أتر

ماذا بعد فكّ الحصار عن الدّلَنج؟

يُعدّ وصول متحرّك الصياد إلى مدينة الدلنج وكسر حصارها في السادس والعشرين من يناير الجاري، علامةً فارقةً في مسرح العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات تأسيس بولاية جنوب كردفان (الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية شمال – جناح الحلو). وكان إعلام مُتحرّك الصياد قد صمَت منذ يوليو 2025، ثم بثّ ڤيديوهات في 26 يناير 2026 محتفلاً، وقال ضابط فيه إنهم يتحرّكون في جنوب كردفان وغربها. كما أشارت منصّة Vista إلى مشاركة قوات من الفرقة الخامسة الأبيض والفرقة العاشرة أبو جبيهة في العملية.

وأصبح إقليم كردفان ساحةً للكرِّ والفرِّ بين الطرفين، إذ ظلَّت السمة البارزة للقتال هي تبادل مواقع السيطرة، مثلما حدث في بارا والدَّنْكوج بشمال كردفان، والدّبيبات والحمادي بجنوب كردفان. ورغم ضبابية الموقف العملياتي في الإقليم برمته، لكن هذه المرة، يُعوِّلُ الجيش كثيراً على خطوة فكّ حصار الدلنج، التي توقَّف عنها الإمداد العسكري منذ يونيو الماضي عدا عدة إسقاطات جوية في أغسطس وسبتمبر وأكتوبر 2025.

الطريق إليها

بدأت القوات التي دخلت الدلنج تحرُّكها شرقاً من الأبيض إلى الرهد، ومن ثم غرباً إلى قرى البركة وهي (المدينة، البديرية، الحِويجز، والإضية القرعان) في شمال ولاية جنوب كردفان، ومنها جنوباً إلى كرتالة ثم غرباً إلى هبيلة الواقعة على بُعد حوالي 40 كيلومتراً شرق الدلنج، والتي تبادل الطرفان السيطرة عليها سابقاً. ومن هبيلة انطلق المُتحرّك نحو الدلنج، وتمكَّن من فكِّ حصارها الذي كاد يبلغ السنتين. ويتعذَّر التكهُّن بالخطوة التي تلي فكّ حصار الدلنج، وذلك بسبب التعقيدات الميدانية على الأرض في ولاية جنوب كردفان ووجود كلٍّ من قوات الدعم السريع والحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو في مناطق قريبة. إذ تُحكم الدعم السريع السيطرة على مدينتي الدبيبات والحمادي الواقعتين في ولاية شمال كردفان على بعد 50 و70 كيلومتراً على التوالي شماليّ الدلنج. كما تُسيطر أيضاً على حامية كيقا الخيل، التي تقع في طريق الدلنج كادُقلي وتبعد نحوَ 65 كيلومتراً جنوبيّ الدلنج و40 كيلومتراً شماليّ كادُقلي. في المقابل تُسيطر قوات الحركة الشعبية شمال على منطقة البلف المجاورة لكيقا الخيل وبرنو شمال غربيّ كادوقلي، كما ترتكز في جبال الصبي (شيبي) التي تبعد حوالي 20 كيلومتراً جنوب غربيّ الدلنج ومنها تمتدُّ سيطرتها حتى لقاوة بولاية غرب كردفان.

أكلنا كل ما تبقَّى لنا، وفي الأخير جرَّبنا أكل أوراق الأشجار والجلود، ومات عدد من الأطفال بسبب سوء التغذية، أما أصحاب الأمراض المُزمنة وكبار السن فتُوفِّي أغلبهم نتيجة لانعدام الدواء والرعاية الطبية.

ما بعد إنهاء الحصار

يرى عدد من المواطنين داخل مدينة الدلنج أن وصول الجيش إلى المدينة وإنهاء حصارها الطويل، يُعَدُّ تقدُّماً غير مسبوق في مجريات الحرب بجنوب كردفان. واعتبر عبد الله أحمد، أحد سكان الدلنج، أن وصول الجيش جعل السكان يَشعرون بأنهم في منأى عن انتهاكات الدعم السريع. وقال عبد الله لـ«أتَـر»: «كان الحصار قاسياً، وتسبَّبَ في نزوح أكثر من نصف سكان المدينة الذين تفرَّقوا في جهاتٍ عدَّة ووصل بعضهم إلى الأبيّض والنيل الأبيض وأبو جبيهة». ويتابع عبد الله: «لو تأخَّر فكُّ الحصار لأيام قليلة، كان يُمكن أن تَحدث أضرارٌ بالغةٌ بالمُواطنين بسبب نفاد المواد الغذائية، وتوقّف المستشفيات واستمرار القصف بالمُسيّرات والمدافع على المدنيين».

وتفشَّى الجوع بنحوٍ لافتٍ بولاية جنوب كردفان ما دفع برنامج الغذاء العالمي والفاو، واليونيسيف التابعين للأمم المتحدة لإعلان المجاعة بعاصمة الولاية كادُقلي في أوائل نوفمبر 2025. كما قالوا إنهم يظنّون أنها واقعة في الدلنج لكنهم لا يملكون بيانات كافية لإعلانها. إلا أنّ عدداً من سكان الدلنج أفادوا مراسل «أتَـر» بأن الجوع كان أشدّ ضراوةً في الدلنج بسبب وقوعها على تخوم المناطق التي تُسيطر عليها الدعم السريع، قبل تقدُّمها نحو كادُقلي. وقال أحد المواطنين لـ«أتَـر»: «أكلنا كل ما تبقَّى لنا، وفي الأخير جرَّبنا أكل أوراق الأشجار والجلود، ومات عدد من الأطفال بسبب سوء التغذية، أما أصحاب الأمراض المُزمنة وكبار السن فتُوفِّي أغلبهم نتيجة لانعدام الدواء والرعاية الطبية».

عدد المواطنين في المدينة حالياً يبلغ حوالي نصف عدد سكانها في غير أوقات الحرب، لكن من المتوقع عودة كثير من الذين نزحوا لو استقر الوضع الأمني في الفترة القادمة.

وبعد فكّ الحصار عن المدينة، كشفت شبكة أطباء السودان عن جمعها تقارير ميدانية تفيد بتسجيل أكثر من 1300 حالة سوء تغذية بين المدنيين في الدلنج، أغلبها من الأطفال. وقالت في بيان لها يوم الأربعاء، إنّ المدينة تكاد تفتقر إلى الكوادر والإمدادات الطبية، كما شحَّ بها الغذاء ما زاد حالات سوء التغذية خاصة وسط الأطفال والحوامل وكبار السن.

وشهدت المدينة حالة نزوح واسعة في العام الماضي، وأغلب من تبقّى لم يكن وجودهم اختياراً، بل تعدَّدَت الأسباب بين العجز المالي والحالة الصحية، وفقاً لأحد السكان، ويعمل في التكايا؛ والذي أخبر «أتَـر» بأن «عدد المواطنين في المدينة حالياً يبلغ حوالي نصف عدد سكانها في غير أوقات الحرب، لكن من المتوقع عودة كثير من الذين نزحوا لو استقر الوضع الأمني في الفترة القادمة».

ثُمَّ ماذا بعد؟

لكنّ الرهان على عودة النازحين حال استقرار الوضع الأمني، اصطدم بقصفٍ من جهتين بالمُسيّرات والمدفعية في اليوم التالي لفكّ حصار المدينة. وتفيد المعلومات التي تحصّل عليها مراسل «أتَـر»، بأنّ عدداً من المُسيّرات قصف صباح الأربعاء تجمّعاً كبيراً للمواطنين الذين كانوا يتشاركون مع الجنود شرب شاي الصباح، ولم يتأكّد بدقة من وقوع ضحايا. ورغم القصف، يبدو أنّ الجيش عازم على فتح الطريق بين كادُقلي والدلنج، إذ يقول الفريق جلال تاور، الذي تحدّث لـ«أتَـر»: «القوة التي وصلت الدلنج تتكوّن من خمسة متحرّكات، والمُتوقَّع أن تتقدّم نحو كادُقلي، خاصة وأنّ وحدات منها وصلت إلى أنجمينا القريبة من أبوزبد بغرب كردفان».

ويقول اللواء المتقاعد محمد خليل الصائم، وأستاذ الدراسات الاستراتيجية في الجامعات السودانية، متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، إنه يتوقَّع إقامة دفاعات قوية حول الدلنج لإيقاف أي هجوم برِّي مُحتمَل على المدينة، ومن ثُمَّ تشكيل وحدات تتحرَّك لفتح مسارات أخرى في ميادين المعركة.

ويعطي فكّ حصار الدلنج دفعة معنوية لعمليات الجيش الذي لم يُحقِّق انتصاراً بهذا الحجم منذ أكتوبر الماضي رغم استمرار العمليات في كردفان، كما يُساعده على توسيع مناطق سيطرته في جنوب كردفان قبل العودة إلى شمال كردفان التي تشهد هدوءاً نادراً.

Scroll to Top