وأنه نقل جزءاً من أنشطته إلى مصر، ويضيف أنه يتسلّم المبالغ من مشترين من جنسيات مختلفة (مصرية وليبية وتونسية) عبر شبكات معروفة لديه، ثم يحوّلها إلى حساباته في الإمارات. ومن خلال هذه الأموال يدفع المقابل لجلب الواردات عبر مصر أو عمان إلى السودان، ويرى أن ذلك ليس جريمة، بل نتيجة اختلالات في النظام السوداني جعلت من الذهب سلعةً بالعملة الأجنبية ضرورية لعمليات الواردات والصادرات.
يؤكّد المهرب أيضاً أن عملية التهريب تجري بحراسة مسلّحة وفقاً لحجم الذهب المهرّب، إذ ترافق الشحنات سيارتان مع وحدة مسلحة إلى منطقة التسليم، ورغم أن تكلفة النقل وتوفير الأمن مرتفعة، فإنه يحتفظ بجميع العائد بالعملة الأجنبية خارج البلاد.