«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية الفنانة مروة الدولية
غاب مفهوم «الوثنيّة»، منذ أن جدّد حياتَه المرحوم كارل ماركس في تعريفه لطبيعة السلعة، دهراً طويلاً باستثناء حضوره عرَضاً مرَضيّاً عند الدكتور فرويد أو قضيةً للمماحكة النظرية في أنثروبولوجيا الأديان؛ وثنية صافية ولا مكسورة، من مواقع شوكة الاستنارة الأوروبية واستعمارها الناس، كما بيّن الدكتور طلال أسد في علمه المضادّ تحت عنوان أنثروبولوجيا العلمانية، والعلم تلاقيط!
استلّ الدكتور أشيل مبيمبي (مواليد 1957) من قاموس الأنثروبولوجيا مفهوم «الأرواحية»، وهو الاعتقاد بأنّ الأرواح تسكن الجماد كما تسكن الحيّ، أو مذهب حيوية المادة، لتمييز «الوثنية الجديدة» التي تَسِمُ العالَم المعاصر؛ عالَم الرأسمالية المتأخّرة، أو الليبرالية الجديدة في صياغة أخرى: عالَم «الكُونِكا». ولا تستبين خريطة «الكُونِكا» سوى ببَيان خريطة «القرية» التي أفسد فيها مترفوها، فهُما شَنٌّ وطبَقة في رقصة ديالكتيك، إذا جاز التعبير، تصل بينهما هذه «الوثنية الجديدة»، فالناس على دين ملوكهم. ومفتاح تشريح المُقاتل الذي يجمع جثث قتلاه تذكاراً للبطولة في صور هاتف ذكي من كونكا الخرطوم حتى حضر الفاشر، أبو لولو زمانه؛ هو تشريح الإنسان الجديد، «الإنفلونسر»، في شاطئ دبي يبحلق في بؤبؤ آلةٍ مثيلةٍ ويُنشِد مديح نفسه.
لكنْ، مَن شَنّ؟ ومن طبَقة؟ وما قصّتهما؟ جاء في «مَجْمَع الأمثال» لصاحبه أبي الفضل أحمد بن محمد النيسابوري واشتهر بالميداني، تحت باب «وافَقَ شَنٌّ طبقة» عن الشرقي بن القطامي:
«كان رجلٌ من دُهاة العرب وعُقَلائهم يُقال له شَنٌّ، فقال: والله لأَطُوفَنَّ حتى أجد امرأةً مثلي أتزوّجها، فبينما هو في بعض مَسِيره إذ وافقه رَجُلٌ في الطريق، فسأله شَنٌّ: أين تريد؟ فَقَالَ: موضعَ كذا، يريد القرية التي يَقْصِدها شَنٌّ، فوافَقه، حتى [إذا] أخذا في مسيرهما قَالَ له شَنٌّ: أتحْملُنِي أم أحْمِلُكَ؟ فَقَالَ له الرجل: يا جاهل، أنا راكب وأنت راكب، فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكتَ عنه شَنٌّ، وسارا حتى إذا قَرُبا من القرية إذا بزَرعٍ قد استَحْصَد، فَقَالَ شَنٌّ: أترى هذا الزرع أُكِلَ أم لاَ؟ فَقَالَ له الرجل: يا جاهل، ترى نَبْتاً مُسْتَحْصِداً فتقول أكِلَ أم لا؟ فسكَتَ عنه شنّ حتى إذا دخلاَ القرية لَقَيَتْهما جنازة فقال شنّ: أترى صاحبَ هذا النّعْشِ حياً أو ميتاً؟ فَقَالَ له الرجل: ما رأيتُ أجْهَلَ منك، ترى جنازةً تسأل عنها أمَيْتٌ صاحبُها أم حيّ؟ فسكت عنه شَنّ، فأراد مُفارقته، فأبى الرجل أن يتركه حتى يصير به إلى منزله فمضى معه، فكان للرجل بنتٌ يُقَال لها طَبَقة فلمّا دخل عليها أبوها سألته عن ضَيفه، فأخبرها بمرافقته إياه، وشكا إليها جَهْلَه، وحدّثها بحديثه، فَقَالَت: يا أبت، ما هذا بجاهل، أمّا قوله «أتحملني أم أحملك» فأراد أتحَدِّثُني أم أحَدِّثك حتى نقطع طريقنا، وأما قولُه «أترى هذا الزرع أكِلَ أم لا» فأراد هَلْ باعَه أهلُه فأكلوا ثمنه أم لا، وأما قولُه في الجنازة فأراد هل ترك عَقِباً يَحْيا بهم ذكرُه أم لا، فخرج الرجل فَقَعد مع شَنٍّ فحادثه ساعةً، ثم قَالَ أتحبُّ أن أفسِّرَ لك ما سألتني عنه؟ قَالَ: نعم فَسِّرْهُ، ففَسَّرَهُ، قَالَ شنّ: ما هذا من كلامك، فأخبِرْني عن صاحبه، قَالَ: ابنة لي، فَخَطَبها إليه، فزوَّجه إياها، وحمَلها إلى أهله، فلما رأَوْها قَالَوا: وافَقَ شَنٌّ طَبَقَةَ، فذهبت مثلاً». («مجمع الأمثال»، ج 3، المكتبة العصرية، بيروت، 2023، ص 351).
تعرضُ قصّة شنّ وطبقة، خلاف البلاغة أو بوسيلتها، بحسب ازدهار العربية في نفسك، قضيةَ «الشّكل» و«المضمون»، ازدواجهما وافتراقهما. وطرافة القصة، ككلّ طرافة، من المفارقة التي قامت حينما غاب عن الرجل والد طبَقة المضمون الذي سترَه شنّ بالحيلة البلاغية، أي بالشكل. ثم ما إنْ قام التفسير الذي يوافق ما بين الشّكل والمضمون المراد حتى وافَقَ شنٌّ طبَقة، وعاشا في سبات ونبات. لا ينعقد هذا التوافق سوى في عالم الحكاية، فإنّ بين «الشكل» و«المضمون»، على الدوام، رقصةُ ديالكتيك، كخطوات حكاية شنّ وطبقة، أو كماسورة مَحْلوجة لا هي صبَّت حقّاً ولا هي سكتت، إنما تسرسر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وما بين الشكل والمضمون لا ينفصم، سَرسَرة مستمرة، فلا يقوم شكلٌ خالٍ من المضمون، وإن افتعل افتعالاً، بالمجاز أو الظنّ، وحتى النقطة الصامتة، الله ورقبتها، تستدعي مجازاً ما، وقد يستثمر فيها المستثمرُ بمعنىً. وعبرةُ ذلك في الفنون التشكيلية التي تجلب على نفسها سخرية الساخرين من فرط تجريدها، فتلحن ألسنتُهم بسؤال: «ده معناه شنو هسي؟» أمام لوحة فنية من أشكالٍ وألوانٍ محضة. لكنْ تمرّ هذه الأشكال، باص أوْل ثرو، في امتحان المعنى؛ امتحان المحتوى، وهي تشغل نسيج توب، دوائر ومربّعات متكرّرة وغير متكررة أو متعرّجات وكشحة ألوان، ويرى فيها من يرى جمالاً فائقاً، توب سمح شديد، لأنّ الشكل انعقد على وظيفةٍ معلومةٍ فصارت محتواه الظاهر للعيان. كما لا يقوم محتوى سَدّاري، فلا بدّ لكلّ محتوى من حامل، حتى الروح، لا يَبرُز لها شاهدٌ بغير الجسد الذي تشغله، وسوى ذلك صارت من أمر ربّك المحجوب. وأحسنُ بيانٍ لذلك في مثل قصة شنّ وطبَقة، لأنّ وسيلتها البلاغة، فلا قوام لمعنىً بغير الكلمة، وقد تتوالى المعاني بباب كلمة واحدة أو قد تتوزّع بين الكلمات. والعُقدة ألا قوام للفكرة أو للفكر على إطلاقه بغير وسيلة اللغة، بحيث يصبح الفصل بين الشكل والمضمون اصطناعاً، ما بينهما عروة وُثقى. فلن تبلغ المجتهدة غير هذا السّرسار، إنْ طلبَتْ أن تَسكُت اللغةُ سَكَت الفكرُ أيضاً، وإن أطلقَتْ لها العنان بغير قياس صارت لغواً فائضاً.
انشغل المرحوم كارل ماركس بمثل هذا السّرسار في موضعٍ من مواضع «الغروندريسه»؛ الكرّاسات عسيرة الهضم من الفترة 1857-1858 التي نهض من بعضها كتابه العمدة «رأس المال». جاء المرحوم، تحت عنوان «منهج الاقتصاد السياسي»، بمجاز حاذق وغير متوقّع، «عَكْس ما إنّك»، فكتب: «يشتمل تشريح الإنسان على مفتاح تشريح القرد» (كارل ماركس، «أسس نقد الاقتصاد السياسي»، دار بنغوين وعرض اليسار الجديد، لندن، 1973، ص 105). وعكَسَ المرحوم اتجاه الأسهم، فعِلْم النشوء والارتقاء الذي أخَذ منه مجازَه ينعقد على أنّ تشريح القرد هو مفتاح تشريح الإنسان، أو أنّ الصيغ الأدنى تطوّراً، الأشكال الأدنى تطوّراً، هي المفتاح لإدراك الأعلى منها. قلتَ لَيْ كيف يا مولانا؟ تقصد شنو؟
«المجتمع البرجوازي هو الصيغة التاريخية الأعلى تطوّراً والأشدّ تعقيداً لتنظيم الإنتاج. وبذلك تتيح المقولات التي تعبّر عن العلاقات فيه، وتسمح بإدراك تركيبه أيضاً، بصيرةً نافذةً لعلاقات الإنتاج وتركيب التكوينات الاجتماعية الغابرة التي تَشَكَّل من حطامها وعناصرها المجتمعُ البرجوازي، ويحمل في باطنه بعض مكوّناتها التي لم يكتمل عليها سلطانه، بحيث يكتسب بعضُ ما كان مغموراً في المجتمعات الغابرة أهميةً بالغة في المجتمع البرجوازي.. وما إلى ذلك. يشتمل تشريح الإنسان على مفتاح تشريح القرد. ولا يمكن فهم أشاير التطوّر الأعلى في الأجناس الحيوانية الأدنى إلا بعد انبساط المعرفة بهذا التطوّر الأعلى. بذلك فإنّ المجتمع البرجوازي يمثّل مفتاحاً لفهم المجتمعات الغابرة، لكنْ ليس على الإطلاق بطريقة الاقتصاديّين الذين يطمسون فوق جميع الاختلافات التاريخية ويرون في كلّ تكوين اجتماعيّ علاقات برجوازية. يمكن فهم طبيعة «الإتاوة» و«عُشر الكنيسة» إلخ بمعرفةِ «ريع الأراضي». لكن لا بدّ من تعريفها. فوق ذلك، بما أنّ المجتمع البرجوازي هو صيغة متناقضة من التطوّر، يمكن للمتأمّل في باطنه إيجاد العلاقات المستمَدّة من تكوينات اجتماعية سابقة عليه في أغلب الأحيان، ولكنْ في صيغ عاطلة، إن لم تكن كاريكاتيرية. خذ على سبيل المثال، الملكية الاجتماعية».
قلَبَ المرحوم كارل ماركس، إذن، اتجاه الأسهم، فقال يتأتّى فهمُ الصيغ الأقلّ تطوُّراً بإدراك الصيغ الأعلى تطوُّراً أول الأمر، ولا ينكشف ما اندسّ في أغنية الحقيبة إلا بعد أن تكتمل أوركسترا محمد وردي، ومفتاح إدراك طبيعة «الجِزْية» هو رسوم الإقامة، أو كما قال. لكنْ يحرص الدكتور على ألا مناص من السَّرْسَرة، فليس في علم التاريخ والاجتماعي كَمْدة ورَمْدة، شنّ وطبَقة، وإنما فروق.
«صحيح أنّ مقولات المجتمع البرجوازي تصحّ على جميع التكوينات الاجتماعية، لكن لا بدّ من أخذ هذه الحقيقة بشيء من التحفّظ. يمكن أن تشتمل مقولات المجتمع البرجوازي على جميع التكوينات الأخرى في صيغ متطوّرة أو مثبّطة أو كاريكاتيرية… إلخ، لكنْ دائماً مع فرق جوهري. يقوم ما يُسمَّى التجلي التاريخي للتطوّر في كلّ قياس على حقيقة أنّ آخِر صيغة تاريخية تَعتبر الصيغَ السابقةَ عتباتٍ تقود إليها، وبما أنّ الصيغة الأخيرة نادراً ما تستطيع نقد نفسها، وإن استطاعت فذلك لا يحدث إلا نادراً جداً وتحت شروط معينة، دع عنك بطبيعة الحال الفترات التاريخية التي تبدو كفترات تدهور، فإنّ الصيغة الأخيرة تدرِك غيرَها على وجهٍ واحدٍ محدود. لم يستطع الدِّين المسيحي المساهمة في الفهم الموضوعي للأساطير السابقة إلا بعد أن تَحَقَّق نقدُه الذاتيّ إلى درجة معتبرة. وبالقدر ذاته تَحَقَّق لعلم الاقتصاد البرجوازي إدراكُ جوانب من المجتمع الإقطاعي والاقتصاد الآسيوي بعد أن ابتدر النقد الذاتي للمجتمع البرجوازي نفسه» (المصدر السابق، ص 106).
يقول الدكتور ماركس، على عكس ما يُتوقّع منه، أنّ قراءة التاريخ لا تستقيم إلا «حركةْ وَرَا»، لا ينتهي تطوُّر القرد بالضرورة عند الإنسان، لكنّ الإنسان هو مفتاح إدراك القرد، فلا يمكن استخلاص الإنسان من أوّليات القرد، ولا ندرك هذه الأوليات، الاحتمالات القائمة في القرد، كضرورة، إلا بَعد أن «يقوم الإنسان جاري»، عندها فقط نعرف ضرورة القرد كصيغة بدائية للإنسان. فالغرَضية التي تَغْشَى قارئ التاريخ لا ينكشف غرَضها بحقّ إلا بتساقط الاحتمالات جانباً بسيف الضرورة. إذَن ما «الوثنية الجديدة» يا دكتور مْبيمبي؟ أهي غرض التاريخ؟
يُتبع…



