أتر

نوتة من علم الكونكا 31

«أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع!

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة».

من أغنية الفنانة مروة الدولية

قال رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، دونالد ترمب، صباح 3 يناير بعد ساعات من التجريدة الأمريكية على عاصمة فنزويلا كاراكاس، التجريدة التي انتهت باختطاف الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس: «شُفتَ كل شي زي في التلفزيون»، ثم أضاف: «ما شفتو السرعة كيف؟ ما شفتو الضرب كيف؟»؛ وكأنه خارج لتوّه من دور في السينما، يحدّث الجماعة بما فاتهم ودقَسوا، لكن نسي أنه هو مدير الإنتاج والمُخرج. انشرق الرئيس ترمب بهول القوة الإمبراطورية تحت يده؛ القوة التي أمطرت مواقع بعينها في العاصمة كاراكاس، مرصودة عبر أشهُر من العمليات السرية، بقنابل دقيقة التصويب دمّرت الدفاعات الجوية للعاصمة الفنزويلية في لمحة عين. ثمّ استلّت قوة خاصة من المقاتلين الرئيس مادورو وزوجته من مخدعهما عهدةً حتى بلغوا بهما النظام العدلي الأمريكي معتقَليْن لدى البوليس، تفصل بشأنهما محكمة في نيويورك، في تناغم تامّ بين المدني والاستخباراتي والعسكري والأمني والبوليسي والقضائي، لا تأتي بمثله أعتى الديكتاتوريات تحت الظروف العادية إلا استثناءً كمثل محاكمات موسكو في ثلاثينيات القرن العشرين عندما انقضّ ستالين وفئته على الجيل الشيوعي الأول من البلاشفة ففتك بهم فتكاً. 

أنهى الرئيس ترمب حديثه المغتبط بالقوّة بقوله: «شاهدت ليلة أمس واحدة من أدقّ الهجمات على السيادة»، ثمّ صحّح نفسه، فقال: «أقصد كان هجوماً من أجل العدالة». فما السيادة؟ وما العدالة؟ هاجمت الولايات المتحدة دولةً أخرى ذات سيادة لا تشكّل لها أيّ تهديد، وارتكبت سلسلةً من جرائم الحرب، كِدا بَس حُمرة عين، بغير سترٍ حتى من ذريعةٍ يمكن تسويقها، «المسوّغ» المشهور في شرعة الحروب، كما كانت العادة في عهد المحاولة الفاشلة لغزو كوبا في 1961 بدعوى محاربة خطر الشيوعية والثورة الكوبية في عامها الثاني، أو غزو العراق وإخضاعه في 2003 بدعوى حيازة النظام العراقي أسلحة للدمار الشامل. هذا فوق الإعدامات خارج إطار القانون سوى قانون الغاب – والغاب مظلوم، بل الأقرب استكبار فرعون موسى – التي تنفّذها العسكرية الأمريكية دورياً منذ سبتمبر 2025 في عرض الكاريبي بدعوى أنّ المراكب المستهدفة ومن فيها من بشر، ومنهم 115 نفساً قتلتهم النيران الأمريكية بتقدير محافظ، ضالعة في تهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة، بينما لم يستنقذ مستنقِذٌ من ركام هذه المراكب مخدّرات ولا شَمُومة. أما مادورو المختطَف فيواجه محكمة «ستالينية» إلا سِنَّتين. وقد تكرَّر تمييزه، في عريضة الاتهام الأصلية الصادرة بحقّه عام 2020 خلال رئاسة ترمب الأولى من هيئة المحلفين الكبرى في نيويورك، بأنه زعيم كارتيل للمخدرات يدعى «كارتيل الشموس»، وهو بحسب الصحافة «التفسيرية» الأمريكية تحالُف مزعوم من عناصر أمنية وعسكرية فنزويلية تعمل كشبكة تهريب وتجارة. أما خبراء الجريمة المنظمة في المنطقة فيقولون إنه «بعَّاتي» من نسج خيال الأجهزة الأمنية الأمريكية. أسقَطَت وثيقة الاتهام الجديدة التي كُشف عنها يوم 3 يناير هذا التمييز بغير تعليق، وقالت إن مادورو ومن معه من «فلول» مهرّبو مخدرات متورّطون وزعماء كارتيلات مكسيكية ومتمرّدون كولومبيون ومحترفون في عالم الجريمة الفنزويلية (توني وود، عن فنزويلا، عرض لندن للكتب، م 48، ع 1، 22 يناير 2026).

ربما وجدتَ في موقع غير متوقّع شرحاً أبهَر لخُلعة الملك دونالد من نفسِه وهو يرسل الحمَمَ من طائرات الجيش الأمريكي في سماء كاراكاس؛ الخُلعة التي يكون بها رجلٌ فانٍ، عظيمُ الجثة شديدُ النرجسية واسعُ الشهوة بذيءُ اللسان فظُّ العبارة، «أبو لولو» السماوات والأرض. تَقرأ قارئةُ الإمام الأكبر محيي الدين بن عربي في فاتحة كتابه «فصوص الحِكَم» تحت عنوان «فصّ حكمةٍ إلهية في كلمةٍ آدمية»:

«فإنّ رؤية الشيء نفسه بنفسه، ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر، يكون له كالمرآة، فإنه تظهر له نفسُه في صورةٍ يعطيها المحلَّ المنظور فيه، ممّا لم يكن يظهر له من غير وجود هذا المحلّ، ولا تجلّيه له». (محيي الدين بن عربي، «فصوص الحِكَم»، مكتبة مصر، القاهرة، 2015، ص 15). 

يكشف الإمام الأكبر في هذه الصياغة الموجزة الظاهرة، لقضيةٍ ركنٍ من قضايا الإلهيات، الشقّةَ القائمةَ بين الموجود في نفسه، أيْ كما يقوم جوهراً صمداً، والموجود لنفسه، كما يتجلّى لنفسه. ولا يكون هذا التجلّي عند كانط إلا بوسيط، «رؤيته نفسه في أمر آخر»، بعبارة الإمام الأكبر. وهو التوسّط الذي بَهْدل به هيغل فقال: لا كينونة لموجود، بل لا وجودَ جوهرياً لموجود خارج المعرفة به. والإطلاق الذي به تلهجون، «الطلاقة» في القصيدة المعروفة، ما هو سوى المعرفة المطلقة، وواسطتُها تدبُّرُ الذات في نفسها، هو الوسيلة، بعبارة قرآنية. على عُسْر هذه الصياغة، يضرب هيغل في مقدّمة «فينومينولوجيا الروح» مثلاً يضيء بيان الإمام الأكبر فيُظهر فضل هذا البيان وميزته:

«وإنْ كان الجنين فعلاً في نفسه إنساناً فهو ليس إنساناً لنفسه بعد، ولا يصير إنساناً لنفسه إلا بعقلانية التكوين والتثقيف والتهذيب التي يَصنع بها من نفسه النفسَ التي هي نفسُه، هذا جلاءُ نفسِه. وهذه النتيجة هي حالٌ تامٌّ، فهي حرّية تَعِي نفسَها وتسكن إليها، حرّية لا تتجافى عن نقيضها فتلقي به جانباً وإنما تأتلف وإيّاه» (هيغل، «فينومينولوجيا الروح»، دار جامعة كمبردج، كمبردج، 2018، ص 14).

والوسيلة بهذا المعنى لا تنفصم عن الكينونة. وعِبرة المرحوم كارل ماركس من مُطْلق هيغل ووسيلته هي استعادة «الشّقّة» التي قال بها الإمام الأكبر لكنْ كابتلاءٍ اجتماعي، ويستحقّ بيانُه، في تعقيبه الطويل على الطبعة الثانية لكتابه العمدة «رأس المال»؛ التعقيبَ الذي يردّ فيه على خصومٍ هَبّوا للتبكيت عليه ويشرح بعضاً من منهجه؛ المنهج الذي كرّس له صفحات عمره ومِحَن الأمّهات، اقتباساً ماهلاً:

«إنَّ منهجيّتي الديالكتيكية لا تختلف، من حيث الأساس، عن المنهجية الهيغلية فحسب، بل هي نقيضها المباشر. فهيغل يَعتبر أن عملية التفكير، التي جعل منها ذاتاً قائماً بنفسه، أطلق عليه اسم «الفكرة»، هي دميورغ [أُسْطَى ــ صانع] العالم الواقعي، وهذا العالم الواقعي لا يمثّل سوى الظاهرة الخارجية لتجلّي «الفكرة». أما عندي فالأمر معكوس، إذ ليس المثاليّ سوى انعكاسٍ وترجمةٍ للعالم المادّي في الدماغ البشري» (كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 38). فكرة بتاع فنيلتك! 

لكنْ، اختار المرحوم من القاموس الإغريقي التليد لفظة «دميورغ» وتعني حِرْفي، صنايعي، أُسْطَى، اللفظة التي جنَّد أفلاطون في «محاورة طيماوس»، إحدى محاوراته التي خصَّصَها لنشأة الكون والطبيعة، لتمييز إلهٍ من الدرجة الثانية، موجودٍ عقلانيّ رحيمٍ فطَرَ الكون بفَرْض نظامٍ وخطّةٍ على ما كان مادّةً ناشزةً، واتَّبَع في ذلك خطةً محكمةً قائمة في الأزل:

«عندما صنَع الصانع العالم، فأيّ النماذج كانت في رؤيته: هل كان لديه النموذج اللامتغيّر، أو ذلك النموذج المُبدَع؟ إذا كان العالم جميلاً حقاً والصانع خيراً، فذلك واضح، إذ يجب أنّه اهتمّ بذلك الأزلي؛ لكن إذا كان الذي لا يُستطاع قوله بدون تجديف حقيقياً، فإنّه اهتمّ بالمثال المخلوق عندئذ، سيَرى كلّ شخص لزومَ أنه اهتمّ بالنموذج الأزلي، لأن العالَم هو أجمل المخلوقات، وهو أفضل الأسباب. وكون هذا العالم مُبدَعاً بهذه الطريقة، فإنه قد صِيغ في شبهٍ لذلك الذي يكون مدركاً بالاستنتاج المنطقيّ والعقل ولا يكون متغيّراً، ويجب أن يكون لهذا السبب بالضرورة. وإذا تم الاعتراف بما نقول، ينبغي أن يكون نسخةً عن شيء ما. وبعد فإنّه لمن الأهمية بمكانٍ وجوب أن تكون بداية كلُّ شيءٍ وفقاً للطبيعة» (أفلاطون، «المحاورات الكاملة»، م 5، تعريب شوقي داؤود تمراز، الأهلية للنشر والتوزيع، بيروت، 1994، ص 412-413).

وتجد القارئةُ معنى هذه الصناعة، من مادة قائمة استخرجها المرحوم كارل ماركس من القاموس الإغريقي، في شرح ابن عباس برواية سفيان الثوري: «كنتُ لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئرٍ، فقال أحدهما أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها». (ابن كثير، «تفسير القرآن العظيم»، م 6، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998، ص 471). 

على كلّ حال، لم يَقبل المرحوم كارل ماركس من هيغل بينونة «الفكرة» على «الواقعة»:

«لقد انتقدتُ الجانب الصوفيّ [وربما كان الأوفق تعريبها بالغنوصي] من ديالكتيك هيغل قبل زهاء ثلاثين عاماً؛ يوم كان يمثّل الموضة السائدة. ولكنْ بينما كنتُ أعمل في المجلد الأول من «رأس المال»، راق لأنصاف المثقّفين، المتغطرسين، التافهين، المشاكسين، الذي لهم الكلمة العليا اليومَ بين متعلِّمي ألمانيا، أن يعامِلوا هيغل معاملة موسى مندلسون الشجاع لسبينوزا في عهد ليسنغ، أي يعاملوه مثل «كلب ميت». لذلك أعلنتُ نفسي جهاراً تلميذاً لذلك المفكّر الجبّار، بل عمدتُ في هذا الموضع أو ذاك من الفصل الخاص بنظرية القيمة، إلى مغازلة أسلوبه الخاصّ في التعبير. وعلى الرغم من أنّ الديالكتيك قد عانى على يد هيغل من الصوفية [الغنوصية]، فإنّ ذلك لم يَمنع هيغل من أن يكون أول من عرَض الأشكال العامّة لحركة الديالكتيك بأسلوب شامل وواع. الديالكتيك عند هيغل يقف على رأسه. فينبغي أن يوقفه المرء على قدميه ليكشف النواة العقلانية داخل القشرة الصوفية [الغنوصية]». 

ربما وَسَعَ القارئة أن تأخذ من إعلان المرحوم كارل ماركس انحيازَه لأستاذه، بخلاف الصورة الشهيرة للديالكتيك «قالِبْ هُوبه»، هذا البِرّ بعالِم مكين وقد وقع فريسة لذئاب من «أنصاف المثقّفين، المتغطرسين، التافهين، المشاكسين». والمرحوم شَتَّامٌ متى استفزّه المستفزّون. يدخل المرحوم بالديالكتيك التاريخ تووش:

«لقد أصبح الديالكتيك في شكله الصوفيّ [الغنوصي]، موضة ألمانية، لأنه بدا وكأنه يمجّد ما هو قائم. أما في شكله العقلاني فهو شيء فاضح بغيض في نظر البرجوازية ومفكّريها النظريين، لأنه ينطوي على فهمٍ إيجابيّ لما هو قائم، ونفيٍ لهذا الوضع القائم وانهياره المحتوم في آن واحد؛ لأنّ هذا الديالكتيك يرى الأشكال القائمة من منظور الحركة المتدفّقة، أي من جانبها الزائل أيضاً، لأنه غير هيّاب، ولأنه في جوهري نقديّ وثوري» (كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي»، المجلد الأول، تعريب فالح عبد الجبار، دار الفارابي، بيروت، 2013، ص 38).

فالديالكتيك بهذا التصوّر إمساك بالتناقض وقد انفلق؛ «يُخرج الحيَّ من الميت ويُخرج الميت من الحيّ ويُحيي الأرض َبعد موتها وكذلك تُخرَجون» (الروم: 19).

عليه، مفتاح تشريح «أبو لولو» هو تشريح الملك دونالد، الإنفلونسر الأول، ورباطهما في الأيديولوجيا؛ الشقّة ما بين رؤية الشيء نفسه بنفسه ورؤيته نفسه في أمر آخر، معقودٌ بالوثنية الجديدة التي شرح الدكتور مبيبمي فماذا قال؟ 

يُتبع…

Scroll to Top