بعد أكثر من سنتين على اندلاع الحرب التي خلَّفت حالة إنسانية بائسة، وأثرت بشدة على الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، الذين خسروا مدخراتهم وفقدوا أعمالهم ووظائفهم؛ بدأ التجار في سوق ليبيا بمحلية أمبدة إعادة الحياة وبعث النشاط التجاري في السوق، الذي كان على قائمة أكبر أسواق العاصمة السودانية، وأكثرها نشاطاً، وكانت ترد إليه البضائع من عدة دول أشهرها الصين، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة، ومصر والسعودية وعدة دول من غرب أفريقيا، ويتردد عليه يومياً آلاف الأشخاص.
ويُعد سوق ليبيا من بين الأسواق الأكثر تضرراً في الحرب، بعد أنّ طالت السرقات كميات كبيرة من البضائع التي كانت في مخازن الشركات والتجار الذين جلبوها لمُقابلة موسم رمضان، وهو أهم المواسم التي يعتمد عليها السوق، لكنها تعرضت لسرقات واسعة بعد أيام قليلة على اندلاع الحرب.
ورغم أنّ نشاط السوق قد بدأ محموماً في الفترة ما بين يونيو ونوفمبر 2025، بعد استرداده إلى سيطرة الجيش، وعودة معظم التجار لممارسة أنشتطهم؛ يشهد سوق ليبيا بعد إحيائه ركوداً وصفه عدد من التجار الذين تحدثوا لـ«أتر»، بأنه غير مسبوق. ويعزون سبب الركود إلى الوضع الاقتصادي المتدهور لدى المواطنين، الذين عاد أغلبهم من رحلات النزوح، وما زالوا يحاولون استئناف أعمالهم التي توقفت منذ بدء الحرب.
غداة الحرب
لا يمكن أن تصدق أن السوق الذي يضم أكثر من ثلاثة آلاف دكان أصبحت أبوابها مفتوحة، كأنها لم تكن ذات يوماً ممتلئة بأصناف البضائع القيمة. اللصوص لم يكونوا في عجلة من أمرهم، ولذلك لم يتركوا شيئاً خلفهم.
وبالعودة إلى بداية الحرب، كانت الدعم السريع قد بسطت سيطرتها على مناطق واسعة بمحليتي أم درمان وأمبدة بحلول الأسبوع الأول، ورغم أنها لم تتقدَّم نحو السوق الذي كان في حالة تأهب لختام موسم شهر رمضان، أهم المواسم التي يعتمد عليها التجار، لكن العصابات المسلحة وآلاف اللصوص اقتحموا السوق في ثالث أيام عيد الفطر الذي تلا بداية الحرب، ونهبوا عدة بنوك على رأسها بنك أم درمان الوطني، وسرقوا كميات كبيرة من الأحذية والملبوسات من مخازن الشركات والتجار ومن داخل المحلات التجارية في السوق الذي يتكون من ثلاثة مربعات رئيسة هي مربع أربعة وخمسة وستة بجانب امتدادته في سوق موقف بحري وسوق دبي الواقعين قرب السوق الرئيس.
«بدت عمليات نهب السوق أقرب لكونها منظمة»، يقول إبراهيم حماد أحد تجار سوق ليبيا، ويضيف لـ«أتر»: «انقض مسلّحون بالأسلحة النارية يقودون مركبات دفع رباعي على البنوك والأماكن التي يتوقع أن تكون بها سيولة نقدية. أما آلاف اللصوص الذين كانوا يحملون الأسلحة البيضاء والعصي، فانشغلوا بنهب البضائع، مثل الأحذية والملبوسات النسائية والرجالية. استمرت عمليات النهب المنظم لعدة أيام، تحول بعدها السوق الذي كان ضاجاً بالحياة إلى أطلال خربة وامتلأ باللصوص الذين اتخذه بعضهم مسكناً لهم».
يضيف حماد باستغرب: «لا يمكن أن تصدق أن السوق الذي يضم أكثر من ثلاثة آلاف دكان أصبحت أبوابها مفتوحة، كأنها لم تكن ذات يوماً ممتلئة بأصناف البضائع القيمة». ويستطرد: «اللصوص لم يكونوا في عجلة من أمرهم، ولذلك لم يتركوا شيئاً خلفهم».
بنهاية الأسبوع الثالث للحرب، أصبح سوق ليبيا داخل مناطق سيطرة الدعم السريع التي حولت قسم شرطة سوف ليبيا لمعتقل ونصّبت وكيل نيابة على نيابة السوق، وتحولت طرقات السوق الضيقة إلى مخازن للمركبات العسكرية تجنباً لقصفها بالطيران.
بعد تكثيف الدعم السريع وجودها داخل السوق، تحولت السرقات لأشكال أكثر احترافية مما كانت عليه، وانتهت بتفكيك جملونات الزنك التي كانت تغطي ثلاثة آلاف دكان، بحسب عضو سابق في الغرفة التجارية لسوق ليبيا تحدث لـ«أتر»، وأضاف قائلاً: «تعرَّض السوق لسرقة غريبة، تمثلت في تفكيك المظلات التي كانت تغطي السوق بأكمله، وعندما عاد التجار إلى السوق وجدوا ألواحاً قليلة من الزنك لم تُخلع من سقف المظلات التي ترتفع لأكثر من عشرة أمتار فوق المتاجر العملاقة».
استرداد السوق
كان استرداد سوق ليبيا عملية معقدة بالنسبة للجيش، لأن الدعم السريع حوَّلت المباني الشاهقة المجاورة إلى منصات لإطلاق الصواريخ والقنص بالأسلحة المزودة بمكبرات الصورة، ومنها كانت تستهدف تمركزات الجيش في كرري والمهندسين.
كان استرداد سوق ليبيا عملية معقدة بالنسبة للجيش، لأن الدعم السريع حوَّلت المباني الشاهقة المجاورة إلى منصات لإطلاق الصواريخ والقنص بالأسلحة المزودة بمكبرات الصورة، ومنها كانت تستهدف تمركزات الجيش في كرري والمهندسين. وبعد محاولات عدّة وقصف مكثف بالطيران والمسيرات، استطاع الجيش إزاحة الدعم السريع والسيطرة على سوق ليبيا في أواخر مارس 2025.
متحدثاً لـ«أتر»، يقول محمد عبد الله أحد العاملين بسوق ليبيا، واصفاً السوق بعد خروج الدعم السريع منه، إنه لم يكن صالحاً لممارسة النشاط التجاري، بسبب آثار القصف المُتبادل وعمليات التخريب المُتعمد والسرقات المنظمة.
ويشير عبد الله إلى أن تجار سوق ليبيا كانوا قد انتقلوا إلى العمل في أسواق عطبرة والدبة وبورتسودان، وقليلٌ منهم نقل نشاطه إلى مصر، لكن فور انتهاء المعارك في الخرطوم، بدأوا في العودة لأنه لم يكن أمامهم من خيار سوى ترميم ما يمكن ترميمه بأسرع وقت. وفي فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر استرد السوق بعضاً من بريقه السابق واكتظ بالزحام. ويصف محمد عبد الله ما جرى بأنه «بعث جديد للسوق الذي لم يشهد في تاريخه أحداثاً مدمرة مثل ما جرى له في فترة الحرب».
خدمات لم تعُد
أكثر ما يزعج التجار في الوقت الراهن هو انقطاع الكهرباء والمياه عن السوق، ويصف عدد من التجار وضع السوق دون كهرباء ولا مياه، بأنه معاناة حقيقية بالنسبة لهم، خاصةً أن شهر رمضان اقترب، وهو الموسم الرئيس بالنسبة لهم، وإذا لم تتوفر كهرباء لن يتمكنوا من العمل بصورة جيدة. يقول الطاهر أحمد وهو أحد التجار بالسوق لـ«أتر»: «عدنا رغم انقطاع الكهرباء والمياه عن السوق، ولكن لأنه ليس لدينا بدائل عنه سوف نحاول المساهمة في عودة الخدمات الضرورية بأسرع وقت».
كانت معظم كوابل الكهرباء في المنطقة قد سُرقت وتوقف إمداد الماء، ورغم ذلك تدفقت البضائع إلى السوق من مناحٍ مختلفة. يقول ياسر آدم، وهو تاجر بسوق ليبيا لـ«أتر»، إن التجار عادوا لأنشطتهم القديمة وحالياً امتلأت الأرفف والمخازن بالأحذية والملبوسات الجاهزة والأقمشة بأنواعها، وإن عشرات الشركات المحلية وكبار الموردين عادوا للعمل في السوق.
وتغيبت عن السوق في الوقت الحالي عشرات الشركات الصينية والتركية والسورية التي كانت تدير أنشطة تجارية ضخمة من سوق ليبيا. ولا يعتقد أحد التجار الذين تحدثوا لـ«أتر»، وفضل جعل اسمه طي الكتمان، أن الشركات غير المحلية سوف تعود للعمل قبل توقف الحرب خاصة وأن كثيراً منها لحقت بها أضرار وخسائر فادحة بسبب عمليات السرقة التي حدثت في السوق.
تفتيش وتسجيل
يقول أحد التجار بالسوق لـ«أتر»، إنه بعد عودة التجار إلى السوق بات لزاماً التسجيل لدى الخلية الأمنية التي اتخذت من أحد المباني المجاورة للسوق مقراً، وكل من يريد ممارسة نشاط في السوق يتعين عليه أن يذهب أولاً للخلية الأمنية.
اللافت أن ما يُعرف بالخلية الأمنية، قد وضَعَتْ يدَها على تنظيم السوق، والذي كان في السابق من اختصاصات الشرطة. ويقول أحد التجار بالسوق لـ«أتر»، إنه بعد عودة التجار إلى السوق بات لزاماً التسجيل لدى الخلية الأمنية التي اتخذت من أحد المباني المجاورة للسوق مقراً، وكل من يريد ممارسة نشاط في السوق يتعين عليه أن يذهب أولاً للخلية الأمنية التي تتقصى عنه وتأخذ صورة من أوراقه الثبوتية وتمنحه بطاقة صادرة منها وتسمح له بالعمل.
يضيف التاجر: «في بعض الأوقات تجري حملات تفتيش على العاملين في السوق وإذا وجدوا أي فرد لا يحمل بطاقة الخلية الأمنية يُقبض عليه فوراً». ويُخبر التاجر أن تأمين السوق في الليل تقوم به الشرطة بصورة جيدة، ولا توجد أي تفلتات أمنية داخل السوق أو حوله إلا في حالات نادرة وبسيطة للغاية.
انخفاض الأسعار
ويشهد السوق حالياً حالة من انخفاض حركة البيع، تراجعت على إثرها الأسعار على نحو لافت، وأصبحت تتفاوت بين نوع وآخر. وفي سوق الأحذية يبلغ سعر دستة الشباشب الرجالية ما بين 220 و240 ألف جنيه، والأحذية الأطفالية ما بين 210 و260 ألف جنيه. أما الأحذية الإسبورت فسعر الدستة منها ما بين 320 و340 ألف جنيه. أما الأحذية البلاستيكية، فتباع الدستة منها بحوالي 37 ألف جنيه فقط وسعر دستة الشباشب النسائية بدون كعب (الزحَّاحة) ما بين 120 و140 ألف جنيه.
وحتى اليوم لم يجرِ رصد خسائر سوق ليبيا، ولم تَخضع لتقييم من أي جهة وفقاً لإفادة عدد من تجار السوق قالوا لـ«أتر»، إنّه رغم أهمية السوق، وما كان يرفد به خزانة الدولة، لكن حتى اليوم لم تتكرم أي جهة لا حكومية ولا حتى الغرفة التجارية بمحاولة رصد وتقييم الخسائر التي تعرَّض لها التجار أثناء الحرب. وأضاف التجار أن السلطات الحكومية تجاهلتهم تماماً ولم تسعَ لمعرفة الخسائر حتى لو من باب العلم على الأقل.
سوق ليبيا قبل الحرب في أبريل 2023
السوق في فبراير 2024، حين بدأ اللصوص في تفكيك المظلات في الجزء الشرقي



