هذه مقابلة مع محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى، حول العوائق التي تَحُول دون نهوض المشروع، وأسباب تقلُّص المساحة التأشيرية هذا الموسم، واتجاه المشروع نحو محاصيل نقدية جديدة، ومشكلات التمويل، ومستقبل المشروع والمزارعين.
1. قُلتم في الفترة الماضية إنكم قلّصتم المساحة التأشيرية (المساحة المستهدفة من الزراعة) من 400 ألف فدان إلى 300 ألف فدان، ومع ذلك فإنّ المزروع، كما أعلنتم عنه في الفترة الماضية، لم يزد عن 210 آلاف فدان. ما سبب التناقص في المساحة؟
إنّ سبب تقلّص المساحة، كما قلت في مرات سابقة، هو أنّ الميزانية اللازمة لتمويل المساحات التي أعلنّاها لم تتوفر لنا، وهي بالطبع مساحاتٌ طموحة، لكنّ ضيق ذات اليد وارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج، حدّ من قدرتنا على شراء مدخلات الإنتاج وتوزيعها على المزارعين. تلقينا وعوداً، وأعلنَّا عن المساحة التأشيرية، لكن هذه الوعود لم يوفَ بها.
2. في هذا العام، لأوّل مرة، تعجز إدارة مشروع الجزيرة عن تمويل المزارعين، لماذا حدث ذلك؟
كانت إدارة المشروع في السابق تتلقّى التمويل من الحكومة مُباشرة، ولاحقاً كانت ترهن أصول المشروع، وتتلقّى تمويلاً من البنك الزراعي. لكنّ الدولة قرّرت في هذا الموسم أن يكون التمويل حصراً على البنك الزراعي، ولم يكن لدينا ما نقدّمه للمزارع، وهذا وضع لن يتكرّر في المواسم القادمة، إذ نعمل على التعاقد مع شركات في الخارج، في مجال الأسمدة، بخطابات اعتماد من وزارة المالية وبنك السودان، ونجلب التمويل للمزارعين، وبالفعل عقدنا شراكات مع جهات خارجية، وسنستفيد منها في تمويل المزارعين في المواسم القادمة.
3. كيف تنظرون إلى التركيبة المحصولية الحالية بالمشروع، خاصة مع انزواء محاصيل نقدية مهمة وظهور محاصيل بديلة؟
نعمل على مواكبة التطوّر في الزراعة، والمزارعون يَميلون الآن لزراعة المحاصيل النقدية، وهي محاصيل تجعل المُزارع يرتبط بأرضه. وفي هذا الصدد، نُشجع زراعة المحاصيل ذات العائد المُجزي. وفي المواسم القادمة سوف نُموّل محاصيل مثل الصويا، القطن، العدسية، فضلاً عن القمح الذي نعدّه محصولاً استراتيجياً. نعمل على تنويع في التركيبة المحصولية، بالتركيز على المحاصيل التي تساهم في استقرار وتنمية حياة المزارع.
4. تحدّثتم في السابق عن أهمية السعر التركيزي (يُحدَّد من قِبل الدولة لشراء المحصول بسعر مجزٍ)، لمزارعي القمح في المشروع، هل جرى تحديد سعر تركيزي لهذا العام؟
حتى الآن لم يجرِ تحديد سعر تركيزي من وزارة المالية، وهي الجهة المنوط بها تحديده. ولسنا معنيِّين به في هذا الموسم، لأننا لم نُموِّل المزارعين. يتعيّن على البنك الزراعي، الذي موّل أكثر من 60 ألف فدان بالمشروع، أن يتواصل مع وزارة المالية لتحديد سعر تركيزي. لكننا في المواسم القادمة، سوف نموّل المزارعين بصيغة «السَّلَم» ونُعلن عن سعر تركيزي نتسلّم به المحصول بقدر قيمة سداد التكلفة على الأقل، وفي المستقبل سوف نوفر مخازن للمحاصيل ونصدّرها، بما يحقّق عائدَ أرباح مجزياً، ونخطّط للاستفادة من ميزات إضافية للمحاصيل. وسيكون السعر التركيزي في جميع هذه المراحل والإجراءات «مركزياً»، كي نعالج هذه القضية بما يفيد المنتج. وبالطبع، تحتاج هذه المراحل والإجراءات إلى تمويل، وهو ما نعمل على جلبه من شركائنا في الداخل والخارج.
5. كيف تبدو لكم السياسة التمويلية الحالية، وكيف تفكّرون في المستقبل في ما يخص التمويل؟ وما هو دَور وزارة المالية وبنك السودان في مستقبل خططكم؟
لوزارة المالية دَور مركزيّ في تمويل مشروع الجزيرة، لكنْ كبَّلته بعض القيود والقوانين التي نعمل على إزالتها في المستقبل، بالنقاش مع المزارعين وأصحاب المصلحة، من أجل سَنّ قوانين تُلبّي طموح المزارع. ونطمح مستقبلاً في أن تقدِّم لنا وزارة المالية عبر بنك السودان خطابات ضمان، لنتمكّن من استيراد مدخلات الإنتاج، وهي أساس العملية الزراعية. لذلك ننبّه إلى فداحة ما يحدث الآن، ونأمل أن نتعاون لتجاوزه.
6. غاب محصول القطن لسنوات من قائمة المحاصيل النقدية الأساسية، وهو الذي قام عليه المشروع، هل من أفكار مستقبلية لإعادة أحياء محصول القطن؟
نعمل الآن على إدخال محاصيل جديدة، مثل فول الصويا باعتباره محصولاً نقدياً مُهمّاً. وبطبيعة الحال لن ننسى القطن وسنعمل على إيجاد تمويل له، إذ إنّ لنا إرثاً ضخماً في زراعته والتعامل معه في مشروع الجزيرة. ونعمل جدياً على زراعة دورة زراعية كاملة «مسلسل» من القطن في الموسم القادم، بتمويل كامل، وسنُركّز بدايةً على زراعته في أقسام مُعيّنة. وفي الخطوة الأولى مستقبلاً، نخطّط لزراعة 400 ألف فدان قطن، ونتعهّد بأن يرجع القطن إلى مكانته الرائدة بمشروع الجزيرة.
7. في خواتيم ديسمبر الماضي كُوِّنت الجمعيات القاعدية لمهن الإنتاج الزراعي بمشروع الجزيرة، كيف تنظرون إلى طبيعة تكوينها وفائدته وانعكاس وجودها على القرار بالمشروع؟
وجود جسم يمثل المزارعين أمرٌ يسرُّنا، ويُساعدنا في الوقت ذاته على اتخاذ القرار وتحمّل المسؤولية. في الفترة المقبلة سوف نعمل مع تنظيمات المزارعين للارتقاء بالمشروع، وجلب التمويل الكافي.
8. كيف تُقيّمون الدعم المُقدَّم لتمويل القمح من بنك التنمية الأفريقي عبر برنامج الغذاء العالمي؟ وكيف يبدو لكم مستقبل هذه العلاقة؟
نُثمّن عالياً الدور الكبير للمنظمات الإقليمية والعالمية في دعم صغار المزارعين، ونُشيد خاصةً بالمنحة التي ظلَلنا نتلقّاها من برنامج الغذاء العالمي، والإغاثة الكاثوليكية التي موّلت بعض المزارعين هذا العام، فضلاً عن المنحة المُقدَّمة لتأهيل ميجر الحِويوة من برنامج الغذاء العالمي، بدعم من صندوق قطر للتنمية، وهذا كلّه ترَكَ أثراً إيجابياً في حياة المزارعين، ونأمل في تطوير هذه العلاقات مستقبلاً، ونعتزّ ونفخر بهذه الشراكات المُثمرة.
9. هل كُوِّنت لجنة لإعادة إعمار مشروع الجزيرة؟ وما هي عضويتها؟ وهل وزارة المالية طرف بها؟ وما هو تقديركم لحجم الأضرار بالمشروع؟
نعم، بدأ تكوينها في نوفمبر 2025 وانتهى على المستوى القاعدي في 15 يناير 2026، وبها تمثيل للمزارعين وأصحاب المصلحة. وكما تعلمون فقد تعرَّض المشروع لتدمير كامل في فترة سيطرة قوات الدعم السريع، حيث نُهِبَت أكثر من 100 سيارة خاصة بالمشروع، ودُمّرت آليات الهندسة الزراعية، وتضمّ 50 جراراً زراعياً بجميع ملحقاتها، ونُهبت مخازن المشروع في بركات والحصاحيصا، وآليات المحالج وقطع الغيار، والتقاوي والأسمدة والمبيدات. والأهمّ من كل ذلك، توقّف النشاط الزراعي بالمشروع، ما ألحق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين تعتمد حياتهم على الزراعة. حتى الآن، تُقدَّر الخسائر في المشروع بـ 2,2 مليار دولار، وهي خسارة كبيرة وفادحة، وتلك الفترة قطعت التطوّر الطبيعي للمشروع، لكننا عازمون على النهوض به إلى حال أفضل مما كان عليه في السابق.
10. هنالك شركات عالمية ومحلية تريد الاستثمار بالمشروع، هل أنتم مستعدون للتعاون معها؟
نُرحّب بجميع المُستثمرين في مشروع الجزيرة، ونعكف الآن على عقد ورش مُختصّة في القوانين والأرض والحوكمة نستهدف بها خطة شاملة لإعادة الإعمار، وتشمل الإعداد لعقد ورشة عمل تهدف إلى وضع رؤية مستقبلية متكاملة على المدى القصير والمتوسط والطويل. وستتناول الورش عدداً من القضايا المُهمّة مثل مراجعة القوانين واللوائح المنظِّمة للمشروع، وقضايا الري، وأطر الحوكمة، إلى جانب مناقشة الشواغل الأخرى ذات الصلة. وبالطبع هناك جهات محلية راغبة في الاستثمار بالمشروع، يحول بينها وذلك بعض القوانين التي نعمل على إزالتها، وهناك شركات ومنظمات من تركيا ومصر وقطر وجنوب أفريقيا وغيرها ترغب في الاستثمار بالمشروع، ولنا تفاهمات مع هذه الجهات، وسنعمل في المواسم القادمة على دخولها مرحلة العمل بالمشروع.



