أتر

ارتفاع قياسي للذّهب: تداعيات عالمية ومحلية

سجَّل سعرُ الذهب ارتفاعاً قياسياً جديداً، مُتجاوزاً مُستويات غير مسبوقة عند نحو 5592 دولار للأوقيّة، وسط اضطرابات اقتصادية عالمية وتصاعُد في التوترات الجيوسياسية. يعكس هذا الصعود السريع تحوّلاً في استراتيجيات الاستثمار، إذ يعود المستثمرون والمصارف المركزية إلى المعدن الأصفر ليصبح ملاذاً آمناً أمام التضخّم الجامح وضعف العملات الورقية.

لقد كان الذهب دوماً مخزنَ قيمةٍ يَحمي من التقلّبات والأزمات. ومع الانهيار المفاجئ في الثقة بالأصول الأمريكية والإجراءات السياسية المتقلّبة، ومع التوقّعات بتوسّع سوق الذهب وصعوده إلى مستويات غير مسبوقة، هرَعَ المُستثمرون إلى الذهب بديلاً وحيداً. وطالما كان يُنظر إلى امتلاك الذهب باعتباره جزءاً من المَحافظ التحوّطية ضد مخاطر التضخّم وضعف العملات الورقية وتقلّبات الأسواق المالية. لهذا يَسعى المُستثمرون في السودان وفي العالم على حدّ سواء إلى شراء الذهب، إما في صورة سبائك أو أوَاقٍ ورقية (جمع أوقيّة) لحفظ الثروة والاستقرار، مُستفيدين من ارتفاع الطلب العالمي على المعدن النفيس في ظلّ الأوضاع الراهنة.

حركة الذهب حول داڤوس وخطاب ترامب

كان الذهب قد اخترق بالفعل مستوى 4,800 دولار للأوقيّة، قبل وأثناء توجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مؤتمر دافوس، مَدفوعاً بمزيجٍ من مخاطر سياسية (صراع واشنطن – بروكسل حول غرينلاند، والرسوم الجمركية)، وتراجُع الثقة في الأصول الخطرة.

وتُشير تقارير السوق إلى أنّ الذهب سجّل قمماً تقترب من 4,755–4,766 دولاراً، ثمّ واصل الصعود إلى حوالي 4,891 دولاراً، في حركة يُنظر إليها باعتبارها تأكيداً على اتجاه صاعد قويّ، وبأنها ليست قفزة عابرة.

جاء بعض الدعم الهيكلي للذهب من ضعف الدولار، وتوقُّعات خفض الفائدة الأمريكية في 2026.​ ويشير خبراء إلى أن حيازة البنوك المركزية من الذهب أصبحت لأول مرة منذ سنوات طويلة أكبر من حيازتها من الدولار، ما يَعكس بحثاً عن بدائل للاحتياطيات الدولارية ويغذّي الاتجاه الصعودي للذهب.​

عند تأكيد ترامب في دافوس أنه لن يستخدم القوة العسكرية في قضية غرينلاند، تحوّل المزاج لفترة قصيرة، وارتفعت الأسهم وتراجع الذهب في حركة تصحيحية إلى منطقة 4,757 دولار تقريباً، لكن من دون كسر الاتجاه الصاعد.​

عُدّ هذا الهبوط «إعادة اختبار فني» لمناطق دعم محورية أكثر من كونه بدايةً لانعكاس هابط.​ لقد كان حضور ترامب يُهيمن على أجواء دافوس، مع خليط من الشعور بالخوف والقبول بالأمر الواقع لدى النخب الاقتصادية، بينما استمرّ التنفيذيون في إجراء صفقاتهم ومناقشة ملفات مثل الذكاء الاصطناعي والتمويل والديون.

عمّقت لهجة المواجهة مع أوروبا حول الرسوم وغرينلاند، وانتقاد مؤسسات مستقلَّة كالبنك المركزي الفيدرالي الأمريكي، شعورَ الأسواق بأنّ السياسة الأمريكية أقلّ قابلية للتنبؤ، وهو ما يَرفع الطلب على الذهب في لحظات الصدمة.

في المقابل، فإنّ أي إشارة إلى تهدئة، مثل نفي استخدام القوة في غرينلاند، تُترجَم عادةً إلى موجات قصيرة من بيع الذهب لمصلحة الأسهم، لكن ضمن اتجاه عام ما زال صاعداً ومدعوماً بتغيّر هيكل الاحتياطيات العالمية لمصلحة الذهب وتوقّعات خفض الفائدة.

على سبيل المثال، في جلسات ما قبل خطاب دافوس، ارتفع الذهب فوق 4,800 دولار مع تصاعد تهديدات الرسوم وغرينلاند، ثمّ هبط مؤقتاً قرب 4,757 دولاراً بعد نفي استخدام القوة، قبل أن يعاود الصعود إلى قرابة 4,891 دولاراً مُستكملاً مساره الصاعد.

منتدى داڤوس، أو المنتدى الاقتصادي العالمي، هو واحدٌ من أبرز اللقاءات العالمية التي تجمع قادة السياسة والاقتصاد والمجتمع المدني من مختلف أنحاء العالم، ويُعقَد سنوياً في مدينة داڤوس السويسرية، ويَهدف لمناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تؤثّر على العالم.

أُسِّس المنتدى في عام 1971 على يد بروفيسور كلاوس شواب، ومنذ ذلك الحين أصبح منصّة رئيسة للبحث في التحديات العالمية وتبادل الآراء بين مختلف الأطراف الفاعلة. ويتّسم المنتدى بتنوّع المشاركين، ويشمل رؤساء الدول، وكبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات الكبرى، وممثلي المنظمات غير الحكومية، والأكاديميين، ما يَجعله حدثاً مُميَّزاً يعكس اهتمام العالم بالقضايا العالمية الكبرى.

وينعقد المنتدى هذا العام في ظلّ اضطرابات جيوسياسية مُتفاقمة، تَشمل استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوترات بين القوى الكبرى، وتزايد المخاوف من اندلاع مواجهات عسكرية مُباشرة بين الدول.

تأثير الارتفاع على السودان

سجّل سوق الذهب السوداني ارتفاعات قياسية بالتزامن مع الصعود العالمي؛ فحتى نهاية الأسبوع الماضي بلغ سعر جرام الذهب (عيار 21 قيراطاً) نحو 483 ألف جنيه سوداني، في بورصة الذهب بسوق عطبرة، أي ما يعادل سعر صرف الدولار في السوق الموازية بسعر يتجاوز 1,200 جنيه للدولار. وبحسب متابعات «أتَـر» بلغ سعر الجرام من المعدن الصافي في منتصف هذا اليوم حوالي 546 ألف جنيه، وهي زيادةٌ قدرها 62.9 ألف جنيه للجرام (أي نحو 13%)، وهذا بسبب صعود الأسعار العالمية، إذ يرجع الأمر إلى ارتباط تسعير الذهب محلياً بسوق دبي العالمية.

وفي الحقيقة، يُسعّر الدرهم في السودان عبر قسمة السعر المحلي للذهب (محسوباً بالجنيه) بسعره على سعره العالمي (محسوباً بالدرهم)، فإذا كان سعر جرام الذهب في الإمارات 570 درهماً، بينما يُباع في السودان بـ 547,000 جنيه سوداني، فإن التاجر يقسم السعر المحلي على السعر الخارجي وفق العملية الحسابية: 547,000 ÷ 570 = نحو 960 جنيهاً للدرهم.

بعد التصاعد الأخير للذهب، أصبح  تجّار الذهب – وهم يحتفظون بنسبة كبيرة من الكتلة النقدية من العملات الصعبة – يتحكّمون في مستويات التسعير للعملة المحلية في السودان، وهو معيار ليس بجديد، لكنه ظهر بنحو واضح بسبب تقلّبات سوق الذهب.

ملاذٌ آمنٌ من غموض المشهد

يقول هاني أبو عاقلة، محلّل الأسواق العالمية، في حديثه لـ«أتَـر»، إنّ التعقيدات المُتصاعدة في المشهد الاقتصادي والسياسي الدولي، أبقت الاتجاه الصاعد للذهب قائماً، في ظلّ استمرار حالة الضبابية التي تدفع المستثمرين نحو الأصول الآمنة، ويُشير إلى أنّ مؤسسات مالية كبرى بدأت ترفع سقف توقّعاتها، إذ عمد بنك جولدمان ساكس إلى تعديل مستهدفه لسعر الذهب بنهاية عام 2026 إلى 5,400 دولار للأوقيّة مقارنةً بتقدير سابق عند 4,900 دولار، مع توقعات بوصول الأسعار إلى قرابة 6,000 دولار قبل نهاية العام، كما لفت إلى أنّ تقديرات محلّلين مستقلّين تذهب إلى قمم أعلى، من بينها توقّعات المحلّل روس نورمان التي تضع السعر عند حدود 6,400 دولار للأوقيّة.

ويضيف أبو عاقلة أنّ الأسواق تضع أيضاً في حساباتها التوترات المتصاعدة مع إيران وما قد تحمله من مخاطر جيوسياسية، إلى جانب الجدل المتعلق بغرينلاند، واستمرار التلويح بالرسوم التجارية بين القوى الكبرى، وهي عوامل مجتمعة تعزّز توجّه المستثمرين نحو الذهب بوصفه ملاذاً آمناً في فترات الاضطراب، ويختصر المشهد بالقول إنّ السمة الغالبة على الاقتصاد العالمي حالياً هي غياب الوضوح، وهو ما يُبقِي الذهب في دائرة الاهتمام أداةً للتحوُّط في مواجهة التقلبات.

التاريخ سعر الإغلاق
USD / أوقيّة
التغيّر اليومي (%) ملاحظات الارتفاع
1 يناير 4,329.00 بداية الشهر
19 يناير 4,672.90 + قبل داڤوس
20 يناير 4,761.90 +2.0 تقريباً توجّه ترمب إلى داڤوس، قفزة قرب 4,800
21 يناير 4,830.92 +1.45 يوم الخطاب، قمّة قرب 4,888
22 يناير 4,901.96 +1.48 استمرار الصعود بعد الخطاب
23 يناير 4,975.12 +1.5 تقريباً ارتفاع بنحو 123 دولار في يوم واحد
25 يناير 5,000.00 +0.5 تجاوز حاجز 5,000
26 يناير 5,102.04 +2.26 قمّة شهرية قرب 5,108
27 يناير 5,075.78 -0.51 تراجُع طفيف، ارتفاع شهري يقارب 17%
27 يناير 5400.25 4.06% ارتفاعٌ كبير

جدول أسعار الذهب يناير 2026

التاريخ السعر (USD) التغيير من 2020
(دولار)
النسبة من نقطة الأساس (%)
1/1/2020 1,519.50 0.00 0.0% (نقطة الأساس)
1/1/2022 1,829.05 +309.55 +20.4%
1/1/2024 2,062.90 +543.40 +35.8%
1/1/2025 2,623.96 +1,104.46 +72.7%
1/1/2026 4,321.48 +2,801.98 +184.4%
28/1/2026 5400.25 +3,888.75 +255.4%

جدول التطوّر السنوي لأسعار الذهب USD/(أوقيّة)

Scroll to Top