يُقصَد بالقطاع غير المنظَّم أو غير الرسمي، أو اقتصاد الظلّ، الأنشطة الاقتصادية التي تُمارَس خارج الإطار الرسمي للدولة، فلا تَخضع لتطبيق السياسات، ولا تُحتسب قيمة إنتاجها وخدماتها كاملةً ضمن الحسابات القومية للدولة، وتتميّز بصغر حجم رأس المال ووحداته الإنتاجية والخدمية واعتماده على موارد محلية، ما يسهل الدخول فيه والخروج منه.
تعود بدايات الاهتمام الأكاديمي بالقطاع غير المنظّم إلى أعمال الأنثروبولوجي البريطاني كيث هارت، الذي صاغ مفهومه لأول مرة من خلال أبحاثه الميدانية في غانا، مبرزاً أنّ العمّال المهاجرين من الريف إلى المدن يمارسون أنشطة اقتصادية خارج الأطر الرسمية. وساعد هذا المفهوم في إحداث تحوّل منهجي في فهم وإحصاء حجم النشاط خارج الأطر الرسمية، واعتماده مفهوماً مركزياً في تقارير منظمة العمل الدولية في كينيا في العام 1972، والسودان 1973، ما أسهم في انتشاره الواسع بوصفه إطاراً جديداً لتحليل الاقتصاد الشعبي، على الرغم من أنه اعتُبر آنذاك مرحلة انتقالية في مسار التنمية الاقتصادية.
وسَعَت منظمة العمل الدولية، من خلال مقاربة إثنوغرافية، إلى تجاوز النظرة التقليدية التي تختزل الظاهرة في مفهوم البطالة، مؤكّدة أيضاً وجود فُرَص اقتصادية حقيقية داخل الأنشطة غير الرسمية. وفي تقريرها عن السودان عام 1973، أوضحت أنّ توسُّع العمل الحرّ يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل وتقليص فجوة الدخل وتحسين العدالة الاجتماعية. وانطلاقاً من ذلك، برزت مقترحات عملية لدمجه تدريجياً في الاقتصاد الرسمي، شملت الاعتراف به، وإجراء مسوحات دقيقة، وتقدير مساهماته، وتبسيط إجراءات تسجيله وترخيصه، وتحفيز الانتقال إلى الرسمية، وبناء شراكات مع التعاونيات والجمعيات المهنية. على الرغم من هذه التوصيات، لم يبرح تنظيم وحماية هذا القطاع في السودان مكانه بَعدُ، على الرغم من توسّع انتشاره وتزايُد الطلب على منتجاته وخدماته واستمراره باعتباره قطاعاً مستداماً.
كيف أصبح جزءاً من النسيج الاقتصادي؟
ظهَر القطاع غير المنظّم في السودان وتنامَى عبر العقود الماضية نتاجَ تداخل معقّد لظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية، من أبرزها التفاوت التنموي بين الأقاليم، الذي انعكس على ارتفاع معدّلات الفقر والبطالة منذ أواخر السبعينيات، ما دفع العديد من السكّان للجوء إليه مصدراً أساسياً، وأحياناً وحيداً، لكسب العيش. ومع تدفّق المهاجرين إلى المدن الكبرى، برزت من بينهم فئات اجتماعية تمارس أنشطة خدمية مألوفة في البيئة الريفية، مثل بيع الطعام الشعبي والشاي في الشوارع والأحياء الحضَرية، دون إطار تنظيمي رسمي، وسْط تزايُد الطلب ووجود أسواق حقيقية. كما أسهم تدهور البيئة الزراعية، نتيجة الجفاف والتصحّر في بداية الثمانينيات، إلى جانب النزاعات المسلّحة الأخيرة وما صاحبها من موجات نزوح وهجرة داخلية واسعة، في توسيع حجم القطاع.
ومع مرور الوقت، لم يعد القطاع غير المنظّم ظاهرة مؤقتة كما كان يُنظر إليه في السبعينيات، إنما أصبح مكوّناً راسخاً في الاقتصاد الحضري، على الرغم من محاولات الحكومات المتعاقبة الحدّ من انتشاره عبر حملات الإزالة أو من خلال سياسات التقنين وفَرْض الرسوم. وقد أسهم اتساعه في بروز ظاهرة (أرْيَفَة المدن)، أي انتقال أنماط الحياة والأنشطة الاقتصادية الريفية إلى الحضر، مثل التجارة في الطرقات والأسواق الشعبية، ما أكسب المدن ملامح اقتصادية واجتماعية ريفية. وقدّرت التقارير إسهامه بنحو 14% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمة الأخيرة، واستيعابه نحو 60-65% من القوى العاملة في قطاعات الزراعة والخدمات والتجارة بأجر أو لحسابهم الخاص أو مع أسرهم دون أجر، خاصة الفئات الأكثر هشاشة، كالنساء والشباب والنازحين وصغار المزارعين. ويشمل القطاع فئات متعدّدة، من بينها الأسر المنتجة، والنساء المعيلات، ورائدات الأعمال، وبائعو الخضروات والفواكه، وأصحاب الحرف كالخياطة والنجارة والحدادة، والبيع المتجوّل، وبائعي الأغذية والمشروبات ومقدّمي خدمات النقل وصيانة الأجهزة، والعاملين في التجميل والعناية الشخصية، وذوي الإعاقة، الساعين إلى إعادة بناء سبل عيشهم، دون تراخيص رسمية، وحتى المُعدّنين الأهليّين الذين ظهروا في الآونة الأخيرة.
تجارب الدول النامية
تعاملت الدول النامية مع القطاع غير المنظّم باعتباره مكوّناً أساسياً للتنمية وخلق فرص العمل، وركّزت على دمجه تدريجياً عبر تبسيط التسجيل، وتقديم الحوافز والدعم المالي والفني، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتنظيم الأنشطة، مع الاستفادة من الرقمنة وتمكين الجمعيات المهنية. كما أظهرت هذه التجارب تنوّع السياسات تجاه القطاع، فاعتمدت الهند على تسجيل العاملين وتوسيع التأمينات الاجتماعية، وأسَّست البرازيل نظاماً ضريبياً مبسّطاً ودمجت العاملين في الضمان الاجتماعي، ونظّمت الأسواق الحضرية. وفي المغرب، جرى إدماج العاملين تدريجياً عبر تبسيط التسجيل والتغطية الاجتماعية ودعم التعاونيات والحرفيين؛ بينما ركّزت مصر على الإصلاح التشريعي والتمويل، واعتمدت غانا رخصاً تجارية مبسّطة وبرامج تدريب، ووسعت إثيوبيا التمويل الأصغر وأنشأت أسواقاً منظّمة ونظم تسجيل إلكترونية.
تحدّيات القطاع في السودان
يواجه القطاع غير المنظّم تحديات كثيرة كغياب نظم الحماية الاجتماعية، وضعف التنظيم النقابي، وتعرُّض العاملين فيه لمضايقات إدارية وأمنية ومحدودية فرص التدريب وبناء المهارات. واشتدت هذه الصعوبات على النساء، اللائي يشكّلن نسبة كبيرة من القوى العاملة فيه، ويتعرّضن لمخاطر إضافية تشمل عدم الاستقرار والعنف. كما يواجه القطاع تعقيد إجراءات التسجيل والترخيص، وتعدّد جهاتها وتضارُب اختصاصاتها، إلى جانب غياب الحوافز وآليات التنظيم الفعّالة، وضعف الوعي القانوني والإداري لدى العاملين. كما يشكّل الامتثال الضريبي والعمّالي عبئاً في ظلّ غياب قانون يراعي خصوصية القطاع. وعلى الرغم من وجود عدد من القوانين ذات الصلة – مثل قوانين الشركات، والضرائب، والعمل، وقوانين تنظيمات التمويل الأصغر، والملكية الفكرية – إلا أنها لا تعالج هذا القطاع على نحو مباشر أو متكامل، ولا تميّز بين أحجام المشروعات أو طبيعتها، كما يحدّ ضعف الوعي من الاستفادة الفعلية منها.
وتتفاقم هذه التحديات لدى الجهات الحكومية والتمويلية بسبب غياب تعريف رسميّ موحّد لمشروعات القطاع، وتعدّد الجهات التنظيمية وضعف التنسيق بينها، والاعتماد على لوائح متناثرة وغير محدّثة. كما أسهمت تعقيدات الإجراءات وارتفاع تكلفتها في توسّع القطاع، إضافة إلى غياب نظام ضريبي مبسّط ومشجّع، وضعف حماية حقوق التعاقد والملكية الفكرية، وغياب هيئة مختصّة بتنظيم القطاع والتوسّع فيه؛ إضافة إلى ضعف الربط بين التسجيل والتمويل، وعدم مواكبة اللوائح للتطوّرات الاقتصادية والتكنولوجية، وغياب إطار خاص بالتأمين وتدنّي الوعي التأميني والافتقار إلى منتجات تأمينية مرنة.
مبادرات حكومية ومجتمعية
رغم هذه المعوقات، برزت مبادرات محدودة ومتفرّقة على الصعيدين الحكومي والمجتمعي، تضمّنت محاولات جزئية للتسجيل والترخيص لبعض الباعة والأنشطة، وبرامج تدريبية وبناء قدرات عبر مراكز مؤقتة لتأهيل النساء والشباب وتقديم بعض أشكال التأمين الصحي والحماية الاجتماعية، لكنها بقيت محدودة ولم تشمل غالبية العاملين في القطاع، فضلاً عن تنظيم الأسواق من خلال تخصيص مواقع للبائعين. وتوفّر الدعم المالي والتمويل عبر قروض ومساعدات صغيرة، مع إصدار تشريعات جزئية لم تغطِّ خصوصيات العاملين في هذا القطاع. كما أظهرت تجارب المجتمع المدني نجاحات جزئية، مثل تنظيم النساء والعاملين في جمعيات تعاونية، وتوفير بعض فرص التمويل وبناء القدرات. وبعامّة، كانت جهود الحكومة قطاعية وتجريبية دون وجود إطار قانوني أو سياسة شاملة، ما أبقى القطاع هشّاً وخارج مظلة الحماية القانونية والاجتماعية.
إدماج عاجل وسياسات شاملة
لم يعد القطاع غير المنظم محض ظاهرة هامشية أو مرحلة انتقالية، إنما أصبح مكوّناً بنيوياً أساسياً مستداماً في الاقتصاد وسوق العمل السوداني، وبات إدماجه أمراً مُلحّاً أكثر من أي وقت مضى، إذ إنه يشكّل نسبة كبيرة من سوق العمل، ويمثّل مصدرَ دخل أساسياً لملايين السودانيين، خاصةً الفئات الهشّة. ومع استمرار توسّع هذا القطاع وغياب الحماية الاجتماعية والتنظيم القانوني، يُنذر تجاهلُه بآثار اقتصادية جسيمة، ويغدو خطراً على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، ويحدّ من قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة والشمول المالي.
وبناءً عليه، فإنّ أي استراتيجية تنموية فعّالة يَتعَيَّن عليها الاعتراف بالدَّور الاقتصادي والاجتماعي للقطاع، وتطوير قاعدة بياناته لعكس حجمه ومساهمته الفعلية في الاقتصاد، وإدماجه تدريجياً عبر تحسين الوصول إلى التمويل، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وتنظيم العاملين في أطر جماعية، وتصميم برامج تدريبية. ويقتضي الإدماج حزمة متكاملة من السياسات والإجراءات، لا تقتصر على النماذج التقليدية المطبّقة في دول أخرى، بل تراعي الخصوصية السودانية. تقتضي إدارة القطاع إطاراً شاملاً يُراعي خصائصه وتاريخه، ويُواكب السياسات العامة والقوانين، مع تبسيط التسجيل والترخيص، وتقديم حوافز وإعفاءات ضريبية، وتسهيل التمويل والأسواق، وتطوير التأمين. ويقتضي ذلك قانوناً موحّداً وهيئة مركزية للتنسيق، وتحديث الإجراءات، ومواءمة السياسات مع أهداف النموّ والتشغيل والحدّ من الفقر بما يتناسب مع الواقع السوداني. مع الاستفادة من المنصّات الرقمية لتسهيل الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، وتوفير التمويل الميسَّر، وتوسيع مظلّة الحماية الاجتماعية، وتعزيز الشمول المالي للقطاع، مع التركيز على التدريب وبناء القدرات، ودعم التعاونيات والجمعيات المهنية بوصفها أدواتٍ تنظيمية فعالة. ويُعدّ تنظيم الأسواق وتوفير البنية التحتية الأساسية للأنشطة الصغيرة عنصراً محورياً، إلى جانب إطلاق حملات توعوية لتغيير النظرة السائدة تجاه الاقتصاد الرسمي وإبراز فوائده الاقتصادية والاجتماعية.



