تنهمك السيدة بتول بحي الداخلة العطبراوي العريق في جمع الذرة المطحونة والتوابل بأشكالها المختلفة لتُشكّل بها عجينة، ثم تضعها على «صاج» فوق نار هادئة، لتنبعث منها رائحة مميّزة يعشقها كلّ سوداني، تتسرّب من منزلها فتمتدّ نحو البيوت المجاورة وتنساب إلى شوارع الحي، علامةً لمنتج سوداني خالص يُنتَج بشروط سودانية كاملة: الآبْرِي، ويُسمَّى أيضاً «الحِلومُر».
وبينما يجري كلّ ذلك، تنتظره ولاء عثمان خالد، 40 سنة، في العاصمة المصرية، حيث ألجأتها حرب 15 أبريل للنزوح من منزلها بقرية العزَازة بولاية الجزيرة، وهي لا تزال تحتفظ برائحة الآبري، في مستقرّ ذاكرتها، كشيء عزيز يحملها إلى عيون وطنها؛ فما إن تجد الآبري، بأي شكلٍ، على أرفف المتاجر السودانية بالقاهرة أو في إعلان بموقع التواصل الاجتماعي، أو عند نسوة يبعنه في منازلهن ضمن سلع سودانية أخرى، حتى تشتريه ولاء قبل غيرها، فرمضان على الأبواب، ولا يَكتسب رمضان عند ولاء كامل سودانيّته إلا بعصير الآبري البارد، كما قالت لمراسل «أتَـر».
وتنتظره أيضاً سهى خالد، 46 عاماً، التي مضت في رحلة نزوح طويلة عقب الحرب، واستقرّت الآن في لندن بالمملكة المتحدة. تخبر سهى مراسل «أتَـر» أنها تشتري المنتجات السودانية، وخصوصاً الآبري والويكة والدكوة، لأنها تذكّرها بالسودان. وتقول: «أحبّ كلّ شيء من بلدي حتى ولو كان طعماً أو نكهة»، ثم تردف قائلة: «أشتري بدافع الحنين إلى وطني». وتصف سهى إحساسها عند ذهابها إلى السوق أو الاتصال بمسوِّق إلكتروني لشراء مستلزمات رمضان قائلة: «لا أشتري سلعاً، إنما صكوك انتماء»، وتشير إلى أنها حين تلمس أكياس الكركدي والتبلدي، فإنها «تُحسّ وكأنها تصافح أهلاً غائبين».
سافرتُ كثيراً وعشت كثيراً خارج السودان، فكان الآبري في الغربة هو المحاولة المستميتة لإقناع القلب بأنّ المسافات محض وهم، وأنّ أيّاً من مدن السودان لا تزال تسكن في قاع هذا الكوب.
«للآبري في الغربة هيبة خاصة، فهو ليس محض مشروب، إنما هو شيء من الوطن»، هكذا تقول سهى، وتُضيف أنها ما إنْ تفتح العبوّة حتى تباغتها رائحة «الزرِّيعة» والقرفة والزنجبيل، تلك الرائحة التي تملأ أزقة القرى والمدن في السودان قبل رمضان بأسابيع، تجدها الآن محبوسة في كيس بلاستيكي أو من الورق المصقول، بعيداً عن مصدرها بآلاف الأميال. وتزيد سهى: «عندما أفتح الكيس، فإنني أشتمّ رائحة الآبري المميّزة فأتذكّر اللمّة حول الصاج، وصوت الضحكات، ودخان العُوَاسة الذي يَصبغ الثياب برائحته. شراء الآبري هو إعلان رسميّ بأن رمضاننا بخير. ورغم الصقيع والغربة أو اختلاف التوقيت، يظلّ طعم الآبري هو الحقيقة الوحيدة التي تربطنا ببلدنا».
وذكرت سهى، وهي تبتسم، أنّ أحد أبنائها يُسمّي الآبري: «طعم السودان». ورغم ذلك فهي تشعر «بغصّة» لكونها ستشرب هذا العصير بعيداً عن برش العائلة الكبير، وبعيداً عن جاراتها اللائي كُنَّ يتبادلن «الصُّحانة» معها قبل الأذان بدقائق. وختمت حديثها قائلة: «سافرتُ كثيراً وعشت كثيراً خارج السودان، فكان الآبري في الغربة هو المحاولة المستميتة لإقناع القلب بأنّ المسافات محض وهم، وأنّ أيّاً من مدن السودان لا تزال تسكن في قاع هذا الكوب».
تصوير عفراء عبدالعظيم
إحساس ولاء وسهى، وشوقهما لشيء عزيز من السودان، التقطه محمد محمود، رجل الأعمال السوداني المُقيم بمدينة «جدة» بالمملكة العربية السعودية، وقد أتاها نازحاً بسبب الحرب. يَجتهد محمود في سَحْن «الطرَقة» أو «الحَرِف» كما يَتعارف عليها السودانيون من الآبري، ليخرج منها «بودرة» تُعبأ في عبوات اقتصادية، تربط مشتريها بالسودان. ويسعى محمود ضمن ما يسعى إلى أن ينتاب من يَشتري منه الآبري إحساسٌ يُذكّره بتلك الأيادي التي امتهنت صناعته لسنين طوال، في عطبرة أو شندي، أو كادُقلي أو الدمازين.
كان محمود يسكن في الخرطوم التي عاد إليها بعد هجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، دامت لثلاث عشرة سنةً. يروي لمراسل «أتَـر» كيف بدأت قصته مع سحن وتعبئة الآبري: «كنت مُستقرّاً بالخرطوم، وكان لديّ محل تجاري لبيع عصير الليمون، وانتقلت بعد الحرب إلى مدينة بورتسودان، نازحاً، وبدأتُ في بيع المنتجات السودانية، مثل الدكوة وزيت السمسم وغيرها. وقد أكسبتني رحلة اغترابي واحتكاكي مع الأمريكيين اهتماماً بقضايا التسويق والجودة، والابتكار»، وهي مُقوّمات أساسية يَفتقدها السوق في السودان، بحسب محمود. ويشير إلى تزامُن تبلور فكرته مع اقتراب شهر رمضان قائلاً: «بدأت التفكير، في منتج سوداني خالص، جديد نوعاً ما، ومن هنا طرأت لي فكرة بودرة الآبري». وينوه محمود إلى أن الفكرة نفسها ليست جديدة، فهناك مُنتجات تُطحن وتُغلّف وتُباع، بَيد أن سحن وتعبئة الآبري ابتكار جديد. ويمضي قائلاً: «في السابق كان الآبري يُرسَل من السودان إلى السودانيين بالخارج، ولكن ظروف الحرب حالت دون ذلك».
استغرق تنفيذ الفكرة وقتاً طويلاً في التجارب والتطوير، بالاستعانة بأفراد من الأسرة والأصدقاء. ويقول إنّ ما يميّز تجربته أنه عمد إلى سَحْن «طرَقة» الآبري، وتغليفها بدون أي إضافات أخرى، وأشار إلى أنّ الكيلو الواحد من بودرة الآبري يحتاج إلى سَحْن «9 طرَقات». ويعرض محمود المنتج حالياً في 3 عبوات، هي ربع كيلو ونصف كيلو وكيلو، لتُناسِب الظروف الاقتصادية للسودانيين بالخارج. ونوه إلى أنّ إعداد العصير من بودرة الآبري أمر يَسير، ويَجري بسرعة تُناسب إيقاع الحياة خارج السودان، فبعد إضافة الماء إلى المقدار الملائم من البودرة، تكفي 30 دقيقة لاستخلاص المحلول طيب النكهة والمذاق وتصفيته، وبعد ذلك يمكن إضافة السكّر وتبريده في الثلاجة أو بإضافة الثلج لتقديمه عصيراً.
وعن تسويق المنتج في الخارج، يقول محمود إنه جرّب تسويقه في القاهرة أولاً، رغم أنه يفتقر إلى علاقات مُباشرة بها، لكنه اعتمد على أصدقاء ومُسوّقين سودانيين هناك وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، وكانت النتائج مذهلة. يشرح محمد محمود لمراسل «أتَـر» قائلاً: «لم يُكلّفني المشروع رأس مالٍ كبيراً، وتطوَّر بسهولة، وحالياً أبيع منتَجي عبر وسائط التواصل الاجتماعي وفي متجرٍ بالقاهرة، ومنها أشحن إلى دول الخليج وأوروبا وأمريكا». ثم أضاف: «هذه فكرة وليدة وتحتاج إلى صبر».
ويشرح محمود الصعوبات التي واجهته، ومنها أنّ بعض السودانيين والسودانيات كانوا يُنتجون الآبري ويبيعونه سلفاً في مصر، لكنه ليس بجودة الذي يُنتَج في السودان، أما هو فيجلبه من السودان مُباشرة، حيث تعدّه له شقيقته في عطبرة، وقال: «الآبري الذي يُنتَج في السودان يُصنَع بمعرفة ووعي وذوق سوداني خالص». ونوه إلى أنه عرف لاحقاً أنّ سودانياً في تركيا بدأ بتنفيذ هذه الفكرة، لكن ليس بطريقته، وأنه لم ينجح لأن عمله كان موسمياً، بحسب محمود الذي يخطط الآن، لجعل بودرة الآبري متاحة للسودانيين في مهاجرهم طوال العام، وبصورة مستديمة ليكون المنتج مشروباً سودانياً لا يرتبط برمضان فقط، وتقديمه للضيوف في أي زمان.
ويضيف قائلاً: «أتمنى أن يتبنّى الآخرون فكرتي لأن ذلك يساعد على انتشارها، ويخلق منافسة، ويُعرِّف العالم بمنتَج سوداني فريد». وعن منتجه في السوق العالمي يقول: «بالطبع يستغرق الوصول إلى السوق العالمي وقتاً ومقوّمات كثيرة أعمل عليها الآن، والجودة هي المقياس لأنّ الزبون يأتي لك بزبون آخر، والالتزام الأخلاقي أمر أساسي. لا يمكن إهمال هذه النواحي المهمة عند السعي إلى الربح، فإنك ربما تهملها وتحقّق ربحاً الآن، لكنك في النهاية ستخسر الزبائن».
ويفكّر محمود في إنشاء مصنع لإنتاج الآبري طوال العام، بَيد أنّ الظروف الحالية، التي يتمنّى زوالها قريباً، تقف حجر عثرة أمام تنفيذ مشروعه، وقال: «ما زلت أحلم بمصنع للآبري أصدّر منه إلى الخارج طوال العام».
لئن كانت ولاء وسهى تشتريان المنتجات السودانية في مهجريهما بدافع الحنين إلى «طعم السودان»، فإنّ دفع الله عبد الوهاب، 44 عاماً، وهو مقيم بالرياض بالمملكة العربية السعودية، قد اتخذ منحىً مخالفاً. يقول دفع الله إنّ التجار الذين يجلبون المنتجات السودانية يستغلّون حالة الحنين للوطن لدى السودانيين، فيرفعون أسعار السلع إلى مبالغ فلكية، ما دفعه إلى الكفّ عن شراء المنتجات السودانية: «يمكنني، بسعر كيلو الآبري، أن أشتري فواكه متعددة الأصناف تكفيني لأسبوع». ويوضح أنه تجاوز حالة الحنين إلى المأكولات السودانية، لأن تكلفتها باتت عالية، وأنه أصبح يأكل أطعمة البلد الذي يقيم فيه لقلة التكاليف.
تطوَّر هذا السوق على نحو مذهل في السنوات الأخيرة، إذ ساعدت التكنولوجيا الحديثة في ازدهاره، ويسّرت عمليات العرض والبيع.
ويعلّل محمد محمود ارتفاع أسعار المنتجات السودانية في الخارج بارتفاع تكاليف إعادة التصنيع والشحن، والضرائب المفروضة على التجارة الخارجية، التي ينتقدها، ويكشف عن نيته إنشاء مصنع لإنتاج الآبري في الخارج لتقليل التكلفة العالية.
ومع اقتراب الشهر الكريم هذه الأيام، إذ ينشط سوق احتياجات رمضان، تدرك سماهر سيف الدين، 27 سنة، ما تشعر به ولاء وسهى وغيرهما من السودانيات والسودانيين في مختلف المهاجر. تقول سماهر، وهي تعمل في مجال التسويق الإلكتروني لمنتجات سودانية بالإمارات، إنها والجهات التي تعمل لمصلحتها ينظرون إلى تجارة منتجات رمضان بأنها «شريان حياة عاطفي وجسر ثقافي يربط المهاجرين واللاجئين ببلدهم»، أكثر من كونها محض «نشاط تجاري». وتقول: «تطوَّر هذا السوق على نحو مذهل في السنوات الأخيرة، إذ ساعدت التكنولوجيا الحديثة في ازدهاره، ويسّرت عمليات العرض والبيع».
سماهر التي أطلقت على سوق منتجات رمضان بالخارج اسم «سوق الحنين»، تقول لمراسل «أتَـر» إنّ هذا السوق لا يبيع سلعاً، فقط إنما يبيع «ذاكرة» وأردفت: «يدرك التاجر الذكي في الخارج أنّ السوداني لا يشتري الآبري لذاته فقط، إنما يشتري الشعور الذي يرافقه». ونوهت لانتقال هذا السوق من الاعتماد على «الشنطة» أو «الكرتونة» التي كان يحملها المسافر من السودان للخارج، إلى تجارة منظمة، إذ أنشئت شركات شحن متخصّصة في نقل «مستلزمات رمضان» من بورتسودان وحلفا إلى القاهرة أو دبي أو لندن أو واشنطن أو الرياض، وأضافت: «حتى الآبري أصبح يُصنّع في مطابخ مركزية بالخارج ويُغلّف بطريقة احترافية».
وينظر الخبير الاقتصادي والمتخصّص في شؤون الأسواق محمد جمال الدين، إلى أنّ مستقبل سوق منتجات رمضان السودانية بالخارج يمرّ الآن بمنعطف تاريخي؛ فبينما تسبّبت الظروف الصعبة في الداخل، خاصة بعد اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023 في تحديات كبيرة في سلاسل التوريد، إلا أنّها خلقت في المقابل انفجاراً في العرض والطلب في دول المهجر.
ويقول جمال الدين في حديثه لمراسل «أتَـر»، إنّ السوق قد شهد في العامين الأخيرين تحوّلاً كبيراً؛ فبدلاً من انتظار وصول الآبري والبهارات من السودان، بدأت الجاليات الكبيرة في مصر والسعودية والإمارات وتركيا في إنشاء مطابخ مركزية ومعامل تصنيع محلية. وقال: «ربما مستقبلاً، إنْ تطاوَل أمد اللجوء مزيداً، سيصبح الإنتاج محلياً في دول الاغتراب بمعايير جودة عالمية، مع الحفاظ على النفَس السوداني».
هل سيحتفظ الآبري المصنوع في القاهرة بنفس طعم «عُوَاسة» الحطب في أم درمان، أو مدني؟ هذا هو التحدي الذي يواجه المُنتجين الجدد.
ويشير إلى أنّ المستقبل في هذ السوق لن يكون لمحلّ «البقالة» الصغير عند زاوية الشارع فحسب، بل للمنصّات المتخصصة والتطبيقات الذكية، ويضيف قائلاً: «سنرى تطبيقات توفّر سلة رمضان السودانية متكاملة، حلو مر، كركدي، تبلدي، طحين عصيدة، تُوصل إلى المنزل بتغليف عصري». ويشير إلى ميزة نسبية تُميّز هذه المنتجات السودانية وهي أنها «عضوية». وشدَّد على أنّ المستقبل سيشهد إعادة تقديم الآبري والصمغ العربي والكركدي باعتبارها منتجات صحية فاخرة تنافس في الرفوف العالمية وليس فقط على أرفف المنتجات العربية. وتوقّع أن يختفي الكيس البلاستيكي التقليدي ليحلّ محلّه تغليف يحفظ الرائحة ويحمل قصة المنتج لجذب جيل الشباب والجمهور غير السوداني أيضاً.
بَيد أنه عاد وقال، على الرغم من نبرته المتفائلة، إنّ هناك عقبات يجب الانتباه لها، مثل ما سمّاه «صراع الأصالة». وتساءل ما إذا كان «الآبري المصنوع في القاهرة سيحتفظ بنفس طعم «عُوَاسة» الحطب في أم درمان، أو مدني»، وقال: «هذا هو التحدي الذي يواجه المُنتجين الجدد».
وأشار إلى أنه مع زيادة أسعار المواد الخام وارتفاع تكلفة الشحن عالمياً، فقد يصبح الآبري منتَجاً مكلفاً جداً، ما قد يدفع البعض إلى البحث عن بدائل أرخص لكنها أقلّ جودة. وتوقَّع أن يتحوَّل سوق رمضان السوداني بالخارج من سوقٍ لسدّ حاجة المهاجرين إلى سوق لتصدير الثقافة. وقال: «قد نجد قريباً مشروبات سودانية جاهزة للشرب في ثلاجات المتاجر الكبرى في أوروبا وأمريكا، مصنّعة بأيدٍ سودانية مهاجرة».



