أتر

جمال الجميل وصنعة الكتابة: زينة على جبين الذكاء السوداني

عرضٌ لكتاب: «جمال محمد أحمد، الأعمال الكاملة، المجلد الأول». تحرير: بشير أبو سن، الشارقة. معهد أفريقيا. 2025. 485 صفحة.

في منتصف سبعينيات القرن الماضي، سأل أحدهم الطيب صالح، عمّن تأثر بهم من الكُتّاب، فأجاب بأنه تأثر بكاتبَيْن من السودان، أوّلهما جمال محمد أحمد، والثاني صفيّه من أزمنة بخت الرضا الدكتور أحمد الطيب أحمد. وقد كتب الطيب صالح في ما بعد عنهما، خاصة عن جمال: «… كان مفكراً كبيراً وأديباً صاحبَ رؤيةٍ طريفة وأسلوب لا يشبه أسلوب أحد من الكتّاب… يكتب القصص والنقد ويُترجم ويخوض في الشؤون العامّة، ويتناول العلاقات بين أفريقيا والعالم العربي… رجل من طراز رجال «عصر النهضة»، شموليُّ المدارك، لا يبعد موضوعٌ من مدار اهتمامه… بأسلوب من أجمل ما عرف عنه. يُحلّق في آفاق الفصحى، وأحياناً ينزل إلى لغة قريبة من العامية».

بالفعل، كان جمال من الموسوعيِّين، وممن أدركتهم غوايةُ الكتابة، ومن قبلها ومن بعدها، فضولٌ معرفيٌّ لا ينتهي. كان نتاجه غزيراً في فترة عَزَّ فيها النَّشر، وصار المبدعون إلى حالة «عاطلين عن الوردة»، بقول الناثر والشاعر العراقي باسم المرعبي؛ أضف إلى ذلك تنوّع مُنجزه من ترجمة وتأليف وبحوث ودراسات.

وبعد أربعة عقود من رحيله، استطاع القائمون على معهد أفريقيا في الشارقة، إصدار المجلد الأول من الأعمال الكاملة للراحل جمال، وبتحرير الشاعر بشير أبو سن، وقد افتُتح بالأفريقيات: أربعة أعمال هي «مطالعات في الشؤون الأفريقية»، «في المسرحية الأفريقية»، «وجدان أفريقيا»، و«عرب وأفارقة»، على أن تَعقبها بقيّةُ كتبه وترجماته الأخرى، إذ جُمِعَ عددٌ كبيرٌ من المقالات التي يُعكَفُ حالياً على تنضيدها وإعدادها للنشر، إضافة إلى مُؤلّفات أخرى، فضلاً عن مؤلَّفين باللغة الإنقليزية.

هكذا نستعيد أحد أجمل الكاتبِين في المشهد السوداني والإقليمي، وبكلِّ ألق لغته وأسلوبه وجمالياتهما، وقد مَتحَتْ كتاباتُه من ألسن عديدة، من بلوتارخوس إلى أبي حيان التوحيدي، وشاعره الأثير كفافي، والأمريكي إدموند ويلسون صاحب «المحطّ الفنلندي»، حتى كتابات الرحّالة والمغامرين والمُكتشفين، ممن أغوتهم القارة المجهولة والغامضة والمُلتبسة، والتي لم تَخرج من أزمنتها الأسطورية وطرائق تفكيرها الإثنوفلسفية.

«تَسعى أفريقيا المعاصرة لتعود للطريق وقد أخرجتها منه مراكب الأوروبيين، وألهتها عنه قوافل الرقيق»، هكذا افتتح جمال كتيّبه الموسوم «مطالعات في الشؤون الأفريقية» 1969، مُبتدراً حديثه بما سمَّاه عصر النهضة الأفريقية، من بعد عصور مُظلمة خضَعَتْ فيها القارَّة السمراء لتجارب استعمارية شوّهت المكان والإنسان وهويته، بطرائق الفيلسوفَيْن الإيطاليَّيْن فيكو وكروتشه، وكعادته أكثَرَ من الإحالات والهوامش التي عادة ما تتضمَّن نصوصاً، خاصةً في الشِّعر الأفريقي. من ضمن إحالاته، وممّا يُميز أسلوبه في الكتابة، الإشارة إلى الكتّاب وتصنيفاتهم، إضافة إلى ذكر زعماء وناشطين ورموز حركات التحرير في أفريقيا. ومن نهضة أفريقيا، «تعيش أفريقيا اليوم نهضة شاملة»، إلى شغفه بالأدب، حيث تأمّلاته العميقة في منجز الأدب الأفريقي ونهضته في النصف الأول من القرن العشرين من شعر ورواية ومسرحية ومقالة حتى المجلات الأدبية والفكرية – مثل أورفيوس الأسود –؛ وجميعها كتابات بديعة كشف بها الراحل شغفه بالآداب والفنون الأفريقية، وكذلك توغّله عميقاً في السياقات المُنتِجة لتلك النصوص، فضلاً عن معارفه الموسوعية في شأن الخطاطات والرقوق الاجتماعية والإنسانية: صدق حين أفتى «للكاتبين أن يجهدوا ويعرقوا. الكتابة عناء للخلق، هكذا القراءة في مراقيها العليّة إبداع كالكتابة، تحتاج للعناء والعرق إن أردت أن تمس حسّك وترفد عقلك، وقبل هذا وذاك تدفعك للعمل».

غمَّ جمالاً اغتيالُ لوممبا كما غمّه مؤتمر جوبا لاحقاً – مقالات بديعة كتبها جمال على صفحات مجلة الوادي منتصف سبعينيات القرن الماضي – والآن ومن بعد ما يقرب من ستة عقود، تظلُّ هذه الكتابة نقداً نافذاً للكتابات الإثنوفلسفية وأفقاً استفراقياً – موازياً للمشروع الاستشراقي – وفتوقات باكرة كشفت صورة الأفريقي في خطاب الآخر وتضليلها الأيديولوجي، بل وحتى المعرفي، لينتهي جمال بتناول موضوع الديموقراطية في أفريقيا في هذا الكتيّب الماتع.

في الكتاب الثاني من هذا المجلد، «في المسرحية الأفريقية» 1973، كتب جمال قائلاً: «وعدتك صيف 1968، حين أصدرت لي دار الهلال «مطالعات في الشؤون الأفريقية»، أن أعود ثانية لدفاتري، أعزّز تلك المطالعات بأخوات كنت أرصد لهن خواطري، وأنا أقرأ، أسمع أو أرى». على ذات نهج فيكو وكروتشه وبرلين، كما سبق وأشرنا، واصل جمال في هذا الكتاب نبشه في الأدب الأفريقي وتحديداً منجزه المسرحي؛ ليبدأه بالكاتب الإثيوبي سقاي قبرا-مدين والذي أفاض في الحديث عنه، بانفعال وشغف بائنَيْن؛ سقاي الشاعر والكاتب والمسرحي وحامل هموم بلده وبؤس الناس فيها. تحدّث عنه بإسهاب لأنه «… غنّى في هذه الفترة من نموه الوجداني والعقلي، لأفريقيا التي كانت تماماً مثله تنمو وتُورف»، وأضاف: «كان سقاي معنيّاً بأن يكتب مسرحيةً تُمْتِعُ، تَكتشف، قصيدةً تُطرب، ترود أفقاً ما استشرفه أحد، ويقدح ليتقن ما يعمل». أسهب بالفعل بتناوله لثلاث مسرحيات هي «أزماري» و«ثيودورس» و«الإله في شجرة البلوط»، قبل أن ينتقل إلى الحديث عن الشاعر والكاتب المسرحي النيجيري جون بيبر كلارك، الذي قدمه شاعراً وتناول مسرحيته «غنوة العنزة». ويَختم هذا الكتاب بالحديث عن مسرحية من فصل واحد بثتها هيئة الإذاعة البريطانية في عام 1967، وكانت بعنوان «حتى إشعار آخر».

ومن عوالم نهضة أفريقيا وتطور الفكر والمُنجز الأدبي فيها إلى روح و«وجدان أفريقيا» 1974، الكتاب الثالث في المجلد الأول الضخم من الأعمال الكاملة للراحل جمال محمد أحمد (1915-1986). كتب جمال في تصديره للكتاب: «هذا حديث عن الديانات في أفريقيا، وأي أثر تترك في معتنقيها. أبحث عن هذا الأثر فيما كتب الشباب في العقد الماضي، من شعر ورواية وقصة قصيرة وبحوث في الإصلاح الديني والتقدم الاقتصادي». وبتناغم مُذهل، يقودنا جمال إلى المشهد الديني في أفريقيا وتعقيداته، بحسبان أن القارة كلها تتميَّز بخارطتها اللاهوتية الأشدّ تعقيداً حتى اللحظات التاريخية التي قامت فيها مؤسسات الأديان الإبراهيمية وانتشارها الواسع في أجزاء من القارة خاصة المسيحية والإسلام. وكعادته، يحشد لكتابته عدداً كبيراً من الشواهد، ومن متون نصوص أنجزها كتاب ومفكرون أفارقة: «أعَرّب قصيدةً مثلاً لتقوم شاهداً على رأي أسوقه»؛ أو كما قال جمال. وهكذا يطوف بنا طوافاً عبر القارة لالتقاط عقيدة من هنا أو ديانة سماوية وتقاطعاتها مع المعتقدات المحلية، وكما ذكرنا من أنه استدعى كتابات عديدة ومتنوعة، ليُوثّق كتابته وكما قال إن «هذه الكتابات هي جوهر الروح الأفريقية».

أما الكتاب الرابع في هذه المجموعة، والذي ذاع صيته في المحيط العربي – ممن أعجبوا به لويس عوض ومحمد حسنين هيكل – هو «عرب وأفارقة»، الصادر في 1978 عن دار جامعة الخرطوم للنشر. وفي حسباننا أنه واحد من أمتع كتب الراحل من حيث أسلوب الكتابة وكثافة اللغة وجمال الحكي وتنوع طرائق السرد. قطعة أدبية بالغة العذوبة، كشفت عن شعرية جمال محمد أحمد، أي العناصر التي تجعل من النص نصّاً مستوفياً لشروط الكتابة الجمالية. قُلنا طرائق السرد، وهذه تُحيلنا إلى اهتمامه بالرواية والذي ظلَّ متواتراً في معظم كتابته، وقيل على لسان الراحل الأستاذ سر الختم الخليفة، إنه حينما ذهب للدراسة في بريطانيا كتب بحثاً قصيراً بعنوان «What I feel after reading a novel?». وهنا أنت واجد شواهد عديدة لذلك. لقد أنجز جمال قطعة أدبية رفيعة حكى فيها عن تلك اللحظة التاريخية، في ما بعد منجزات حركات التحرير الأفريقية، وبعد أن نالت العديد من الدول استقلالها وحركة دول عدم الانحياز، لحظة مولد منظمة الوحدة الأفريقية – الاتحاد الأفريقي لاحقاً – في أديس أبابا عام 1963. وتلك هي النوڤيلا التي أبدعها جمال في هذا الكتاب. لقد جعل جمال من الكتابة «بيته» كما قال أحد المفكرين، ورفد بذكاء مشهد الكتابة في السودان بعلامات على طريقها. ونزعم أنها، بعبارته، سوف تبقى مُزيِّنة جبينَ الذكاء السوداني. لترقد روحه بسلام.

Scroll to Top