أتر

السودان ومحيطه: ههنا تلتقي جميع الدّروب، ماذا تريد الإمارات؟

منذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، أطلّت أسئلة التدخّل الخارجي، لكنها ظلّت تُطرح غالباً في إطار أخلاقي أو قانوني: مَن يدعم مَن، ومَن ينتهك أي قرارات دولية. غير أنّ هذا الإطار، رغم ضرورته، يبقى قاصراً عن تفسير الصورة الأكبر، لأنه يفترض تدخّلاً وفق منطق عسكريّ مباشر، أو اصطفاف سياسيّ تقليدي، لكنّ ما تكشفه الوقائع المتراكمة يُشير إلى نمط أشدّ تعقيداً، وأقلّ مباشرة، وأبعد أثراً في المكان والزمان.

دخلت الإمارات إلى السودان في سياق نمط سياسي واقتصادي، اتّبعَته وشدّدت عليه، بخاصة بعد الربيع العربي وموجة التغيُّرات السياسية التي هزَّت الشرق الأوسط، من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وأخيراً السودان. وضمن هذا النمط، نسجت الإمارات روايتها على أساسَيْن: مُحاربة التطرّف وضمان الاستقرار السياسي. وسواءٌ أصحَّت هذه الرواية أم لم تصح، فإنّ نتيجة سياسة الإمارات في المنطقة أفضَتْ بكُلِّ تأكيد إلى كارثة، إذ إنها نسفَت الاستقرارَ وقسّمَت الدول وألحقت ضرراً بالغاً بالبنية السياسية والاجتماعية وتدريجياً الاقتصادية. لقد استفادت الإمارات من مواردها المالية الكبيرة التي أنفقتها بسخاء في مشاريع استثمارية اختارتها بعناية في الموانئ، والطرق، وفي خطوط إمدادٍ تجاريٍّ ولوجستيٍّ امتدَّت عبر اليمن، وليبيا، والصومال، وتشاد، وإثيوبيا، والسودان. وسرعان ما أدخلت هذه الشبكة دولاً أخرى إلى حلبة الصراع؛ دول فتحت للإمارات موانئها ومنحتها الأراضي واستوعبت مشاريعها الاستثمارية، ثمّ أفزعها تعامل السياسة الخارجية الإماراتية مع مصالحها دون رَويَّة.

تُمثل الحرب في السودان تجسيداً مكثّفاً لمسار إقليمي أوسع، ارتسم خلال العقد الأخير مع اشتداد وتيرة التنافس بين القوى الثريّة في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ومع ذلك، تكمن خطورة هذا النموذج على الحالة السودانية في تفريغ فكرة الدولة ذاتها من محتواها. حين تتحوّل البلاد إلى ساحةٍ لتَقاطُع شبكات النفوذ، يُصبح الصراع على السلطة صراعاً على الوظائف، لا على شرعية الحكم، ويصبح الفاعلون المحلّيون محض وُكلاء لمصالح من يدفع أكثر. وفي مثل هذا السياق، تُدار الحروب من خلال تعدّد الشرعيات الذي يتبدّى حالياً في الحالة السودانية نموذجاً واضحاً لم يرَه العالم بحقّ إلا عندما بدأ يتكرر متّبِعاً النمط ذاته في دول أخرى.

هذه هي خريطة التدخّلات الإماراتية في المنطقة، وهذا هو أثرها على السودان وعلى المنطقة.

ليبيا: الحلقة اللوجستية الأهمّ في شبكة إمداد الحرب

قبل سقوط الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، اقتصرت الشراكة بين الإمارات وليبيا على تبادل تجاري محدود لم يتعدّ حجمه 1.5 مليار دولار في العام 2006، لكنه تزايد بوتيرة متسارعة في العقدين الماضيين حتى بلغ حوالي 5.7 مليار دولار في 2024، منها 3.9 مليار هي قيمة صادرات الإمارات إلى ليبيا. هكذا، كان سقوط القذافي عتبةً اتخذ عندها حجم التبادل التجاري بين البلدين منحىً آخر، وبدأت الإمارات بضخّ استثمارات في البنية التحتية للموانئ في شرق ليبيا، وقد وضعت عينها على موانئ مثل بنغازي وطبرق هدفاً أساسياً، دون أن تعقد اتفاقات موثّقة تسمح لها بتشغيل الموانئ الليبية. ومع ذلك وَثقت تحقيقات لوجود الإمارات في شرق ليبيا ومشاركتها فعلياً في تسهيل نقل الأسلحة والوقود عبر مناطق يُسيطر عليها خليفة حفتر إلى السودان.

دخلت الإمارات إلى ليبيا ما بعد القذافي بالذريعة ذاتها؛ حفظ الاستقرار وإيقاف تنامي الجماعات المتطرّفة، فدعمت جزءاً من البلاد على حساب وحدتها، وانتهت إلى صناعة خطّ حربي فاصل بين شرق ليبيا وغربها. وقبلها كانت على رأس تحالف جمع بينها والسعودية وقطر ومصر ضدّ القذافي، ودعمت الثوّار في ليبيا للإطاحة به. لكن بعد الحرب الأهلية الثانية، في 2014، تبخّر ذلك التحالف إزاء ليبيا، لتدعم الإمارات قوات خليفة حفتر التي تسيطر على ليبيا الشرقية، ضدّ حكومة الوفاق الوطني المُعترَف بها دولياً وتسيطر على طرابلس الغربية.

منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، دخلت ليبيا في انقسام عميق بين سلطتين متنافستين، ما فتح المجال واسعاً لتدخّلات إقليمية. كانت الإمارات من أبرز هذه القوى، إذ رأت في خليفة حفتر حليفاً قادراً على فرض نموذج استقرار أمنيّ قائم على القوة، ومواجهة التيارات الإسلامية المسلحة. وثّقت تقارير لجان خبراء الأمم المتحدة دعماً إماراتياً واسعاً لقوات حفتر، شمل أنظمة دفاع جوي متطوّرة مثل نظام Pantsir S-1 الروسي، المعروف في سودان الحرب باسم «مضاد الطائرات»، وطائرات مسيّرة صينية من طراز Wing Loong II، واستخدام قواعد عسكرية أبرزها قاعدة الخادم شرق ليبيا. بلغ هذا الدعم ذروته خلال هجوم حفتر على طرابلس بين 2019 و2020. نتيجة الانحياز الإماراتي وتسخير إمكانات واسعة لخليفة حفتر وأسرته، باتت ليبيا دولة مفكّكة ومهدّدة بالانقسام بين كيانين يتنافسان على الشرعية.

ورغم أنّ الإمارات أعادت ضبط سياستها الليبية، بعد فشل ذلك الهجوم، والتدخّل التركي، فإنّ البنية العسكرية التي أسهمت في بنائها لم تختف؛ بل تحوّلت، مع اندلاع الحرب في السودان، إلى مورد جاهز يمكن توظيفه في صراع جديد. هنا تظهر ليبيا بوصفها مساحةً رخوة، تتحرّك فيها شبكات عسكرية وتهريبية، نشأت أصلاً في ظلّ رعاية إقليمية، ثمّ أعادت إنتاج نفسها في سياق حرب مجاورة.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، تحوَّلت ليبيا إلى إحدى أهمّ العُقد الإقليمية في مسارات الإمداد العسكري، بحكم هشاشة حدودها الجنوبية، ونتيجة شبكة علاقات عسكرية وأمنية سابقة نسَجتها الإمارات في شرق ليبيا خلال العقد الماضي. هذه الشبكة، التي نُسجت بدءاً لدعم قوات خليفة حفتر، وفّرت بنية جاهزة وُظِّفت لاحقاً في تغذية الصراع السوداني، خاصةً لمصلحة قوات الدعم السريع.

ويمثّل محورُ الصحراء الليبية الشريانَ الحيوي الأكثر استقراراً نسبياً لإيصال السلاح والذخائر والمركبات إلى غرب النيل السوداني، بما في ذلك إقليم دارفور. اكتسب هذا المحور أهمية مضاعفة بعد تقييد بعض المسارات الأخرى، وهو ما يفسّر حساسية منطقة المثلث الحدودي بين السودان وليبيا ومصر. في العاشر من يونيو 2025، شنّت قوات الدعم السريع هجوماً على هذه المنطقة الاستراتيجية، مُعلنةً السيطرة عليها، في عملية قال الجيش السوداني إنها نُفّذت بإسناد مباشر من قوات خليفة حفتر، وتحديداً عناصر من «الكتيبة السلفية» المتمركزة في الشرق الليبي. استهدف الهجوم، بحسب الجيش السوداني، إخلاء المنطقة تمهيداً لتحويلها إلى ممرّ إمداد آمن. قوبل هذا الاتهام بنفي رسميّ من القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية، التي اعتَبرت الرواية السودانية محاولة لتصدير الأزمة الداخلية وخلق عدوّ خارجي؛ إلا أنّ هذا النفي اصطدم بسلسلة متراكمة من الأدلة المُستقلَّة، الصادرة عن منظمات دولية، وتقارير أممية، وتحقيقات صحفية كبرى، رَسَمت صورة أشدَّ تعقيداً عن الدور الليبي في الحرب السودانية.

في نوفمبر 2024، أكّد تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، أنّ عناصر من قوات حفتر قدَّمت دعماً عسكرياً لقوات الدعم السريع منذ الأيام الأولى للحرب. وثّق التقرير إنشاء جسر جوي انطلق من مطار بنينا في بنغازي إلى مطار الكُفرة، ثم برّاً إلى الحدود السودانية، خلال أيام 16 و17 و18 أبريل 2023. وأوضح أنّ مطار الكفرة، الخاضع لسيطرة الكتيبة 128، كان نقطة محورية في هذه العمليات، وأنّ نقل العتاد جرى عبر شبكات قائمة سلفاً للتهريب في الجنوب الليبي. ورغم إشارة التقرير إلى أنّ بعض هذه العمليات لم تجرِ بأوامر مباشرة من حفتر، فإنها اعتمدت على بنية أمنية وعسكرية خاضعة لسيطرته الفعلية.

إلى جانب ذلك، كشفت منظمة مركز المرونة المعلوماتية CIR، عبر تحليل بيانات مفتوحة المصدر وصور أقمار صناعية، عن وجود معسكر عسكري لقوات الدعم السريع داخل الأراضي الليبية قرب بلدة الجوف جنوب الكفرة. رصَد التحليل، الذي استخدَم أداة Black Marble التابعة لناسا، نشاطاً ليلياً مكثّفاً وأكثر من مائة مركبة عسكرية داخل الموقع. اللافت أنّ عدداً من هذه المركبات ظهر لاحقاً في هجمات على مخيم زمزم للنازحين في شمال دارفور، ما يربط مباشرة بين البنية العسكرية داخل ليبيا والانتهاكات في الداخل السوداني.

برَز البُعد الإماراتي في هذا المسار بوضوح في تحقيق لوكالة رويترز نُشر في 29 أبريل 2025، وقد كشف عن وصول قذائف هاون بلغارية الصنع إلى قوافل إمداد تابعة لقوات الدعم السريع حملت أرقاماً تسلسلية مُطابقةً لشحنات صدّرتها بلغاريا إلى الإمارات عام 2019. وأكّدت بلغاريا رسمياً أنها لم تمنح أي إذن بإعادة تصدير هذه الذخائر إلى طرف ثالث، ونفت تصدير أي معدات دفاعية إلى السودان. ورغم نفي الإمارات، فإن الأمم المتحدة أكدت استمرار التحقيق بعد تجديد ولاية فريق الخبراء، ما أعاد تسليط الضوء على مسار ليبيا بوصفه حلقة وصل محتملة بين مخازن السلاح وشبهات إعادة التصدير.

خلال الأسابيع الأولى من عام 2026، ظهرت مؤشّرات على محاولة إغلاق هذا المسار. أعلنت إدارة مطار الكفرة إغلاقه مؤقتاً لأعمال صيانة، في خطوة فسّرَتها مصادر متعدّدة على أنها نتيجة ضغوط من مصر والسعودية وتركيا لإيقاف الإمدادات المتجهة إلى الدعم السريع، عقب زيارات أجراها البرهان إلى هذه الدول. وأظهرت بيانات تتبع الطيران أيضاً تراجُعاً حاداً في الرحلات الجوية المُرتبطة بالإمارات والمتجهة إلى شرق ليبيا، مع تغيير مسارات بعض الرحلات لتفادي المجالين الجويَّيْن المصري والسعودي والبحر الأحمر.

إثيوبيا: بين الوساطة والاشتباه

تحتلّ إثيوبيا موقعاً إشكالياً في محيط السودان الشرقي، فهي جارة مباشرة، ووسيطة سياسية، وحليفة وثيقة لدولة الإمارات في القرن الإفريقي. جعل هذا التداخل من الدّور الإثيوبي في الحرب السودانية دوراً مركباً، يتراوح بين محاولات ضبط الاستقرار، واتهامات غير محسومة بالانخراط غير المباشر في تغذية الصراع.

في يوليو 2024، أجرى رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد زيارة قصيرة لكنها ذات دلالة عالية إلى بورتسودان، ليكون أول رئيس حكومة يلتقي رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان داخل الأراضي السودانية منذ اندلاع الحرب. جاءت الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، بعد تقدُّم قوات الدعم السريع في جنوب شرق ولاية سنار، واقترابها من الحدود الإثيوبية. ورغم أنّ مكتب أبي أحمد قدّم الزيارة بوصفها سعياً لإيجاد حلول مستدامة للاستقرار في السودان، فإنّ السياق الإقليمي جعلها موضع قراءة أعمق، خاصة أنها جاءت بعد أشهر من شكوى رسمية تقدَّم بها السودان إلى مجلس الأمن، اتهم فيها الإمارات بتقديم السلاح لقوات الدعم السريع.

منذ الأيام الأولى للحرب السودانية، أدّت إثيوبيا، التي يُنظر إلى رئيس وزرائها بوصفه أحد أبرز حلفاء الإمارات في القرن الإفريقي، دَوراً سياسياً نشطاً، وكانت ثاني دولة يظهر فيها قائد قوات الدعم السريع بعد يوغندا، لكنها كذلك كانت أول دولة تستضيف قوى سياسية سودانية منذ اندلاع الصراع. في أديس أبابا، وقّعت قوى مدنية سودانية إعلاناً سياسياً، في خطوة رأت فيها الحكومة السودانية انحيازاً غير مباشر لطرف سياسي على حساب آخر. لم يكن هذا التوجّه مفاجئاً، إذ صرّحت إثيوبيا مبكراً بأن ما يجري في السودان هو نتيجة فراغ دستوري، واقترحت نشر قوة احتياط من شرق إفريقيا، في مقاربة اعتبرتها الخرطوم تدخّلاً في شؤونها الداخلية. في المقابل، لم تنقطع قنوات التواصل بين السودان وأديس أبابا. زار البرهان إثيوبيا في نوفمبر 2023، وأعقبت ذلك زيارات متبادلة لوزراء الخارجية ورؤساء أجهزة الاستخبارات، كانت آخرها زيارة مدير المخابرات الإثيوبي رضوان حسين إلى بورتسودان في يونيو 2025. يعكس هذا التوازي بين الانفتاح السياسي والشكوك الأمنية طبيعة العلاقة السودانية الإثيوبية، ويَسِمُها بالاضطراب الذي تحكمه الضرورة أكثر من الثقة.

يتجلَّى هذا الإشكال بوضوح في منطقة الفشقة، حيث تمتد الحدود بين البلدين لمسافة 774 كيلومتراً، وتشكّل تداخلاً معقداً بين الأمن والزراعة والتجارة. قبل اندلاع الحرب في السودان، كانت الفشقة مسرحاً لتوترات حادة، وصلت حدّ الاتهامات المتبادلة بدعم جماعات مسلحة. اتهمت إثيوبيا السودان سابقاً بإيواء مقاتلي جبهة تحرير تيقراي، بينما وُصفت سيطرة السودان على أراضي الفشقة بالغزو. في المقابل، اتهمت القوات المسلحة السودانية الجيش الإثيوبي بإعدام سبعة جنود ومواطن سوداني كانوا أسرى لديه، وهو ما أدّى إلى شكاوى رسمية لدى مجلس الأمن واستدعاءات دبلوماسية مُتبادلة. هذا الإرث الحدودي الثقيل يجعل من أيّ تحرك عسكري أو أمني في شرق السودان موضع شكٍّ متبادل. لذلك، عندما أفاد مزارعون سودانيون في القضارف بدخول مقاتلين من قوات فانو الإثيوبية إلى الفشقة في يونيو 2024، لم يكن النفي الإثيوبي كافياً لإغلاق باب القلق، حتى مع تعهُّد أبي أحمد بعدم استغلال الحرب السودانية لتسوية النزاع الحدودي.

على خلفية هذا كلّه، تقف علاقة إثيوبيا الوثيقة بالإمارات. فخلال الحرب الأهلية الإثيوبية، زوّدت أبوظبي حكومة أبي أحمد بطائرات مُسيّرة، وأسهمت في تدريب وحدات من الحرس الجمهوري، ما منح أديس أبابا تفوّقاً عسكرياً حاسماً في نزاع تيقراي. وبعد انتهاء الحرب في 2022، انتقل التعاون الإماراتي الإثيوبي إلى مجالات أوسع، شملت الاستثمار، والزراعة، والأمن الغذائي. وكرّست زيارة محمد بن زايد إلى أديس أبابا في أغسطس 2023، برفقة قيادات من الأجهزة السيادية وصناديق الثروة، هذا التحالف، ونتج عنها توقيع مذكّرات تفاهم استراتيجية. أدّى هذا التحالف دَوراً مُهمّاً في ملفِّ الوصول إلى البحر الأحمر. في يناير 2024، وقّعت إثيوبيا، التي تفتقر إلى منفذ بحريّ بعد استقلال إرتريا في منتصف 1993، مذكرةَ تفاهم مع إقليم أرض الصومال، في خطوة وفرت لها منفذاً محتملاً على البحر، عبر موانئ تديرها شركات إماراتية. وفاقم الاعتراف الإثيوبي اللاحق بأرض الصومال دولةً مستقلةً من توتّر الإقليم، وأعاد ترتيب موازين القوى في القرن الإفريقي، مع انعكاسات مباشرة على أمن البحر الأحمر والسودان.

لقد أضاف ملفّ سدّ النهضة بُعداً آخر لهذا التعقيد. أعاد إعلان أبي أحمد اكتمال بناء السد في يوليو 2025، دون اتفاق مع السودان ومصر، التأكيدَ على النزعة الأحادية الإثيوبية في القضايا الاستراتيجية الكبرى. وبينما التزمت الخرطوم الصمت، اختارت القاهرة التصعيد الدبلوماسي، ما وضع السودان مرة أخرى في موقع الدولة المتأثرة بتقاطعات إقليمية أكبر من قدرتها على التأثير فيها.

في هذا السياق، تكتسب التقارير عن نشاط عسكري غير مُعلَن في غرب إثيوبيا أهمية خاصة. رصَدت منصّات تحقيق تطوّرات في مطار أصوصا قرب الحدود السودانية، ورجّحت ارتباطها ببناء قاعدة عسكرية لقوات الدعم السريع، إلى جانب تقارير عن معسكرات في إقليم بني شنقول، واتهامات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال، تحت قيادة الجنرال جوزيف توكا نائب عبد العزيز الحلو في منطقة يابوس بإقليم النيل الأزرق. ورغم غياب أدلة قاطعة أو اعتراف رسمي بذلك، فإنّ هذه المؤشرات تُعزّز شكوك الحكومة السودانية حول تحوّل بعض الأراضي الإثيوبية إلى عمق لوجستي مُحتمَل للصراع.

مصر: حدود التباين مع المشروع الإماراتي

لم يكن التقارب المصري الإماراتي الذي أعقب إطاحة الجيش المصري بحكومة محمد مرسي في 2013 محض تقارب ظرفيّ، إنما لحظة تأسيس لنمط جديد من التحالفات الإقليمية، يقوم على توزيع الأدوار بين دولة حارسة للأمن والنظام السياسي، ودولة مُموِّلة تمتلك فائضاً مالياً ورؤية توسّعية بعيدة المدى. في تلك اللحظة المفصلية، سارعت أبوظبي إلى الاعتراف بالنظام الجديد في القاهرة، وضخّت دعماً مالياً وسياسياً واسعاً مكّن الدولة المصرية من تثبيت أركانها الداخلية، وصولاً إلى انتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً للجمهورية. لم يكن هذا الدعم معزولاً عن سياق إقليمي أوسع، إنما جاء في إطار الذريعة الإماراتية ذاتها؛ محاصرة تيارات الإسلام السياسي، وهو ما أفضى إلى بناء محور إقليمي ضمّ الإمارات ومصر والسعودية والبحرين، قبل أن يتجسّد في مقاطعة قطر عام 2017، وفتح جبهة توتر مُمتدَّة مع تركيا. داخل هذا المحور، بدت العلاقة بين القاهرة وأبوظبي أشدّ صلابة، لكنها في جوهرها لم تكن شراكة متكافئة بقدر ما كانت علاقة وظيفية، يحصل فيها كل طرف على ما يريده في لحظة محددة من الزمن.

مع ترسيخ النظام المصري داخلياً، ونجاحه في إغلاق المجال السياسي على نطاق واسع، واصلت الإمارات دعمها عبر ودائع واستثمارات ومشاريع بنية تحتية ضخمة، تُوّجت لاحقاً بمشروع رأس الحكمة، الذي بلغت قيمته نحو 35 مليار دولار. لم يقتصر هذا التغلغل على السياسة والاقتصاد، بل امتدّ إلى مجالات رمزية مثل الرياضة والمؤسسات الاجتماعية، في محاولة لبناء نفوذ ناعم متداخل مع البنية الداخلية للدولة المصرية. غير أنّ هذا التمدّد، على متانته الظاهرة، كان جزءاً من مشروع إماراتي أوسع يتجاوز مصر ممتداً إلى حوض النيل والقرن الإفريقي. ومع استقرار النظام في القاهرة، انتقلت أبوظبي من تأمين حليف سياسي إلى إعادة تعريف مفهوم النفوذ، ليتسع من نطاق التأثير في القرار السياسي إلى التحكم غير المباشر في الموارد السيادية، وعلى رأسها المياه. عند هذه النقطة، خرج نهر النيل من كونه ملفاً تفاوضياً تقليدياً، ليصبح ساحة صراع استراتيجي طويل الأمد.

تنظر القاهرة إلى النيل بوصفه مسألة وجودية، بينما تتعامل أبوظبي مع المياه من زاوية مختلفة، باعتبارها سلسلة قيمة اقتصادية متكاملة تمتدُّ من المنبع إلى المصبّ. في هذا التصور، يتحوّل نهر النيل من محض مجرى جغرافي إلى اقتصاد سياسي كامل الأركان، يبدأ من الهضبة الإثيوبية، ويمرُّ عبر الأراضي الزراعية الشاسعة في السودان، وينتهي ببنية تحتية وصناعية وغذائية في مصر، تخدم في المحصّلة رأسَ مالٍ خليجياً يبحث عن أمن غذائي طويل الأمد. هنا يتعدّى التحكم في المياه السيطرة المباشرة على النهر، إلى إدارة غير مباشرة لتدفقاته عبر الأرض والإنتاج، وفق منطق المياه الافتراضية، إذ يتحوّل الغذاء المُنتَج في دول الحوض إلى حامل خفيّ للمياه المستهلكة في دول تعاني شحّاً مائياً وهيكلياً. بهذا المعنى، يصبح الأمن المائي في جوهره مسألة أمن غذائي، وهو ما يفسّر اهتمام الإمارات المتزايد بحوض النيل، وبالسودان على وجه الخصوص، باعتباره الحلقة التي يلتقي عندها الماء بالأرض والسيادة بالإنتاج.

في هذا السياق، بدَتْ سياسات الإمارات في إثيوبيا شديدة الحساسية بالنسبة لمصر. بينما كانت القاهرة تخوض صراعاً دبلوماسياً محتدماً حول سد النهضة، أقامت أبوظبي علاقات وثيقة مع أديس أبابا، وقدّمت دعماً سياسياً وعسكرياً لحكومة أبي أحمد، وأسهمت في تعزيز طموحات إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر مشاريع بنية تحتية، من بينها الطريق الرابط بين إثيوبيا وميناء بوصاصو في أرض الصومال. لم يتوقف هذا التمدّد عند المنبع، بل ارتبط مباشرة بالسودان، بوصفه الحلقة المفصلية بين الماء والغذاء. فالسودان هو المساحة التي يتحوّل فيها النهر من قضية حصص إلى قضية إنتاج وسيادة. ومع اندلاع الحرب في السودان، تحولت التناقضات بين القاهرة وأبوظبي من محض اختلافات هادئة في الرؤى، إلى انحيازات واضحة وحدود سياسية يصعب تجاوزها.

ومنذ الأيام الأولى للصراع السوداني، كان الموقف المصري منحازاً بوضوح إلى القوات المسلحة السودانية. انعكس ذلك في الخطاب الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي، إذ جرى توصيف قوات الدعم السريع بأنها مليشيا، مع إقصاء أصوات داعميها، سواءٌ أكانوا من داخل السودان أم من القوى المدنية المرتبطة بتحالفات سياسية معينة، عن المنصّات المصرية. لم يكن هذا الاصطفاف إعلامياً فحسب، إنما كان سياسياً وأمنياً أيضاً، وعكَس إدراكاً مصرياً بأن تفكّك الدولة السودانية، أو سيطرة قوة موازية على مواردها، يمثّل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري.

بلغ هذا الموقف ذروته في ديسمبر 2025، عندما أعلنت الرئاسة المصرية خطوطاً حمراء تتعلّق بوحدة السودان ومؤسساته وموارده، ولوّحت بحقّ مصر في اتخاذ إجراءات دفاعية إذا جرى تجاوزها. ويكتسب هذا التصعيد دلالته من توقيته، إذ جاء بعد فترة من الصمت الرسمي تجاه اتهامات وجّهها قائد قوات الدعم السريع إلى مصر بالمشاركة في ضرب قواته جواً قرب جبل مويا بولاية سنار في أكتوبر 2024. تزامَن هذا التشدد المصري مع اتساع الشرخ بين السعودية والإمارات، وهو ما فتح هامشاً جديداً للمناورة أمام القاهرة. ففي نوفمبر 2025، وخلال زيارة وليّ العهد السعودي إلى واشنطن، أعلن الرئيس الأمريكي عزمه تكثيف الجهود بشأن قضية السودان بطلب سعودي مباشر، في خطوة فُسّرت على أنها محاولة لسحب الملف السوداني من دائرة النفوذ الإماراتي. أعقبت ذلك تطوّرات إقليمية دراماتيكية، أبرزها الضربة السعودية التي استهدفت شحنة أسلحة قادمة من ميناء الفجيرة إلى اليمن، وما تبعها من سجال إعلامي غير مسبوق بين الرياض وأبوظبي.

في هذا المناخ، بدت القاهرة أشدّ استعداداً لإعادة تموضعها الإقليمي؛ فضلاً عن أنّ التقارب السعودي القطري، وتطوّر العلاقات المصرية التركية، وظهور مَحاور جديدة تضمّ السعودية وتركيا وباكستان وقطر، منَح مصر مساحة أوسع لتنويع شراكاتها وتقليل اعتمادها على الإسناد الاقتصادي الإماراتي. في المقابل، وجدت الإمارات نفسها أمام شبكة متزايدة من التحديات التي تُهدِّدُ مشروعها طويل الأمد في حوض النيل، خاصة في ظلّ الضغوط المناخية العالمية وارتفاع كلفة تأمين الغذاء.

تشاد: بين توازنات الداخل وضغوط الخارج

تؤدّي تشاد دَوراً معقداً في الحرب السودانية، ينبع من تداخل عميق بين التاريخ الاجتماعي على جانبي الحدود بينها والسودان، والهشاشة السياسية الداخلية، والانخراط الإماراتي المُتزايد بعد اندلاع الصراع. لا يمكن فهم هذا الدور، دون العودة إلى البنية القبَلية والعسكرية التي تشكَّلت منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين قاد إدريس ديبي تمرُّده ضد حسين حبري بدعم مباشر من الزغاوة السودانيين، وهو دعم كوفئ لاحقاً بمناصب ونفوذ داخل أجهزة الدولة التشادية. تكثّفت هذه الروابط الإثنية خلال حرب دارفور، وأعادت إنتاج نفسها على نحوٍ مُعاكس، إذ ساند الزغاوة التشاديون الحركات المسلحة الدارفورية، ووفّروا لها السلاح والمأوى، ما أدى إلى تدهور حادّ في العلاقات بين إنجمينا والخرطوم. بلغ هذا التوتر ذروته في عام 2008، عندما دعمت الحكومة السودانية متمرّدين تشاديين وصلوا إلى مشارف العاصمة إنجمينا، وردّت تشاد في العام ذاته بدعم «عملية الذراع الطويلة» لحركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم، شقيق وزير المالية السوداني الحالي جبريل إبراهيم، التي بلغت قلب الخرطوم. غير أنّ الطرفين تراجَعَا لاحقاً عن مسار التصعيد، ودخَلا في تسوية غير مُعلنة أعادت ضبط العلاقة الأمنية.

منذ عام 2010، بدأت تشاد تقليص دعمها للحركات الدارفورية، مقابل التزام سوداني بنزع سلاح المعارضة التشادية في دارفور أو استيعابها ضمن قوات حرس الحدود بقيادة الزعيم الأهلي موسى هلال، الخطوة التي تُوِّجَت في 2012 بزواج إدريس ديبي من أماني موسى هلال، في حدث حمل دلالات سياسية تتجاوز البعد الشخصي، ورسّخ شبكة مصالح عابرة للحدود.

داخلياً، تقوم معادلة الحكم في تشاد على توازن هشّ بين مجموعات إثنية غير متكافئة. يعاني العرب، الذين يشكّلون نسبة معتبرة من السكّان ويتمركزون في الشرق، من تهميش تنموي واضح؛ بينما يشكّل الزغاوة، نخبة نافذة داخل مؤسسات الدولة، وينحدر منهم إدريس ديبي نفسه. خلَق هذا التفاوت حالة سخط مزمنة استُخدمت، مراراً، ورقةَ ضغط سياسي وأمني. فبعد مقتل إدريس ديبي في أبريل 2021، تولى السلطة بصفة انتقالية ابنُه محمد إدريس ديبي إتنو، المعروف بمحمد كاكا. سعى كاكا إلى تهدئة الداخل عبر فتح قنوات مع المعارضة وعودة المنفيّين، لكنه في الوقت ذاته حاول الابتعاد نسبياً من تحالف والده التقليدي، ما أثار غضب قطاعات من الزغاوة وأعاد طرح أسئلة حول شرعيته داخل العائلة والقبيلة. في هذا السياق، بات كاكا في حاجة ماسّة إلى المال السياسي، لشراء الولاءات، وتحييد الخصوم، وتمرير إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة.

مع اندلاع الحرب في السودان، أعلنت تشاد موقف الحياد؛ لكنّ تمدُّد القتال إلى دارفور وكردفان وضَع هذا الحياد تحت ضغط واقعيّ من زِنَةٍ راجحة: سوف تعني هزيمة قوات الدعم السريع، بالنسبة لكاكا، عودة آلاف المقاتلين من عرب تشاد الذين انخرطوا في صفوف الدعم السريع إلى الداخل التشادي وهم مسلّحون، وسوف يكوّنون مُعارضةً مُنظَّمة لا محالة. لذا، مال النظام التشادي إلى دعم حميدتي بنحوٍ غير مُعلَن، باعتباره صمامَ أمان مؤقتاً للاستقرار الداخلي. وكان انضمام مئات من عرب ودّاي إلى قوات الدعم السريع بدوافع اقتصادية في المقام الأول، البطالة، الفقر، وإغراء الغنائم. غير أنّ بعضهم نظر أيضاً إلى احتمال انتصار حميدتي بوصفه فرصةً لبناء قاعدة دعم لمعارضة تشادية مستقبلية. ولم تَسْع الحكومة التشادية، إلى إيقاف هذا التدفّق، إذ إنّ بقاء هؤلاء المقاتلين داخل السودان يُخفِّف الضغط الاجتماعي والسياسي عليها.

هذه المرة دخلت الإمارات لاعباً حاسماً. في منتصف يونيو 2023، زار محمد كاكا أبو ظبي، ونتج عن الزيارة تعهّد إماراتي بتقديم قرض بقيمة 1.5 مليار دولار عبر صندوق أبو ظبي للتنمية، وهو رقم يُقارب إجماليّ الميزانية السنوية لتشاد، إضافة إلى تزويدها بمركبات عسكرية وصلت في أغسطس من العام نفسه. لم تكن هذه الصفقة تعبيراً عن اهتمام إماراتي بتشاد لذاتها، بقدر ما كانت استثماراً في موقعها بوصفها حلقة وصل مع قوات الدعم السريع. بعد الزيارة، أعلنت الإمارات في 23 يوليو 2023 إقامة مستشفى ميداني في بلدة أم جرس لدعم اللاجئين السودانيين. لم يكن اختيار أم جرس بريئاً، رغم أنّ التجمّع الأكبر للاجئين كان في أدري. فالبلدة تضمّ مدرجاً جوياً بطول ثلاثة كيلومترات افتُتح أواخر 2022، ومنذها استُخدم، إلى جانب مطار إنجمينا، نقطةً رئيسةً في الجسر الجوي الإماراتي لإمداد قوات الدعم السريع بالأسلحة والذخائر والطائرات المُسيّرة والمرتزقة.

وتُشير بيانات تتبُّع الطيران إلى أنّ الجسر الجوي الإماراتي بدأ عبر مطار عنتيبي في يوغندا، باستخدام طائرات إليوشن 76، قبل أن تتحوّل وجهته إلى أم جرس. بين منتصف مايو ونهاية يونيو 2023، رُصِدت عشرات الرحلات، وصلت في ذروتها إلى أربع رحلات يومياً، مع تسجيل أكثر من طائرة على المدرج في الوقت ذاته. لم يكن هذا النشاط الذي إنسانياً بحتاً، بل شكّل العمود الفقري للإمداد العسكري لقوات الدعم السريع في مراحلها الأولى.

السعودية: كابح إقليميّ لنفوذ الإمارات

منذ ديسمبر 2025، دخلت العلاقة بين السعودية والإمارات طوراً من الصدام السياسي والأمني العلني، بلغ ذروته في اليمن، لكنه تجاوزها سريعاً ليشمل البحر الأحمر، والصومال، والملف السوداني. وهو تحوُّل لا يمكن فصله عن إدراك سعودي متزايد بأنّ نفوذ الإمارات في الإقليم بات يمسُّ المجال الحيوي للمملكة مباشرة، ويعيد تشكيل توازنات أمنية لا تخدم مصالحها طويلة الأمد.

تفجّرت الأزمة على خلفية تحرّكات عسكرية نفّذها المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن، انتهت بإعلانه السيطرة على حضرموت والمهرة في التاسع من ديسمبر 2025، وهما منطقتان تمثلان عمقاً أمنياً مباشراً للسعودية. جاء الرد السعودي غير مسبوق في حدّته، إذ اتهمت الرياض الإمارات صراحة بدعم هذه التحرّكات، واعتبرتها تهديداً للأمن الوطني. تزامَن ذلك مع إعلان تحالف دعم الشرعية في اليمن، الذي تقوده السعودية، قصف شحنات أسلحة، قال إنها نُقلت من ميناء الفجيرة إلى المكلّا دعماً للمجلس الانتقالي. وخلال أيام قليلة، انهار الغطاء الإماراتي للمجلس الانتقالي، وأعلنت أبوظبي سحب ما تبقى من قواتها من اليمن، ثم تلا ذلك هروب رئيس المجلس عيدروس الزبيدي إلى الإمارات عبر أرض الصومال، قبل أن يُعلن حلّ المجلس نفسه في التاسع من يناير 2026. بعد حسم المواجهة بالقوة الخشنة، انتقلت السعودية إلى تثبيت مكاسبها بالقوة الناعمة، عبر إعلان حزمة مساعدات تنموية بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي استهدفت مناطق عدن، وحضرموت، والمهرة، وسقطرى، من بين مناطق أخرى في اليمن، في رسالة سياسية واضحة مفادها أنّ الرياض هي الفاعل القادر على الجمع بين الأمن والتنمية.

لم يكن المشهد اليمني جزيرة معزولة، إنما مثّل التطبيق الأكثر وضوحاً لاستراتيجية سعودية أوسع، هدفها احتواء النفوذ الإماراتي في محيطها الإقليمي. منذ ديسمبر 2025، أعادت الرياض ترتيب أولوياتها الخارجية، فانتقل التركيز من غزة وسوريا إلى اليمن والصومال والسودان وإرتريا. وفي هذا السياق، جاء التحرّك السعودي في الصومال داعماً لوحدة أراضيها سعياً إلى إعادة ضبط التوازن في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وبرزت ضمن هذا المسار نفسه مؤشرات على سعيٍ سعوديٍّ لتشكيل محور أمني جديد يضمّ السعودية ومصر والحكومة الصومالية الاتحادية، تحت عنوان حماية أمن البحر الأحمر. وكانت الرياض في وقت سابق قد وقّعت اتفاق دفاع استراتيجي مشترك مع باكستان في سبتمبر 2025، مع تداول أنباء عن محاولات لضمّ تركيا في تحالف له تأثير غير مباشر في السودان.

وتُشير تقارير متقاطعة إلى أنّ السعودية قد تسعى، عبر هذا التحالف، إلى دعم القوات المسلحة السودانية، سواءٌ أكان ذلك بتسهيل أم تمويل صفقة تسليح محتملة مع باكستان بقيمة تصل إلى 1.5 مليار دولار، تشمل عتاداً عسكرياً ومقاتلات تَمنح الجيش السوداني تفوّقاً جوياً نسبياً في مواجهة قوات الدعم السريع. إنْ صحّ هذا المسار، فإنه يعكس انتقال السعودية من موقع الوسيط الدبلوماسي، كما في منبر جدة، إلى موقع الفاعل الذي يُعيد موازنة الصراع ميدانياً، في مواجهة نفوذ إماراتي يُنظر إليه بوصفه داعماً لقوى موازية للدولة السودانية. في المقابل، سعَت الإمارات إلى تعويض خسائرها الإقليمية بتعميق شراكات بعيدة جغرافياً لكنها مؤثرة استراتيجياً، كما ظهر في اللقاء الذي جمع محمد بن زايد برئيس الوزراء الهندي مودي في يناير 2026، وتضمّن التوافق على تعزيز الروابط الدفاعية ومضاعفة التبادل التجاري.

على المستوى التاريخي، لا يمثّل هذا الصدام قطيعة مُفاجِئة، إنما نتيجة تراكمية لتصدّعاتٍ بدأت منذ 2018، حين برز الخلاف حول جنوب اليمن، ثم تعمّقت مع الانسحاب الإماراتي الجزئي من اليمن في 2019، وتصاعدت اقتصادياً مع محاولة السعودية جذب الشركات العالمية من الإمارات في 2021. كما فاقمها اختلاف الموقف من التطبيع مع إسرائيل، إذ اندفعت الإمارات سريعاً في الاتفاقات الإبراهيمية، بينما بقيت السعودية مُتحفّظة، وزادت تحفّظها بعد أحداث السابع من أكتوبر وتداعياتها الإقليمية.

يكشف هذا التحوّل السعودي عن دلالتين أساسيتين: أولاً أنّ الرياض باتت تنظر إلى السودان باعتباره ساحة إقليمية مركزية لا يمكن تركها لتوازنات غير منضبطة، وهو ما يفسّر تكثيف حراكها الدبلوماسي والتأكيد المستمر على وحدة السودان وشرعية مؤسساته ورفض التدخّلات الخارجية. وثانياً أنّ التوتر السعودي الإماراتي، رغم أنه لا يستهدف السودان مباشرة، يعيد تشكيل موازين القوى داخله، سواءٌ أكان ذلك عبر دعم محتمل للقوات المسلحة أم عبر تضييق الخناق على شبكات إقليمية أسهمت في إطالة أمد الحرب. وبهذا المعنى، لم يعد السودان في الحسابات السعودية ملفاً إنسانياً أو دبلوماسياً فحسب، إنما جزءٌ من معادلة أمنية أوسع تتصل بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي وحدود النفوذ الإماراتي في الإقليم.

الصومال ــ البحر الأحمر: ساحة صراع سياديّ في شبكة النفوذ

تمثّل الصومال إحدى أكثر الساحات حساسية في شبكة العلاقات الإقليمية للإمارات، لأنها تكشف بوضوح حدود التمدّد الإماراتي حين يصطدم بمفهوم السيادة الوطنية، وتحوُّل الموانئ والأجواء إلى أدوات نفوذ عابر للدولة، فضلاً عن فرادة موقعها الجغرافي المُطلِّ على خليج عدن ومضيق باب المندب.

خلال عامي 2025 و2026، انتقلت العلاقة بين أبوظبي ومقديشو من شراكة اقتصادية وأمنية مضطربة إلى قطيعة سياسية جزئية، شكّلت إحدى أخطر لحظات إعادة التموضع في القرن الإفريقي. تمثّلت أولى هذه اللحظات في اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال دولةً مستقلةً في ديسمبر 2025، وهي خطوة كسرت إجماعاً دولياً استمرّ أكثر من ثلاثة عقود. ورغم أن الإمارات لم تُصدِر بياناً رسمياً بشأن الاعتراف، فإنّ موقعها حليفاً وثيق الصلة بإسرائيل، ومستثمراً رئيساً في موانئ بربرة وبوصاصو، جعلها في قلب الصراع الصومالي. بالنسبة لمقديشو، لم يكن الاعتراف حدثاً دبلوماسياً معزولاً، إنما تهديد مباشر لوحدة الدولة الصومالية، ومحاولة لإعادة رسم خرائط السيادة في القرن الإفريقي، بما يفتح الباب أمام عسكرة جديدة لسواحل البحر الأحمر وخليج عدن.

جاء ردّ الفعل الصومالي سريعاً وحادّاً. أعلنت الحكومة الفيدرالية أنّ الاعتراف الإسرائيلي «لاغٍ وباطل»، وحرّكت شبكة دبلوماسية واسعة شملت الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية وتركيا ومصر. لكنّ الأهم كان انتقال مقديشو من الإدانة الخطابية إلى مراجعة شاملة لعلاقاتها مع الإمارات، باعتبارها طرفاً فاعلاً في البنية الاقتصادية والأمنية التي جعلت من إقليم أرض الصومال مساحة مفتوحة لترتيبات دولية موازية للدولة الصومالية. اتخذ مجلس الوزراء الصومالي في يناير 2026 قراراً تاريخياً بإلغاء جميع الاتفاقيات المُبرَمة مع دولة الإمارات، بما في ذلك اتفاقيات تشغيل الموانئ، والتعاون الأمني والدفاعي، وترتيبات استخدام المطارات. وأكّدت الحكومة أنّ القرار جاء بعد «تقييم تراكمي» لمُمارسات رأت فيها تقويضاً للسيادة الوطنية، أبرزها التعامل المباشر مع إدارات إقليمية خارج إطار الحكومة الفيدرالية، وإنشاء ترتيبات أمنية موازية، واستخدام الموانئ والمجال الجوي الصومالي دون تفويض سياديّ واضح.

إحدى القضايا التي عجّلت باتخاذ هذا القرار، كانت حادثة تهريب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، عيدروس الزبيدي، عبر الأراضي الصومالية. ووفق البيانات الرسمية، انتقل الزبيدي من اليمن إلى أرض الصومال، قبل مغادرته عبر مطار مقديشو جواً إلى الإمارات، في عمليةٍ وصَفتها الحكومة الصومالية بأنها انتهاك خطير لسيادتها الجوية. ورغم نفي المسؤولين الصوماليين أن تكون الحادثة وحدها سبب القرار، فإنهم أقرّوا بأنها كشفت نمطاً متكرّراً من استخدام الأراضي الصومالية في ترتيبات إقليمية خارج رقابة الدولة. ويُفهم من هذا التوصيف، ضمناً، الإشارة إلى استخدام هذه الأراضي في مسارات دعم قوات الدعم السريع، رغم تجنّب التصريح بذلك علناً، وهو ما يعكس بوضوح أثراً مباشراً للدَّور السعودي في دفع مقديشو إلى تشديد موقفها من الإمارات.

أعادت هذه التطوّرات طرح سؤال جوهري حول طبيعة الدور الإماراتي في الصومال، هل هو استثمار اقتصادي محض، أم نفوذ سياسي وأمني يتجاوز الدولة المركزية. فالإمارات، عبر شركة موانئ دبي العالمية، استثمرت مئات الملايين من الدولارات في تطوير موانئ بربرة وبوصاصو، ما وفّر فرص عمل ونشاطاً اقتصادياً محلياً، لكنه في الوقت ذاته عزّز سلطة الأقاليم على حساب الحكومة الفيدرالية، وخلَق ازدواجية في القرار السيادي تغاضت عنها مقديشو لسنوات تحت ضغط الحاجة الاقتصادية، لكنها أصبحت غير قابلة للاستمرار مع تصاعد التوترات الإقليمية.

تتجاوز الأبعاد الأمنية لهذا الصدام الصومال؛ فالسواحل الصومالية تُشرف على واحد من أهمّ الممرّات البحرية في العالم، حيث يمرّ ما يقرب من 12 في المائة من التجارة العالمية. أي أنّ إعادة ترتيب للنفوذ في هذه المنطقة، سواءٌ أكانت عبر الاعتراف بأقاليم انفصالية أم بإقامة ترتيبات أمنية جديدة، سوف تنعكس مباشرة على أمن البحر الأحمر، وهو ما يربط الصومال عضوياً بملفات السودان واليمن وإرتريا. يكشف ما جرى في الصومال حدود نموذج النفوذ القائم على تجاوز الدولة، إذ يظلّ هذا النموذج فعّالاً ما دامت الدولة المركزية ضعيفة أو منقسمة، ويتراجع فور تشكُّل إجماع سيادي مدعوم إقليمياً.

تكشف التطوّرات في الصومال عن دلالتين رئيستين: الأولى أنّ نفوذ الإمارات في البحر الأحمر لا يقوم بالضرورة على تدخّل عسكري مباشر، إنما على أدوات اقتصادية ولوجستية تشمل الموانئ والمجال الجوي، وهي مقاربة سعت أبوظبي إلى اختبارها أيضاً في شرق السودان عبر محاولات الاستثمار في ميناء أبو عمامة، بوصفها أدوات قابلة لإعادة التوظيف في صراعات أخرى، كما حدث في تشاد وليبيا. أما الدلالة الثانية فتتمثل في أنّ قرار الصومال بإيقاف هذه الترتيبات يُوضّح حدود هذا النفوذ حين يصطدم بإجماع سيادي داخلي مدعوم إقليمياً، لا سّيما من السعودية ومصر وتركيا. وبهذا المعنى، لا يبدو الصومال في سياق الحرب السودانية دولة بعيدة جغرافيّاً، إنما جزءٌ من الحزام البحري الذي تتقاطع فيه مشاريع النفوذ الإقليمي. ومع تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة تنافس مفتوحة، تبرز مقديشو نقطةً تكشف هشاشة الاستراتيجيات القائمة على الالتفاف على الدول، وتُعيد طرح السيادة باعتبارها عاملاً حاسماً في إعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم.

النفوذ: شبكة أم احتلال؟

ليس السودان، في المنظور الإماراتي، جبهةَ حرب، ولا هو حليفٌ محتمل أو خصم سياسي. إنه مساحة استراتيجية متعدّدة الوظائف، تقع عند تقاطع ثلاثة ملفات وجودية بالنسبة لأبوظبي: الأمن الغذائي، السيطرة على سلاسل الإمداد، وإدارة التوازنات الإقليمية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر وحوض النيل؛ ومن ثمَّ تحقيق دعاية مكافحة الإرهاب الإسلامي. من هنا، يتحوَّل السؤال الحقيقي من دوافع تدخّل الإمارات في السودان، إلى كيفية إدارة نفوذها فيه دون التدخّل العسكري المباشر.

تعتمد الإمارات في ذلك على نموذج نفوذ مختلف عن النموذج الكلاسيكي للدولة الإقليمية، لا يسعى إلى السيطرة على الدولة بوصفها وحدةً سياديةً مُكتملة، إنما إلى تفكيك وظائفها وإعادة توزيعها عبر شركاء مُحليِّين من خارج المركز الرسمي. وهي صيغة تكرّرت في ليبيا واليمن والصومال والسودان لاحقاً. في هذا السياق، يُضحي التعامل مع الفاعلين المنشقّين، سواءٌ أكانوا قوى عسكرية موازية، أم أقاليم ذات حكم ذاتي، أم نخباً اقتصاديةً مُنفصلةً عن الدولة، خياراً استراتيجياً، لا حلاً اضطرارياً.

في السودان، وفَّرت بنية الدولة الهشّة، وتاريخ عسكرة الأطراف، ووجود قوة مسلّحة ضخمة خارج الجيش النظامي، بيئةً مثاليةً لتطبيق هذا النموذج. لكن ما يُميِّز الحالة السودانية أنّ النفوذ الإماراتي لم يُمارَس عبر المسار العسكري وحده، بل عبر مسارات غير عسكرية موازية: المال السياسي، والاستثمار في البنية التحتية، واستخدام الواجهات الإنسانية، والتحكّم في الموانئ والمطارات، وتدوير شبكات أُنشئت في نزاعات إقليمية سابقة. وفي هذه الشبكة تنشط قوى عسكرية ومدنية وإثنية، منها ما خرج على قوة سوق الإمارات السياسي حالياً ومنها ما لا يزال يَلزمها كالخاتم في الأصبع.

وعلى عكس ما قد يبدو، فإنّ هذا النمط من النفوذ لا يتناقض مع الخطاب الرسمي الإماراتي القائم على الاستقرار والتنمية. إنه يتقاطع معه وظيفياً. فالاستقرار هنا يُعرَّف بوصفه ضمانَ بيئةٍ آمنةٍ لتدفّق الموارد وسلاسل القيمة، حتى وإن كان ذلك على حساب وحدة الدولة أو احتكارها للعنف. من هذا المنطلق، لا يمكن فهم علاقة الإمارات بالسودان بمعزل عن علاقاتها مع ليبيا وتشاد وإثيوبيا والصومال ومصر والسعودية. فهذه الدول لا تمثّل دوائر مستقلة، إنما عُقَد داخل شبكة واحدة، تُدار عبرها حركة السلاح، والمال، والشرعية، والضغط السياسي. والسودان، في هذه الشبكة، هو الطرف الأضعف، لكنه كذلك الحلقةُ التي تلتقي عندها جميع المسارات أيضاً. وهي وساطة خلقتها الجغرافيا التاريخية للسودان، وتكرَّرت في حقب حضارية عديدة وَسَمَت علاقة القوى الخارجية بالسودان من منطق «لا بَريدك لا بَحمل بلاك»، وتُقرأ: لا أحبّك ولا أحتمل فراقك.

السودان: وسيط تمرّ عبره ملفّات أكبر

تُظهر القراءة المتأّنية لمسارات النفوذ الإماراتي في السودان ومحيطه الإقليمي أنّ السودان يُعامَل بحسبانه وسيطاً استراتيجياً، تمرّ عبره ملفات أكبر من حدوده السياسية. فالسودان، بموقعه الجغرافي وموارده الطبيعية وحدوده المفتوحة، يشكّل حلقة وصل بين البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل وعمق الصحراء الكبرى، أي بين مساحات النفوذ التي تسعى الإمارات إلى تثبيت حضورها فيها منذ أكثر من عقد. وما تريده الإمارات من السودان، في جوهره، ليس السيطرة على قراره السياسي اليومي، ولا حتى حسم الحرب لمصلحة طرف بعينه، بقدر ما هو إعادة تشكيل بنية السلطة والموارد بطريقة تسمح لها بالوصول المستدام إلى أراضٍ زراعية شاسعة مرتبطة بسلاسل إمداد خارج سيطرة الدولة، وممرّات لوجستية وموانئ ومطارات تعمل بمعزل عن القرار السيادي، وشركاء محليّين يعتمدون على الدعم الخارجي للبقاء، وبيئة سياسية مفكّكة تمنع تشكّل دولة مركزية قادرة على فرض شروطها. في هذا الإطار، تصبح الشراكة مع الفاعلين المنشقّين خياراً منطقياً. فالمنشقّون لا يطالبون بسيادة مكتملة، ولا يملكون خطاباً وطنياً جامعاً، ولا يستطيعون إدارة دولة مستقرة من دون دعم خارجي. وهم، بذلك، يشكّلون شركاء مثاليين في نموذج النفوذ غير المباشر، إذ تُدار الموارد دون تحمُّل مسؤولية الحكم. لكن هذه الاستراتيجية، رغم فاعليتها قصيرة ومتوسّطة المدى، تحمل تناقضاتها البنيوية. فالتعامل مع المنشقّين يعني بالضرورة إدامة الهشاشة، والهشاشة تعني صراعات مفتوحة، وصراعات مفتوحة تعني شبكات دعم لا تنتهي. وهو ما يجعل النفوذ نفسه أسيراً للشبكة التي بناها، كما بدأت ملامحه تظهر في الصومال، وفي التوتر المتصاعد مع السعودية، وفي التناقض مع المصالح المصرية في السودان.

إنّ تفكيك الحرب يقتضي تفكيك الشبكات التي تغذّيها، وإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة خطاباً وقدرةً فعليةً على التحكم في الموارد والمجال والقرار. كلّ هذا يجعل من السودان اختباراً حيّاً لتحوّلات أعمق في طريقة إدارة القوى في الإقليم؛ اختبار يكشف أنّ الحروب الحديثة لا تُدار بالجيوش وحسب، إنما بالشراكات، والموانئ، والمصارف، والمطارات، والمنشقّين الذين يتحوّلون، حين تُتاح لهم الفرصة، إلى كومبرادور نفوذ دائمين.

Scroll to Top