أتر

دفتر أحوال السودان (109): من الفاشر والنيل الأزرق

الفاشر: مراكز احتجاز مكتظّة وتقييد لحركة السكّان

مضت أشهر ثلاثة على سقوط مدينة الفاشر بيَد قوات الدعم السريع، وما زالت الكارثة تجثم على صدور السكّان بالمدينة والقرى المجاورة. متحدّثاً لمراسلة «أتَـر»، يقول أبوبكر الإمام، متحدّث المقاومة الشعبية بولاية شمال دارفور، إنّ سجون الفاشر تكتظّ بالسجناء، إذ يضمّ سجن شالا جنوب غرب المدينة آلاف السجناء بينهم نساء.

وشهد مستشفى الأطفال التخصّصي بحي المصانع شرق الفاشر، قتل آخر 100 محتجَز قبل شهر، ليبقى خالياً إلا من بقايا معدات طبية مُهترئة وحوائط مُتقشرة تُذكِّر بالمجزرة. وأخبر أبوبكر بأنّ هناك مراكز احتجاز أخرى ممتلئة بالمواطنين مثل داخلية الرشيد وسجن قرني.

ووفقاً لمصادر محلّية تحدثت لمراسلة «أتَـر»، فإنّ حركة السكاّن محدودة، لأنّ إجراءات الدخول والخروج صارمة، وتسير الحياة اليومية ببطء عموماً، إذ إنّ الدعم السريع تسمح للتجّار فقط بالقدوم من مدينتي نيالا أو الضعين، وتقتصر الأسواق العاملة على سوق السلام جنوبي المدينة، بعد تمكّن بعض المواطنين من العودة إلى حي السلام جنوبي المدينة وفتح محلّاتهم. ويُزوِّد سوق السلام الفاشر بالخضروات والروب، إضافة إلى سوق صغير بحي المنارة أقصى جنوب المدينة على الطريق إلى مخيم زمزم للنازحين.

 ويقطن في حي السلام كثيرٌ من الشبّان المنضمّين إلى الدعم السريع بقوا مع عائلاتهم، وآخرون عادوا إلى الحي، خاصة أن قائد الدعم السريع «عجب الدور»، وهو من سكان الحي، افتتح تكية ببيته ووفر شبكة ستارلنك، على الرغم من أنّ الهواتف ممنوعة داخل المدينة وعرضة للنهب.

وتخبر المصادر أنّ السوق المركزي قد فتح أبوابه أخيراً، بينما رفضت سلطات الدعم السريع استئناف العمل في سوق حجر قدّو. والحال كذلك، يضطرّ السكّان للتوزّع على المتاح من الأسواق، تحت مراقبة مشددة، وصفوف طويلة أمام المحلات القليلة المفتوحة.

مع بعض الاستثناءات للجامع الكبير ومقرّ السلطة الإقليمية لدارفور، والمستشفى السعودي، حظرت الدعم السريع دخول المدنيّين إلى المناطق التي دارت بها المعارك الأخيرة في مدينة الفاشر قبل سقوطها، أو حتى زيارة منازلهم وتفقّدها، مثل الأحياء شمال غرب المدينة، بالقرب من داخلية الرشيد ومقر القوات المشتركة، وجامعة الفاشر وأحياء نيفاشا وأبشوك والنصر ودقاقاي. أما المدنيون الذين يقطنون بهذه الأحياء أو حولها، فنطاق حركتهم محدود في طرق بعينها. وأفاد عدد من السكّان بأنّ هناك مراكز احتجاز بهذه الأحياء والمناطق.

وأفاد مصدر محلي من حي المنارة جنوب الفاشر، أنه وغيره من جيرانه بعد عودتهم إلى الحي، وجدوا أثاث منازهم منهوباً. وهو ما أفاد به آخرون من أنّ بعض سكّان القرى المجاورة للفاشر، نهبوا المنازل ونقلوها إلى قراهم على الدواب، وسبقتهم في ذلك عناصر قوات الدعم السريع، ولأن طرق المدينة مغلقة ولا يُسمح بالمرور إلا عبر البوابات المحددة، مُنع من أراد نقل أثاثه إلى خارج المدينة تحت التهديد بالقتل.

وبحسب مصادر محلية أخرى تحدّثت لمراسلة «أتَـر»، فإنّ الوضع الصحّي بالمدينة متدهور، فلا أطباء ولا دواء، رغم إعلان وصول مساعدات إنسانية إلى المدينة في يناير الجاري، بتنسيق بين الولايات المتحدة ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلا أنهم يشكون قلّة تدخّل المنظمات الإنسانية، كما أفادوا بأن قوات الدعم السريع أحياناً، توزّع الإغاثة للمدنيين أمام الكاميرات ومن ثم تسترجعها بعد إغلاقها.

ويعيش سكّان الفاشر في عزلة تامة، وحرمان من الخدمات، إذ يعتمدون على محلات تجارية قليلة، ولا يستطيعون الشراء منها، بسبب انقطاع التواصل مع ذويهم في الخارج وانعدام مصدر الرزق، ومع ذلك يحاول البعض البقاء أو العودة رغم المخاطر، وسط صمت مؤلم يلفّ المدينة وأزقتها الفارغة.

محافظة باو: نزوح وتشريد وتخوّفات من توقف النشاط الزراعي مرة أخرى

كشفت مصادر متطابقة لمراسل «أتَـر»، عن نزوح مواطنين إلى رئاسة الوحدة الإدارية في «ود أبوك»، التابعة لمحافظة باو بإقليم النيل الأزرق، حوالي 60 كلم جنوب غرب الدمازين شرق الإقليم، نتيجة للمعارك التي دارت مطلع الأسبوع الجاري، في منطقتي «السِّلكْ» و«ملكن».

وأشارت كذلك متابعات «أتَـر» إلى وصول أعداد كبيرة من الأسر إلى منطقة «أحمر سيدك» بمحلية «باو»، حوالي 60 كلم جنوب غربيّ الدمازين شرق الإقليم، بينما توجّهت مجموعات أخرى إلى منطقتي «سودا» و«ديرن» في جبال الأنقسنا جنوب غربي مدينة الدمازين. وأوضح المصدر أنّ غالبية النازحين من النساء والأطفال، فرّوا سيراً على الأقدام لمسافات طويلة، في ظلّ أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة.

متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، أفاد مدير إعلام محافظة باو، شنان درويش دربين، بتحسّن في الأوضاع الصحية والاقتصادية للمواطنين الذين نزحوا من المنطقتين، جراء العمليات الحربية التي شهدتها المنطقة السبت والأحد الماضيَيْن، مُقلّلاً من حجم أعداد النازحين، مُرجِعاً ذلك إلى طبيعة المنطقتين العسكرية، فالمدنيون فيهما قلّة، إذ غادروها منذ الهجوم الأول لقوات الدعم السريع على المنطقة في العام قبل الماضي.

 وقال شنان إنّ النازحين استُقبلوا من قبل مفوضية العون الإنساني التابعة لحكومة الإقليم، وأضاف: «زرناهم رفقة المحافظ بمنطقة ود أبوك ووجدناهم بصحة ممتازة ولا وفيات أو إصابات وسطهم». وأشار إلى أنّ قوات الجيش وحلفاءها تفرض سيطرتها حالياً على المنطقتين.

وكان محافظ محافظة باو، عبد الغني دقيس خليفة، قد ذكر في بيان، أنّ الأوضاع الأمنية في محافظة باو مستقرة، وأنّ القوات العسكرية والأمنية موجودة بالمحافظة. واتهم المحافظ قوات الدعم السريع وقوات من الحركة الشعبية شمال، بقيادة القائد جوزيف توكا، بالهجوم على مناطق بمحافظته، داعياً مواطني المحافظة والإقليم إلى عدم الالتفات لما سمّاه «الشائعات والأكاذيب» التي يقف وراءها إعلام خصمه.

وأعلنت الفرقة الرابعة مشاة، عن تمكّن قوات من الفرقة مدعومة بالقوات المساندة، من استرداد منطقة السلك بإقليم النيل الأزرق، بعد عملية عسكرية وصفتها بأنها «مُحكمة»، وقالت إنها تأتي ضمن «الجهود المتواصلة لتعزيز سيطرة الدولة على كامل أراضي إقليم النيل الأزرق والقضاء على أي محاولات لزعزعة أمن المواطنين وإرهابهم».

وأكّد شهود عيان من محافظة باو لمراسل «أتَـر»، أنّ القوات المُهاجِمة عاودت الكرّة مرة أخرى، بالهجوم على منطقة «ملكن» العسكرية، وتصدَّت لها قوات الجيش وحلفاؤها. وكشفت المصادر عن أن الهجوم أتى من عدة جبهات، وصحبته مناورات من قوات الدعم السريع في منطقة «سلك» العسكرية أيضاً.

متحدّثاً لمراسل «أتَـر»، قال مصدرٌ مقيم بمنطقة ود أبوك، فضّل حجب اسمه، إنّ قوات الدعم السريع تحاول إعادة تموضعها في المنطقة، للاستفادة من الإنتاج الكبير للصمغ العربي الذي تُشتهر به المنطقة، وأنها تقع في نقطة رئيسة في الطريق الذي تمرّ به قوافل الصمغ من مناطق إنتاجها نحو رئاسة المحافظة في باو، وأخبر بارتفاع أسعار الصمغ وقيام حركة تجارية للصمغ في الشريط الحدودي مع جنوب السودان وإثيوبيا، وتحتاج إلى سلاسل إمداد، تجتهد هذه القوات في تأسيسها وحمايتها.

وأشار إلى أن النشاط الزراعي متوقف منذ سيطرة الدعم السريع على الأجزاء الغربية من إقليم النيل الأزرق، ما قد يُؤدّي إلى نتائج كارثية وتعاظم الفجوات الغذائية.

وقال خبير زراعي مقيم في المنطقة لـ«أتر»، إنه أجرى بحثاً توصَّل من خلاله إلى أنّ الحرب قد أوقفت النشاط الزراعي في 365 ألف فدان بمحافظة باو، من جملة 400 ألف فدان هي المساحة التي أجرى عليها البحث، وقال: «35 ألف فدان فقط هي التي زُرعت بعد عودة النازحين، وهي مهدّدة الآن بتوقف النشاط الزراعي فيها مرة أخرى».

وأفاد مواطنون في مدينة الدمازين حاضرة إقليم النيل الأزرق، مراسل «أتَـر»، بأنّ الحياة تسير على نحو طبيعي، وتشهد الأسواق اكتظاظاً والمؤسسات الحكومية والخدمية تعمل. بَيد أن كمال جوهر، التاجر بسوق الدمازين، قال إنهم يتابعون الأخبار الواردة من هناك ويتخوّفون من إغلاق الطرق وانقطاع وصول المحاصيل إليهم، ما يؤدّي إلى توقف نشاطهم التجاري. وعن تأثيرها عليهم قال: «هذه المناطق بعيدة من الدمازين، ولو أرادوا الوصول إلينا فسوف تواجههم عقبات كثيرة».

Scroll to Top