في سوق صابرين الشعبي بضاحية أم درمان، يقف الشيخ عبد الباقي بين أكياس الدقيق والعدس تحت شمس الصباح الحارقة، بينما يتنقّل الزبائن بين بسطات الخضار والتوابل بوجوه يعلوها القلق. يقول عبد الباقي، وهو تاجر كبير في السوق: «اعتدنا على غلاء الأسعار لكن ما يحدث الآن غير مسبوق، كل أسبوع ترتفع الأسعار أكثر، وأصبح الناس يشترون نصف ما كانوا يشترونه قبل سنة»، مشيراً إلى امرأة مسنّة تغادر متجره وفي يدها كيس صغير من السكر بدلاً من الكيس المعتاد. هكذا إذن، يُحكِم التضخُّم قبضتَه على حياة الناس اليومية.
رغم أن الغلاء ظل العنوان الأبرز في الأسواق السودانية خلال عام 2025، تُظهر الأرقام بوضوح أن هذا العام شكَّل نقطةَ انعطاف نسبية مقارنة بالصدمة الكبرى التي ضربت الاقتصاد في 2024؛ فبعد أن سجّل التضخم السنوي مستويات قياسية تجاوزت 200% في بعض أشهر 2024، بدأ المنحنى في 2025 بالانحدار التدريجي، وتراجعت حِدَّته إلى ما دون المائة، ما يُمثل مؤشراً إيجابياً.
هذا التراجع لا يعني اختفاء التضخم من حياة الناس، لكنّ وتيرة الانفلات السعري التي طبعت العام 2024، لم تتكرَّر بالعنف ذاته في 2025. قد لا يَشعُر المواطن بانخفاض الأسعار، إلا بنحو محدود، لكن الزيادات لم تعد يومية ولا عشوائية كما كانت في ذروة الحرب على العاصمة والجزيرة. وتعكس الأسواق نفسها هذا التحول النسبي؛ ففي سوق كسلا مثلاً، يقول الباقر موسى وهو تاجر في السوق، لـ«أتَـر»: «في 2024 كنا نُغيّر الأسعار كلَّ يوم، وأحياناً مرَّتين خلال اليوم، وبينما استمر الغلاء خلال 2025، لكن وتيرته أهدأ، والزيادة أصبحت شهرية أكثر من كونها يومية».
هذا التغيّر في الإيقاع السعري، يتطابق مع بيانات مؤشر أسعار المستهلك، التي تُظهر استمرار ارتفاع الأسعار في 2025، ولكن بمعدلات أبطأ مُقارنةً بالعام السابق. لقد واصل مؤشر الأسعار الصعود، إلا أن معدل التضخم السنوي تراجع من مستويات تجاوزت 180–200% في 2024 إلى نطاق 70–110% خلال فترات ممتدة من العام المنصرم، وصولاً إلى 68.15% في ديسمبر 2025 بحسب ما أخبر مصدر رسمي بالجهاز المركزي للإحصاء «أتَـر».
الشكل (1)
يُمثّل الخط الأزرق المُعدَّل السنوي للتضخُّم، وتمثل الأعمدة مؤشر أسعار المستهلك، محسوبةً بالجنيه السوداني. ويُظهر الشكل الارتباط بين التضخم والأسعار، إذ يَستقر الاثنان معاً أو يرتفعان معاً. ورغم انخفاض معدل التضخم مُؤخّراً، فقد ظلّت الأسعار مرتفعةً، رغم استقرارها النسبي. المصدر: بنك السودان المركزي- العرض الاقتصادي والمالي.
وفي وقت سابق، صرّح رئيس الوزراء كامل إدريس، بأن موازنة عام 2026 تستهدف خفض معدل التضخم بنسبة قد تصل إلى 70% خلال العام، مع السعي إلى زيادة معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 9%. وربط تحقيق هذا الهدف بجملة إجراءات، منها: عدم فرض أعباء ضريبية إضافية كبيرة، وتحسين إدارة سعر الصرف، ومحاولة محاصرة السعر الموازي للجنيه في السوق السوداء.
من جانبه، قال وزير المالية والتخطيط الاقتصادي جبريل إبراهيم إن القوة الشرائية للعاملين تراجعت، لذلك اتجهت الحكومة إلى زيادة المرتبات. وفي المقابل، برزت أصوات تبدي تخوفها من أن تقود هذه الزيادات إلى موجة تضخم كبيرة. غير أن زيادة الرواتب، رغم أنها ترفع الطلب الاستهلاكي وتحرّك الأسواق، لا تؤدي تلقائيًا إلى التضخم. فالعلاقة بين الأجور والتضخم معقّدة، وتتأثر بعدة عوامل. ويظهر الأثر التضخمي أساسًا عندما يعاني الاقتصاد من ضعف في الإنتاج وقيود في جانب العرض، إذ تتحول زيادة الدخول حينها إلى ارتفاع في الأسعار بدلًا من زيادة الكميات. أما إذا كان السوق قادرًا على الاستجابة عبر رفع الإنتاج أو توافر المعروض، فإن زيادة الأجور يمكن أن تنشّط حركة الشراء دون ضغوط تضخمية كبيرة، وهو ما تراهن عليه الحكومة في ظل الانفتاح الاقتصادي، والعودة التدريجية للنشاط، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية.
تعافٍ في ظل تضخم منخفض
وراء هذا الغلاء الجامح، تَكمُن عوامل اقتصادية مُعقَّدة، أبرزها اضطراب سلاسل التوريد وضعف الإنتاج المحلي واعتماد البلاد على الاستيراد، وجميعها تفاقمت بسبب الحرب الدائرة؛ فمنذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل 2023؛ انقطعت أوصال الاقتصاد السوداني، وأُغلقت طرق النقل التجارية بين الولايات أو أضحت غير آمنة، ما عزل الأسواق عن مصادر السلع، فضلاً عن أن كثيراً من المصانع والمطاحن تعطّلت أو نُهبت بالكامل، فتراجع الإنتاج الصناعي إلى حدٍّ كبير. على سبيل المثال، توقفت مطاحن الغلال التي كانت توفر الدقيق للمخابز عن العمل في عدة مناطق بسبب التخريب ونقص الوقود، كذلك الحال في قطاع الزراعة؛ فقد تُركت مساحات واسعة من المزارع في دارفور وكردفان ووسط السودان دون حصاد نتيجة انعدام الأمن ونزوح المزارعين. هذا الضعف في الإنتاج المحلي، يَعني أن الأسواق صارَتْ تعتمد بنحو شبه كلي على السلع المُستورَدة لتلبية الطلب من القمح والدقيق إلى الوقود والأدوية.
هنا يبرز عامل التضخم المُتأثّر بالعجز في الميزان التجاري على نحوٍ جليٍّ؛ فالسلع التي تأتي من الخارج يدفع السودانيون ثمنها بالعملة الصعبة، ومع الانهيار الحاد في قيمة الجنيه السوداني تضاعفَتْ أسعارُ الواردات. شهد سعر صرف الدولار الأمريكي قفزة هائلة، إذ تجاوز 2,550 جنيهاً سودانياً مُقابل الدولار في السوق الموازية بحلول ديسمبر 2024، و3,480 جنيهاً سودانياً بنهاية 2025.
![]()
تمويل العجز في الميزانية بزيادة عرض النقود
تتجه الحكومات إلى الإصدار النقدي الجديد، ليكون أداةً للتمويل المحلي عند عجز الإيرادات العامة عن تغطية نفقات الموازنة، ويُعرف هذا الأسلوب بـ«التمويل بالعجز»، وهو مُضِرٌّ في حالة تخطِّي النسبة القانونية. وفي ظل غياب أدوات الدَّيْن الحكومية المُتداولة مثل الأذون والسندات، يجري هذا التمويل عمليّاً عبر التمويل المُباشر من البنك المركزي، من خلال خلق نقود جديدة تُضخُّ في الاقتصاد لتمويل الإنفاق العام.
ويُقصد بالإصدار النقدي قيام السلطات النقدية (أي البنك المركزي) بزيادة الكتلة النقدية بمُعدَّلٍ يَفوق النموَّ الطبيعيَّ في حجم المُعاملات الاقتصادية، مع ثبات سرعة تداول النقود. وتنتقل النقود الجديدة مباشرةً إلى السوق عبر الصرف الحكومي، دون وجود قنوات فعّالة لامتصاص السيولة.
وفي الاقتصادات النامية، قد يَستوعب الاقتصاد جزءاً من هذا التوسع النقدي في المدى القصير، إلا أن استمرار خلق النقود بمعدلات تفوق نمو الطلب الحقيقي عليها، يُؤدِّي إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار، وتآكل القيمة الحقيقية للنقود المُتداوَلة. وعليه، يتحوَّل التضخّم إلى عبء عام يُشبه الضريبة غير المُعلَنة، تتحمَّل كلفته الشرائح التي تحتفظ بالنقود المحلية.
هذا الانخفاض القياسي لقيمة العملة المحلية، جَعَلَ شراء السلع المُستورَدة عبئاً خانقاً؛ فتكلفة استيراد الوقود والقمح ارتفعت بأضعاف ما كانت عليه، وانعكس ذلك مباشرةً على سعر رغيف الخبز ولتر البنزين وجرعة الدواء في السوق. ورغم محاولات السلطات ضبط سعر الدولار الجمركي عبر مرونة الاحتساب، فإن تأثير هذه المحاولات كان محدوداً أمام تيار التضخّم الجارف.
من جهة أخرى، أدَّت السياسة النقدية وتمويل عجز الموازنة دوراً واضحاً في تغذية الضغوط التضخمية، وإن لم يَظهر هذا الأثر دائماً بنحوٍ مباشرٍ وفوري لدى المواطن؛ إذ أدّى التوسُّع في عرض النقود إلى ضخ سيولة كبيرة في الاقتصاد خلال فترة زمنية قصيرة. وتُظهر البيانات أن عرض النقود بالمعنى الواسع (M2) ارتفع من نحو 7.6 تريليون جنيه في ديسمبر 2023 إلى 14.5 تريليون جنيه في ديسمبر 2024، قبل أن يَقفز إلى قرابة 24.8 تريليون جنيه في نوفمبر 2025. هذا التسارع الحاد في الكتلة النقدية، يعني عملياً زيادة كبيرة في عدد الجنيهات المُتداولة مقابل قاعدة إنتاج محدودة، وهو ما يخلق بيئة مواتية لارتفاع الأسعار. ورغم أن المواطن لا يتابع مؤشرات M1 أو M2، إلا أن أثر هذا التوسع انعكسَ بوضوح في حياته اليومية عبر تراجع القوة الشرائية، إذ أصبحت الدخول النقدية غير قادرة على مجاراة الارتفاع المتسارع في كلفة السلع الأساسية.
لكن، كيف يستمر عرض النقود في الزيادة بينما يتراجع التضخم نسبياً؟
![]()
![]()
![]()
عرض النقود بمعناه الضيق (M1) وبمعناه الواسع (M2)
العرض النقدي الضيق (M1)
هو مقياس النقود الأكثر سيولة في الاقتصاد، ويتضمَّن النقد المُتداول لدى الجمهور والودائع تحت الطلب بالعملة المحلية والحسابات الجارية (القابلة للسحب فوراً)، إضافة إلى أشكال أخرى من الودائع التي يمكن استخدامها مباشرة للشراء.
العرض النقدي الواسع (M2)
هو مقياس أوسع من M1، يشمل كل ما في M1 بالإضافة إلى أصول أقل سيولة لكنها قابلة للتحويل إلى نقد بسرعة، مثل حسابات التوفير، بالإضافة إلى الودائع الادخارية والاستثمارية بالعملة المحلية، إلى جانب الودائع بالعملة الأجنبية.
زيادة عرض النقود لا تنعكس دائماً وبنحوٍ فوري على معدلات التضخم. فالتأثير التضخمي يعتمد أساساً على مدى تحوّل النقود المتاحة إلى إنفاق فعلي في السوق؛ عندما تتوسع الكتلة النقدية في بيئة تتَّسم بضعف الطلب، أو تراجع القدرة الشرائية، أو ارتفاع درجة عدم اليقين، يميل الأفراد والمؤسسات إلى الاحتفاظ بالنقود بدل إنفاقها، ما يؤدي إلى تباطؤ انتقال أثر التوسع النقدي إلى الأسعار.
كما أن التضخم يتحدَّد من خلال التوازن بين العرض الحقيقي للنقود والطلب الحقيقي عليها، وليس عبر حجم النقود الاسمي وحده. وفي حال استقر سعر الصرف أو تحسّنت سلاسل الإمداد نسبياً، قد يَتراجَع التضخّم مؤقتاً. ورغم استمرار نمو عرض النقود؛ إلا أن هذا التراجع يظل هشاً، إذ إن أي تحسّن لاحق في الإنفاق الكلي أو سرعة تداول النقود قد يُعيد الضغوط التضخمية للظهور.
| التاريخ | عرض النقود M1 (مليون جنيه) |
عرض النقود M2 (مليون جنيه) |
| ديسمبر 2021 | 1,833,718 | 3,296,959 |
| ديسمبر 2022 | 2,568,420 | 4,927,294 |
| ديسمبر 2023 | 3,355,549 | 7,596,379 |
| ديسمبر 2024 | 4,808,128 | 14,481,609 |
| نوفمبر 2025 | 8,733,667 | 24,841,937 |
جدول من النشرة الإحصائية الشهرية يُظهر بعض المؤشرات النقدية في السودان، ويتضح نمو المعروض النقدي (M2) بنسبة كبيرة بين ديسمبر 2024 ونوفمبر، ما يشير إلى كمية السيولة الضخمة التي ضُخّت في الاقتصاد خلال فترة الحرب.
المصدر: بنك السودان المركزي
من الجدول نخلص إلى أن عرض النقود بالمعنى الضيق (M1) قد ارتفع من 1.83 تريليون جنيه إلى 8.73 تريليون جنيه، أي بزيادة تقارب 376% خلال الفترة؛ بينما ارتفع عرض النقود بالمعنى الواسع (M2) من 3.30 تريليون جنيه إلى 24.84 تريليون جنيه، أي بزيادة تقارب 653% خلال الفترة نفسها.
هل أعاد تراجع التضخم التوازن بين الحضر والريف والولايات؟
سجّلت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء تغيّرات لافتة في معدلات التضخم السنوي بين ديسمبر 2024 وديسمبر 2025، ويمكن القول من خلال ذلك إن السنة التي مَضَتْ هي مؤشرٌ للتعافي من الصدمة الأولى للحرب، ففي الريف تراجع معدل التضخّم من 207.71% إلى 65.20%، وفي الحضر من 158.62% إلى 74.70%، بينما انخفض تضخُّم السلع المُستورَدة من 188.23% إلى 57.53%.
في معدل التغيير السنوي الولائي، بلغ أعلى معدل في 2024 بولاية شمال دارفور 458.62%، وهي منطقة شهدت تصاعداً في الأعمال الحربية وسقوط مدينة الفاشر، ما أثّر على الإمدادات الآتية من الشمال، كما سجَّلت ولاية النيل الأزرق أدنى معدل تضخم بنسبة 6.34%.
أما بنهاية 2025 سجّلت القضارف أعلى معدل في 2025 بنسبة 458.62%، وولاية غرب كردفان أدنى معدل ووصل إلى 67.88%. تعكس هذه المؤشرات تباينات جغرافية حادة في طبيعة الضغوط التضخمية التي أثر فيها وضع البلاد بسبب الحرب وتغيُّرات الأسواق.
الشكل (2)
يوضح الشكل معدلي التضخم السنوي والشهري منذ عام 2024
إلى جانب ذلك، أفرزت الفوضى التي خلَّفتها الحرب واستغلال تجار الأزمات، مزيداً من الضغوط التضخمية: تعطّلُ الإنتاج، وشحُّ السلع في بعض المناطق أدى إلى خلق سوق موازية نشطة واحتكار سلع أساسية، وجعل كثيراً من التجار يُحجمون عن بيع مخزونهم على أمل بيعه بأسعار أعلى لاحقاً، ما أدى إلى تفاقم النقص الحالي ورفع الأسعار أكثر. وفي ولايات نائية تدهورت فيها الأوضاع الأمنية، ارتفعت الأسعار بمعدلات خيالية.
وسط هذه الدوامة الاقتصادية، يجد السودانيون أنفسهم في معركة بقاء يومية لتأمين احتياجاتهم الأساسية. يقول العم الريح عثمان، وهو تاجر في سوق مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، بينما ينظر إلى أكياس السكر الفارغة في متجره: «نحن نحاول الصمود لكن الوضع صعب جداً؛ فالطرق شبه مقطوعة، والبضائع تصل إلينا بعد شهور وبأسعار مضاعفة، الزبائن يأتون ولا يستطيعون الشراء، وبعضهم يلومنا على الغلاء ولكنها ظروف الحرب وليست بأيدينا». ويمضي الريح عثمان قائلاً بصوت يملؤه الألم: «لا سبيل لنا إلا الصبر والدعاء بأن يعمّ السلام قريباً وينتهي الحصار الذي فرضته الدعم السريع… عندها فقط قد تنخفض الأسعار ونستطيع التنفس من جديد».
في ظلِّ استمرار الحرب الحالية، يَبقى تحقيقُ السلام هو المفتاح الحقيقي لكبح انفلات الأسعار وتخفيف المعاناة الاقتصادية عن كاهل المواطنين السودانيين، ويبقى الدور الأكبر للسياسات والمؤسسات في الحفاظ على معدلات تضخم منخفضة في العام الجديد 2026.
