كوستي: بين تفشي النهب المسلح وهجمات المسيرات
مراسلة أتر
نُفذت حملة أمنية مشتركة في مدينتي كوستي وربك بولاية النيل الأبيض، للحدِّ من ظاهرة النهب المتفشية. وضمت الحملة القوات المسلحة والشرطة وجهاز المخابرات العامة والقوات المشتركة. وبينما تحدث مدير شرطة الولاية متوعداً بدكِّ معاقل الجريمة، وفرض هيبة الدولة، أبدى مواطن بمدينة كوستي استياءه الشديد لمراسلة «أتَـر»، مؤكداً استمرار عمليات النهب، خاصةً بالقرب من سكن الطالبات، ما يعوق حركتهن ويهدد سلامتهن.
وشكا عددٌ من المواطنين بكوستي، من تزايد حالات السرقة والنهب تحت تهديد السلاح الأبيض، خاصة في السوق الشعبي والأحياء الغربية، مثل حي الرابعة والمزلقان، مُطالبين السلطات بتوسيع نطاق الرقابة الأمنية، وتكثيف الحملات المشتركة، وتعزيز الوجود الشرطي في الأحياء والأسواق لحماية الأرواح والممتلكات.
وذكر أحد المواطنين المقيمين بالمدينة لمراسلة «أتَـر»، أن عمليات النهب تجري في فترات المساء، مؤكداً وجود انفلات أمني واضح، ومعبّراً عن مخاوف السكان من تطور هذه الاعتداءات إلى جرائم قتل. وأضاف قائلاً: «أصبحنا لا نخرج ليلاً بسبب انعدام الأمان في المدينة».
وشهدت مدينة كوستي هجمات شنَّتْها طائرة مُسيرة على مقرِّ قيادة الفرقة 18 في مدينة كوستي، وذلك في يوم الثلاثاء 13 يناير الجاري، وتركزت أهدافها في مكاتب الشؤون المالية، ومسجد الفرقة القريب من مكاتب الإدارة. وأكدت مصادر عسكرية تحدثت لـمراسلة «أتر»، أن حجم الخسائر ليس كبيراً كما جرى تداوله في بعض منصات التواصل الاجتماعي، مُشيرةً إلى أن الأوضاع تحت السيطرة، ولا توجد إصابات جسيمة في الأرواح. وكان والي ولاية النيل الأبيض قد نجا من استهداف طائرة مسيرة لاجتماعٍ بمدينة سنجة في ولاية سنار، منتصف نهار الاثنين 12 يناير الجاري.
يقول عبد المحسن المهدي، أحد سكان مدينة كوستي، إن الوضع الأمني بالمدينة جيد إلى حدٍّ ما، خاصة بعد الحملة المشتركة التي قامت بها الأجهزة النظامية من أجل مكافحة الظواهر السالبة في منطقة تُعرف بـ «المزلقان» جوار السوق الشعبي، وكانت بحسب وصفه بؤرة للنهب والسرقات وقطع الطريق، ووقعت بها عدة جرائم.
وأوضح المهدي في حديثه لـمراسلة «أتر»، أن المواطنين بدأوا في نشر حوادث النهب والسرقات عبر منصات التواصل الاجتماعي، وشدَّدوا على ضرورة تحرك السلطات لوضع حدٍّ لهذه الظواهر. وأضاف أن السلطات بدأت التحرك عبر حملات تفتيش مكثفة في الطرقات، واستهداف العربات المُظلَّلة، وضبط المتعاونين خاصة بعد هجمة المسيّرات الأخيرة التي استهدفت الفرقة 18 مشاة. ورغم عدم صدور إعلان رسمي بحظر التجوال إلا أن السلطات تطبق حظر تجوال من الساعة التاسعة مساءً حتى السادسة صباحاً.
الدلنج: قصف وفرار
مراسل أتر
يستمر القصف الجوي والمدفعي، على مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، مع استمرار الحصار الذي تفرضه قوات تحالف تأسيس عليها (الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال جناح الحلو)، إذ تشهد المدينة تردياً في الخدمات وخلوّ الأسواق وارتفاع أسعار السلع.
وأعلنت شبكة أطباء السودان، في بيان لها عن استهداف مسيرة تتبع لقوات الدعم السريع، سوق مدينة الدلنج الذي يقع وسطها، في 15 يناير الجاري، موقعة 7 قتلى بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، إضافة لإصابة 32 آخرين حالتهم خطرة. وأخبر مصدر محلي لمراسل «أتَـر»، أن القصف كان نهار الخميس الماضي، وبعده أوقفت السلطات شبكات الاتصالات «ستارلينك»، وهو إجراء تقوم به الاستخبارات مع كل استهداف للمدينة، وأشار إلى أن عدد القتلى بلغ 11 قتيلاً، بينما الجرحى 31، من ضمنهم نساء وأطفال وجنود بالحامية، مضيفاً أن من المتوفين أيضاً أشخاصاً كانوا في طريقهم للسفر تجمعوا بالموقف الغربي.
أما المستشفيات التي تعمل بالمدينة فهي: مستشفى الدلنج الكبير، والمستشفى التعليمي، ومستشفى الأم بخيتة. وتواجه المرافق الصحية خطر الخروج الكامل عن الخدمة، إذ تقدم خدماتها في ظروف بالغة الصعوبة وإمكانات شحيحة، تنذر بانهيار القطاع الصحي في أي وقت، نتيجة توقف الإمدادات الطبية واستمرار هجرة الأطباء والمختصين، فضلاً عن استهداف المرافق بالقصف الجوي والتدوين المدفعي.
يقول كادر طبي بمستشفى الدلنج لمراسل «أتر»، إن المستشفى يُعاني نقصاً في الفحوصات المعملية وأدوية الطوارئ، ويضيف: «حتى أبسط المستلزمات مثل البنج والشاش غير متوفرة، وأحياناً يمكنك أن تجري فحصاً دون أن تجد الدواء»، وأشار إلى أن هناك حالات من مصابي مسيرة السوق الأخيرة لم يتلقوا العلاج الكافي، بينما يحتاج البعض لأنّ يُحوَّل إلى مستشفيات أخرى، إلا أن ذلك يصعب في الوقت الحالي، مضيفاً أن الوضع الصحي ازداد سوءاً بعد التدوين الذي تعرضت له المدينة طوال ديسمبر الماضي، خاصة بعد استهداف مركز الأشعة بالمستشفى التعليمي.
وأوضح الكادر الطبي، أن هذا الوضع المتدهور يُحوِّل الأمراض العادية إلى حالات خطيرة، مبيناً أن المصابين الذين تعرضوا لإصابات خلال فترات التدوين السابقة منذ ديسمبر الماضي، يَعيشون أوضاعاً مأساوية داخل المستشفيات، دون توفر أي خدمات طبية فعلياً.
وبسيطرة قوات الدعم السريع على مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان، توقف خط الإمداد البري البديل وسوق منطقة الخرسانة، الذي كان تجار الحمير يُهربون البضائع عبره، وأصبحت مدينة الدلنج تعتمد على سوق النعام، حيث تصل البضائع حتى منطقة حجر جواد ثم تدخل المدينة، وأحياناً يستخدم تجار مهرة التكاتك والدواب للدخول، متجاوزين نقاط التفتيش بالطريق، إلا أن هذه البضائع تصل بأسعار غالية نتيجة لخطورة الطرق التي يمر عبرها المهربون.
متحدثة لمراسل «أتر»، تُخبر صفاء كوكو، وهي صاحبة مطعم بالسوق الصغير للمدينة، أن أسعار البضائع تزداد يومياً، والسلع مُهدَّدة بالندرة والاختفاء، إذ يمكن شراء البصل أو الصلصة صباحاً مع احتمالية اختفائها مساء اليوم نفسه، لذا يضطرُّ الناس لانتظار وصول التجار في اليوم التالي. وأضافت صفاء أنه في حال تعرّض المدينة لعمليات القصف تتوقف حركة البضائع الواردة تلقائياً، وترتفع أسعار البضائع المُخزَّنة، كما أن الأسعار تختلف تبعاً لطريقة الدفع، إذ بلغ سعر قطعة الخبز 400 جنيه نقداً، و600 جنيه عبر تطبيق بنكك. وتعاني المدينة منذ نوفمبر الماضي، أزمة حادة في السيولة النقدية، إذ بلغ سعر الاستبدال عبر تطبيق بنكك، نحو 40%.
وكشفت مصفوفة تتبع النزوح لمنظمة الهجرة الدولية، في آخر تحديث لها مطلع يناير الجاري، عن نزوح 3,475 شخصاً من مدينة الدلنج، نتيجة لتصاعد حدة العمليات العسكرية، ما دفع آلاف السكان إلى الفرار عن المدينة بحثاً عن الأمان، قاصدين شرق الولاية نحو مناطق أبو جبيهة وتلودي والليري، بينما يتجه البعض إلى مدن شمال كردفان. أما الغالبية فيتجهون لمناطق سيطرة الحركة الشعبية، حيث تبدأ رحلتهم جنوباً حتى منطقة حجر جواد، ثم إلى منطقة تنقلي بمقاطعة دلامي التابعة لسيطرة الحركة الشعبية ومنها إلى أم دولو، تمهيداً للوصول إلى معسكر إيدا بجنوب السودان، بينما يفضل آخرون الاستقرار داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية نفسها.
وترتفع تكاليف الفرار من المدينة، بسبب الندرة في وسائل النقل وشح الوقود. وقال مواطن، طلب حجب اسمه لدواع أمنية، لمراسل «أتَـر»، إن السبب في هذا الارتفاع إضافة لوسائل النقل والوقود، هو خطورة الطرق وتعدد نقاط التفتيش بها، واستغلال بعض السائقين حاجة الناس الملحة للخروج، وأشار إلى أن أسعار التذاكر شهدت ارتفاعاً خلال شهر يناير، وتختلف أسعارها إذا كان الدفع عبر بنكك أو نقداً، إذ بلغ سعر تذكرة التكتك 250 ألف جنيه كاش، و300 ألف جنيه عبر بنكك، بينما سعر الراكب في اللوري 150 ألف جنيه كاش، و170 ألف جنيه إلى 180 ألف جنيه عبر بنكك. أما البوابير «الترلة» وبسبب بطئها، فيبلغ سعر التنقل بها 100 ألف جنيه كاش للفرد، و150 ألفا جنيه عبر بنكك.
ولا تقتصر المعاناة على تكلفة التذاكر فقط، بل تمتد إلى مشاق الطريق نفسه، إذ يضطرُّ بعض الفارين إلى السير على الأقدام لمسافات طويلة، خاصة عبر المسارات الغربية المؤدية إلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية، هرباً من الطرق الرئيسة المغلقة أو الخطرة، وتزداد هذه المعاناة على النساء وكبار السن والأطفال.



