مُسيّرات في سنجة: هلع وخوف وسط المواطنين
مراسل أتر
ولاية سنار – استهدفت مُسيّرة استراتيجية، منتصفَ نهار الاثنين 12 يناير، مقرَّ الفرقة 17 مشاة التابعة للجيش السوداني، بمدينة سنجة حاضرة ولاية سنار، بالتزامن مع اجتماعٍ لوُلاة ولايات النيل الأزرق وسنار والنيل الأبيض والجزيرة في مقرّ الفرقة. وخلَّف الهجوم حتى الأمس وفق مصدر لمراسل «أتَـر» 31 قتيلاً.
وبحسب معلومات تحصّل عليها مراسل «أتَـر»، ضمّ الاجتماع، إضافة إلى وُلاة الولايات الأربع، القيادات العسكرية لفِرق تلك الولايات، ورتباً عظيمةً من ضباطها، وقيادات من الإسلاميين.
وكان بيان صادر عن والي ولاية النيل الأبيض، أكّد مقتلَ كلٍّ من الماحي حماد عبد الله، الذي يَعمل رئيساً للمراسم بولايته، والرقيب عبد الهادي الصادق، ضمن حرسه أثناء الهجوم؛ بينما أعلن حاكم إقليم النيل الأزرق، وفاة عدد من موظفي الإقليم في الهجوم، لم يُحدَّد عددهم.
وكشف مصدر بأمانة حكومة ولاية سنار، أنّ معلومات استخبارية، توفرت قبل وقتٍ وجيزٍ من بدء الهجوم، تحرّكت على إثرها القوات الأمنية التي أجْلَت الولاة المُجتمِعين والضباط إلى مكان آمن داخل مقر الفرقة قبل بدء الهجوم. وقال مصدرٌ إن القصف كان مُركَّزاً على القاعة الأولى التي كان بها اجتماع الولاة، بينما كانت بقية الضربات في فِناء الفرقة.
وأخبر مصدرٌ يعمل بمؤسّسة حكومية بمدينة سنجة، باستهداف هجمات المُسيّرة مكتب المعلوماتية داخل مقر الفرقة 17، ما أدّى إلى مقتل الضابط المسؤول بالمكتب وعدد من معاونيه. وكشف عن أن لجنة أمن الولاية أخْلَت المؤسسات الحكومية والخاصة من الموظّفين والعمّال في اليوم التالي للهجوم قبل مواعيد نهاية العمل الرسمية، تحوّطاً من استهداف المدينة مرة أخرى، خاصةً وأنّ معلومات جرى تداولها في المدينة تفيد بتحليق طائرة مُسيّرة في المدينة نهار ومساء الثلاثاء، تَبيَّن لاحقاً أنها استهدفت مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض.
وكشف مصدرٌ عسكريٌّ من داخل قيادة الجيش بالمدينة، فضّل حجب اسمه، لمراسل «أتَـر»، عن أنّ العدد الكبير من القتلى والمُصابين يَرجع إلى حداثة تجربة أغلب الموجودين بمقر الفرقة، من المُستنفَرين الذين لم يتلقّوا تدريباً عسكرياً كافياً. وأوضح أنّ المُسيرة قذفت جزءاً من حمولتها، رغم محاولات المُضادّات الأرضية التصدّي لها، لكنها أوقعت إصابات بين جنود الحراسات الذين لم يتجاوز عددهم ثلاثة أفراد، ليحضر آخرون من الحراسة إلى مكان الحادث لإسعاف زملائهم، فعاودت الهجوم بثلاث قذائف أخرى.
وأفاد تجّار من سوق سنجة بأنّ السوق توقّف لساعات، وحدث بعض الاضطراب في عمله أثناء لحظات الهجوم، لكنه عاد للعمل بعد ساعات من الهجوم، وأنّ بعض التجار فتحوا متاجرهم بعد سويعات من الهجوم. وقال حمودة عبد السلام، تاجر بسوق سنجة، إنّ السوق يعمل حالياً والحركة التجارية تجري كالمعتاد، بينما قال مواطنون إنّ شبكة الكهرباء تعمل على نحوٍ طبيعي، وكذلك شبكة المياه.
وتحدّث مصدر محلي لمراسل «أتَـر»، قائلاً إنه وبالتزامن مع الهجمات، جرى إخلاء المستشفيات العامة والخاصة من الزوار والمُرافقين، وأُبقي على المرضى الذين لا تسمح لهم أوضاعهم الصحية بمغادرة المستشفى، مع استقبال الجرحى الذين قَدَّرَ المصدر عددهم بأكثر من مائة جريح في مستشفيات سنجة خلال اليوم الأول للهجوم، وأكّد أن عدد القتلى يفوق الأرقام المُعلنة، وأن جلّ الضحايا من سنجة ومنهم آخرون من مناطق قريبة مثل «أم بنين» و«الدندر» وأضاف: «هناك جرحى إصاباتهم خطرة، نُقلوا إلى مستشفيات خارج الولاية مثل مستشفى ود مدني بولاية الجزيرة، والقضارف». وزاد أنه حتى نهاية اليوم التالي للهجوم، كانت سيارات الإسعاف تنقل الجرحى إلى خارج المدينة.
وقال مواطنٌ آخرُ من مدينة سنجة لمراسل «أتَـر»، إنه أدّى واجب العزاء في يوم واحد في خمسة من المتوفين نتيجة الحادث، بينهم ثلاثة من موظفي المراسم، واثنان من منتسبي الفرقة. وكشف عن أن بعض الجثامين، تأخر دفنها، خوفاً من معاودة المُسيّرات هجومها على تجمّعات المُشيّعين.
وأخبرت معلمة بإحدى المدارس الواقعة قرب مقرّ الفرقة، أنّ المُسيّرة أوقعت أربع قنابل داخل المقر، وقالت لمراسل «أتَـر»، إنه فور سماع أصوات التفجيرات التي خلفتها المُسيرات، فزع الطلاب وقفزوا خارج أسوار المدرسة، في اتجاهات تبتعد بهم من مقر الفرقة، بينما لجأ المعلمون للاحتماء تحت أثاث المكاتب المدرسية، إلى حين إجلائهم بعد ساعة من توقف الهجوم، وسط حالة من الخوف والقلق.
وقال مصدر تحدَّثَ لمراسل «أتَـر»، إنّ المدارس لم تفتح أبوابها حتى الثلاثاء، وإنّ بعض التلاميذ رجعوا إلى مدارسهم، وذلك على الرغم من عدم صدور قرار رسمي من السلطات بذلك. وأشار إلى قلة الحركة في شوارع المدينة عقب الهجوم، وقال: «ترى الخوف بوضوح في عيون الناس، ولا طمأنينة تجاه المستقبل، إذ لا ضامن من تكرار الهجمات مرة أخرى»، وأضاف قائلاً: «على الرغم من أنّ الناس يَمضون في تجارتهم وعملهم ودراستهم، إلا أنّ الخوف لا يزال مسيطراً». ونوه إلى أن التجار بسوق سنجة يُزاوِلون أعمالَهم، لكنّ متاجر التجّار من خارج المدينة ما زالت مغلقة.
سوق صابرين: تراجع بعد عودة بعض الأسواق القديمة إلى العمل
مراسلة أتر
كرري – منذ بدء الحرب في أبريل 2023، تحوّل سوق صابرين إلى سوق رئيس بمدينة أم درمان، لكنه بدأ في تراجع جزئي بعد استعادة الجيش وحلفائه السيطرة على ولاية الخرطوم، وعودة بعض الأسواق القديمة للعمل.
يقع سوق صابرين في محلية كرري شمالي أم درمان. وعقب اندلاع الحرب في ولاية الخرطوم شهد السوق توسّعاً كبيراً، وأصبح السوق الوحيد الذي يُلبي احتياجات سكّان أم درمان، طوال فترة الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع في ولاية الخرطوم، ما أدّى إلى تمدّده داخل الأحياء السكنية المجاورة، بما في ذلك الحارة 36 و37 و55.
استوعب السوق تجّاراً قدموا من أسواق توقفت عن العمل مثل السوق الشعبي وسوق أم درمان وسوق ليبيا، كما فُتحت به خطوط مواصلات جديدة لم تكن موجودة من قبل، تَربطه بمناطق بعيدة داخل أم درمان من بينها أحياء دار السلام بمحلية أمبدّة، وكذلك إلى مدينة الخرطوم وضاحية الحاج يوسف.
خلال فترة التوسّع، نشأ في الجزء الغربي من السوق ما يُعرف بسوق «دقلو»، وهو سوق لبيع المنهوبات من منازل المواطنين والمحلات التجارية، واستمر نشاطه حتى بعد استعادة كامل ولاية الخرطوم إلى سيطرة الجيش، وكان باعته من المدنيين والعسكريين، لكنّ نشاطه انحسر قليلاً في الفترة الحالية، لتمدّد ظاهرة أسواق «دقلو» في مناطق أخرى بولاية الخرطوم. ويخلو سوق صابرين حالياً من أفراد القوات النظامية وفقاً لمشاهدات مراسلة «أتَـر».
وشهد سوق صابرين في الآونة الأخيرة تراجعاً جزئياً، نتيجة عودة عدد من التجار إلى أسواقهم ومحلاتهم الأصلية، وفتح طرق الوصول نحوها، الأمر الذي أسهم في انخفاض حركة البيع وعدد مرتادي سوق صابرين، خاصة من مناطق الثورات والإسكان ودار السلام وأم درمان القديمة، فقد كان سكّان هذه المناطق مضطرين إلى الاعتماد على سوق صابرين بسبب إغلاق أسواقها.
يقول عبد الحليم، التاجر الذي انتقل من السوق الشعبي بأم درمان إلى سوق صابرين بعد اندلاع الحرب، إنّ سوق صابرين كان من ضمن قليل من الأسواق التي تعمل في ولاية الخرطوم في تلك الفترة، مشيراً إلى أن السوق الشعبي كان أفضل بالنسبة له من حيث المساحة واتساع السوق وامتلاك دكان ثابت به، إلا أنه بسبب انتقاله إلى سوق صابرين اضطر إلى العمل على طبلية بسبب ضيق السوق وارتفاع أسعار إيجارات الدكاكين.
وأوضح عبد الحليم أنه قرّر الاستمرار في سوق صابرين، لقربه من منزله إضافة إلى ثبات طبليته في موقع جيد يرتاده المشترون على نحوٍ أفضل مقارنة بالسوق الشعبي، الذي لم يَعُدْ للعمل كلياً حتى الآن بسبب انهيار مبانيه بفعل القصف وقطع الطرق المؤدية إليه، وأشار إلى أنه لم يتأقلم في البداية مع وضعه الجديد، لكنه بات يراه حالياً أفضل من السوق الشعبي، لافتاً إلى أن عدداً من التجار قرّروا البقاء في صابرين بسبب انقطاع المياه والكهرباء في الأسواق القديمة، ما يَضطرّهم إلى إغلاق محلّاتهم عند الثانية ظهراً، بينما يختلف الوضع في سوق صابرين.
بُرَام: مدينة تتأرجح بين السِّلْم والحرب
مراسل أتر
جنوب دارفور – ظلّت مدينة برام، حاضرة محلية برام، الواقعة جنوب مدينة نيالا بولاية جنوب دارفور تتأرجح بين السلم والحرب منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023. وشهدت المحلية أحداثاً متفاوتة خلال السنتين الماضيتين، بدأت باقتتال قبَلي في أكتوبر 2023 في أجزاء منها، قبل أن يتوقف القتال وتعود الحياة تدريجياً للاستقرار النسبي. واستقبلت برام عشرات النازحين من مناطق القتال في إقليم دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم توزعوا بين أحياء المدينة والقرى المجاورة.
يقول أحد المواطنين من برام لـمراسل «أتَـر»، إنه جاء إلى المنطقة مع مئات الفارّين من الحرب، بعضهم قدم من الخرطوم والجزيرة بعد خروج الدعم السريع منهما، ما زاد من عدد السكان الذين يعملون بالرعي والزراعة المطرية، فهما النشاطان الرئيسان هناك.
ويضيف أن الحياة صارت نشطة بالمدينة، بعد حالة الاستقرار التي أعقبت القتال القبَلي بين مكوّنين رئيسين في المنطقة، فانتعشت الحركة التجارية بنحوٍ أفضل بعد نهاية الموسم الزراعي الذي كان وفيراً في إنتاج المحاصيل الزراعية مثل الفول والسمسم والذرة.
يخبر مصدر، فضّل حجب اسمه، مراسل «أتَـر»، أنّ أسواق المدينة أصبحت عامرة بالبضائع والسلع التجارية التي ترد إلى المنطقة من الدبة بالولاية الشمالية وسوق النعام على حدود جنوب السودان وتشاد، وأن أسعارها مناسبة للغاية.
سُجّلت بمدينة بُرام حالة إصابة واحدة بمرض الحصبة، وفقاً لآخر تقرير وبائي لوزارة الصحة بولاية جنوب دارفور. ورغم الكثافة السكانية وأعداد النازحين الذين يعيشون في المنطقة، لكن الرعاية الصحية متدهورة على نحو بالغ، إذ لا يوجد سوى مستشفى وحيد يَفتقر إلى الكوادر الطبية والمعدات الضرورية. ويقول أحد سكان المنطقة لـمراسل «أتَـر» إنه لا توجد رعاية طبية في المدينة، فالمستشفى لا توجد به كوادر ولا توجد معدات، والأدوية غير متوفرة، وهنالك معاناة حقيقية بين المواطنين والنازحين الذين وصلوا إلى المنطقة في ظروف إنسانية بالغة ويحتاجون إلى الرعاية الطبية غير المتوفرة حالياً.
ومع وفرة المواد الغذائية والسلع التي ترد إلى المدينة من عدة جهات، فهنالك انخفاضٌ ملحوظٌ في أسعار المُنتجات الزراعية التي كانت وفيرة هذا الموسم، حيث تراوح سعر قنطار السمسم بين 70 و90 ألفاً وسعر قنطار الفول بين 25 و26 ألف جنيه وسعر جوال الذرة 12 ألف جنيه. أما الصمغ العربي فهو متوفر حالياً في السوق بكميات كبيرة، لكن أغلبها من صمغ أشجار الطلح، ويُباع بأسعار متدنّية، ويبلغ سعر قنطاره ما بين 15 إلى 16 ألف جنيه فقط. أما صمغ الهشاب فهو قليل للغاية وسعره ما بين 180 إلى 200 ألف جنيه للقنطار، والقوة الشرائية ضعيفة جداً في الوقت الحالي.
ويقول أحد المواطنين الذين تحدثوا إلى «أتَـر»، إنّ السكان يترقبون بدء موسم الصمغ العربي الذي تتميّز به المنطقة، ومن المتوقع أن يُحدِثَ حراكاً تجارياً يسدُّ العجز والضعف في أسعار المحاصيل الزراعية.
ويتخوَّف السكان في المدينة من حالة السيولة الأمنية التي تَنتظم مناطق واسع في المحلية وخاصة مدينة برام التي تشهد بعض أطرافها حالة انفلات أمني، يتمثّل في بيع وتداول الأسلحة والذخائر علناً في الأسواق، ورواج تجارة البنقو الذي يُنتج من منطقة الردوم القريبة.
ويخبر مصدر من المدينة مراسل «أتَـر»، بانتشار تجارة المخدرات بأنواعها مثل الحبوب التي تدخل إلى المدينة من تشاد وجنوب السودان بجانب تجارة السلاح، مشيراً إلى أنها عوامل تشير إلى عدم استتباب الأمن وهشاشته.
ويؤرّق غياب السلطة التنفيذية مضاجع السكّان في برام، رغم أنّ الحديث يدور حول وجود سلطة تنفيذية في نيالا القريبة التي أصبحت عاصمةً لحكومة «تحالف تأسيس»، إلا أنّ برام لا تزال غير خاضعة لأيّ سلطة تدير شؤونها. ويصف مصدر لـمراسل «أتَـر» الوضع بالخطير، إذ إنّ السكّان يُديرون أمورهم عبر الإدارات الأهلية التي لا تملك سلطة قوية، لكنها تَسعى إلى وضع نهاية للتجاوزات التي تحدث بين الفترة والأخرى.



