أتر

في سوق الدويم: عُـملات قديمة وتجّار أزمات

بعد ما يقارب السنة من تنفيذ عملية استبدال العملة لا يزال مواطنو النيل الأبيض، يضطَّرون إلى دفع مبالغ إضافية للحصول على الفئات الجديدة، وهي غير متوفرة في جميع الولايات، ما يُعقِّدُ الحياة اليومية والتجارة. ويعاني الجنيه السوداني من تدهور كبير مقارنة بالعملات الأجنبية، ما يُقلّل من القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من ضغوط التضخّم.

يقول سكّان في النيل الأبيض، استطلعتهم مراسلة «أتَـر»، في تقرير سابق، إنّ إجراءات استبدال العملة شملت مدينتي كوستي وربك فقط، وفي فترة الاستبدال كان على المواطنين في بقية مدن وأرياف النيل الأبيض التوجّه إلى كوستي وربك لاستبدال أموالهم، وهو الأمر الذي سبَّبَ ارتباكاً واضطراباً كبيرَيْن، ما حدَّ من نجاح العملية في منطقة واسعة، تمتدُّ من الدويم والقطينة حتى ولاية الخرطوم.

يُواجه بكري موسى، وهو تاجر بمنطقة الدويم، صعوباتٍ كبيرةً في المعاملات التجارية. يقول إنّ رحلته إلى مدينة ربك لشراء البضاعة، تتطلَّبُ وقتاً طويلاً لتبديل العملة القديمة مقابل الجديدة، ما يكلّفه دفع خمسة آلاف جنيه عن كلّ مائة ألف جنيه. ولأنه لا يملك حساباً في بنك الخرطوم ولا تطبيق بنكك، يضطرّ موسى لأن يُحوِّل شقيقه المبالغ له عند وصوله إلى ربك، وهو ما يخصم منه عشرة آلاف جنيه عن كلّ مائة ألف جنيه.

ويشير موسى، في حديثه لـ«أتَـر»، إلى أن هناك أشخاصاً يمتهنون تبديل العملة في العلن دون محاسبة، ما يجعل العملية عبئاً يومياً. ويضيف أنّ تدهور الجنيه السوداني، وارتفاع تكاليف المواصلات والاتصالات، وضعف شبكة الاتصال وتعطّل التطبيقات البنكية، يُجبره على الاعتماد على النقد لتسيير أعماله اليومية.

ويعلق قائلاً: «من أين لنا أن نشتري؟ الأسعار مرتفعة، المواصلات تكلّف أكثر، الاتصالات غالية، والعملة تنهار. كلّ هذا بينما العملة الجديدة لم تُغيِّر الوضع الاقتصادي المُتدهور».

تقول صفاء آدم، وهي طالبة بجامعة النيلين وتقيم في الدويم، إنّ ظروف الحرب أجبرتها على الجلوس لامتحاناتها في مدينة كوستي، وهو ما وَضَعها أمام ضغوط كبيرة منذ لحظة اتخاذ قرار السفر من الدويم. وأوضحت أنّ من أبرز التحديات التي واجهتها مسألة تبديل العملة القديمة مقابل الجديدة، إذ اضطرّت للتنقل بين أكثر من تاجر في محاولة لتجميع المبلغ اللازم للسفر ومصاريف الرحلة. وأضافت أن هذا الأمر ضاعف من معاناتها وشتَّت تركيزها، خاصة في ظلّ ضيق الوقت وقلة السيولة.

وأشارت إلى أنها لم تتمكَّن من جمع المبلغ كاملاً نقداً، فقرَّرَت السفر بما توفَّر لديها، بينما حوّلت بقية المبلغ من العملة القديمة إلى بائع يتعامل في التحويل من كاش إلى بنكك والعكس، ليُحوِّلَه لها عبر تطبيق بنكك ومن ثم إلى كاش، مُوضحةً أن هذه الخطوة زادت من حدة الأزمة، إذ يَخصم البائع مبلغاً إضافياً عند تسليمها الكاش. وأردفت أن هذا الأمر قد كلفها جهداً نفسياً وبدنيًا كبيراً، مُؤكّدة أن شريحة الطلاب تُعَدُّ من أكثر الفئات تضرّراً من هذه الأوضاع.

متحدّثاً لمراسلة «أتَـر»، يقول محمد منذر، إنه عانى كثيراً من إجراءات تبديل العملة، الأمر الذي اضطرَّه لدفع مقابل لما يُعرف بـ«الفكّة»، لأشخاص يمارسون تبديل العملة القديمة بالجديدة في العلن دون خوف أو محاسبة، وسط غياب تامّ لأيِّ إجراءات من الجهات الحكومية تجاههم. واعتبر أنّ ما يحدث يُعدّ ربا وكسباً حراماً، لأنّ الطريقة غير شرعية، لكنّ المواطنين مجبرون على التعامل معها. وأضاف: «والدي كان يحتاج إلى صورة مقطعية، ولم يكن أمامنا خيار سوى السفر إلى مدينة ربك على عجل، فاضطررتُ إلى تبديل العملة رغم معرفتي بعدم قانونية الأمر».

وأكّد منذر أن توافر العملة المعدنية أمر مهم جداً، وأن إعادة النظر فيها قد تُحدِث فرقاً ملموساً في المعاملات اليومية، أو على الأقل ستُساهم في تحسين التعامل المتبع حالياً.

يُشير الأكاديمي والخبير الاقتصادي محمد الطيب، إلى أنه من الناحية النظرية، يمكن أن يكون تغيير فئات العملة جزءاً من حزمة إصلاح اقتصادي مُتكاملة، شريطة استقرار الدولة، ووجود جهاز مصرفي فعّال، وسياسة مالية مُنضبطة، إلى جانب ثقة عامة في العملة الوطنية. لكنّ الواقع العمَلي يُشير إلى عكس ذلك، فاستمرار الحرب والنزوح، وضعف أو انهيار البنوك، وشحّ السيولة، وانعدام الثقة، كلها عوامل تجعل من هذا الإجراء خطوة شكلية ضمن إدارة الأزمة لا حلّها، بل وقد يؤدّي إلى تعميق التشوّهات الاقتصادية.

وعلى صعيد التنفيذ، يؤكّد محمد الطيب أن نجاح تغيير الفئات يتطلَّب وجود شبكة مصرفية عاملة وقادرة على الاستبدال السريع والعادل، مع ضمان وصول هذه العملية إلى جميع المواطنين جغرافياً، وهو ما يفتقر إليه الواقع الحالي. وبذلك، تصبح النتائج المتوقّعة فوضى نقدية، وتفاوتاً في الأسعار بين المناطق، ونشوء سوق موازٍ للفئات الجديدة، إضافة إلى فقدان إضافي للثقة في العملة.

ويشير محمد الطيب، كذلك إلى أنّ الفئات الأكثر تضرّراً من استبدال العملة تشمل النازحين الذين لا يملكون حسابات مصرفية ويعتمدون على النقد المباشر، والعمالة اليومية التي يعتمد دخلها على النقد الفوري، وصغار التجّار الذين يمتلكون رؤوس أموال محدودة ويواجهون مخاطر الخسارة دون أي مظلة حماية. ويعود السبب في ذلك إلى أنّ هذه الفئات تقع خارج النظام المصرفي، وتفتقر إلى أدوات الحماية والقدرة على المناورة أو الانتظار، في مقابل أصحاب النفوذ ورؤوس الأموال الذين غالباً ما يحوّلون أموالهم مُسبقاً إلى أصول أو عملات صعبة.

لكلّ ذا، يَعتبر الطيب، أن تغيير فئات العملة أداة تقنية وليس سياسة اقتصادية متكاملة، وقد يكون فعّالاً في الدول المُستقرّة، لكنه يُعدُّ خطوة عالية المخاطر وضعيفة الأثر في الدول المنهكة بالحروب.

Scroll to Top