«أعرفي مقام نفسِك براك
ما تسألي الزول المعاك
…
تباشي كلبة ميتة
كلبة ميتة، كلبة ميتة
جنوبيين نار الضَّلِع
علي تباشي في الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
انت ساكن الكُوْنِكا
بِسْ!
حميدتي نار الضَّلِع!
الساكن جبرة نار الضَّلِع!
في المخدّة».
من أغنية الفنانة مروة الدولية
صرَّح الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي (مواليد 1957) في مقابلة صحفية عام 2008 أنّ الكاثوليكية ساعدته على تفادي الماركسية، مضيفاً أنّ الماركسية لطالما بدَت له فقيرة روحياً، ولم تهتمّ بما يكفي بالبعد الروحي للوجود الإنساني. وربما أبعد النجعةَ وظلَم، فقد ألهمت الماركسية، بخاصة خارج الجغرافية الثقافية الأوروبية، نمطاً من النضالية لا يقوم سوى بروحيّةٍ غير، يتحرَّر بها الفرد من ضيق الذرائعية، الأيديولوجية التلقائية تحت الرأسمالية، إلى السُّنن التي زكَّى المرحوم صلاح أحمد إبراهيم (مواليد 1933) لنفسه وزمالته في «نحن والرَّدَى»:
هذه أعمالُنا مَرقُومةٌ بالنور في ظهر مطايا
عبرَتْ دنيا لأخرى
تَستَبْق
نفذَ الرّملُ على أعمارنا إلا بقايا
تنتهي عمراً فعمرا
وهي نَـدٌّ يحترقْ
ما انحنَتْ قاماتُنا من حَمْل أثقال الرّزايا
فلَنَا في حَلَكِ الأهوالِ مَسرى
وطُرُقْ
فإذا جاء الرَّدى كشَّر وجهاً مكفهرّا
عارضاً فينا بسيفٍ دمويٍّ ودَرَقْ
ومُغِيرا
بَيَدٍ تحصدُنا، لم نُبدِ للموتِ ارتعاداً أو فَرَقْ
نتركُ الدّنيا وفي ذاكرةِ الدنيا لنا ذِكرٌ وذِكرى
من فِعَالٍ وخُلُقْ
ولنا إرثٌ من الحكمةِ والحلمِ وحبِّ الكادحين
وولاءٌ، حينما يكذبُ أهليه الأمين
ولنا في خدمة الشَّعب عَرَق.
ربما جادلَتْ مُجادِلةٌ أنّ مثل عُمْلة المرحوم صلاح أحمد إبراهيم لا تسير في معنى التساؤل عن شمول الماركسية للبعد الروحي للإنسان، فلا ماركسيّته هي «الماركسية» المعرَّفة بالألف واللام، ولا مثل شِعره يقوم دليلاً على مقولةٍ من الماركسية أو من غيرها، فهو من جنس الخيال الذي يرتاد الثريّا.
حَكَم الدكتور مبيمبي على نصوصٍ ماركسية ربما، لكن غابت عنه الحركات الاجتماعية التي قامت بوحي من الماركسية مقترنةً والحُمّى الراديكالية التي انطلقت في المستعمرات في عقابيل الحرب العالمية الثانية؛ الحُمّى التي جاءت بمثل روحية المرحوم صلاح أحمد إبراهيم. بصياغة أخرى أهمل «الثقافة» التي نهلت من الماركسية هُجنةً ولم تقتصر عليها.
ليس الدكتور مبيمبي من ذلك الجيل الراديكالي، إنما هو من الجيل الذي نشأ ودولة الاستعمار ساقطة، ليشهد سيرةً من التدهور تحت عنوان «ما بعد الاستعمار»؛ التدهور الذي يمرّ بمحطة «ملعون أبوكي بلد». جاء مبيمبي بتصوّرٍ لفلسفة هذا التدهور في كتابه العُمدة «حول ما بعد الاستعمار» (دار جامعة كاليفورنيا، بيركلي، 2001). قال الدكتور مبيمبي لمحدِّثته إيزابيل هوفماير إنه كتب معظم مادة مقالاته الستة المكوِّنة للكتاب في أول تسعينيات القرن الماضي «وقد بدأ الظلّ الطويل للماركسية الأفريقية في الانسحاب»، ما إن انهار الاتحاد السوڤييتي. بدا له وقتها أنّ دراسة أفريقيا عَرْكَسَت، وتاهت من ثمّ بغير منهج. وأضاف أنه وجد الإلهام للخروج من وهدة العلوم الاجتماعية، وقد أسقطت الماركسية التي كانت لها قواماً، في أنماط جديدة من الإبداعية، في الموسيقى والأدب والرسم والموضة والرقص، تحقّقت فيها صيغة من المصالحة بين الهُويّة الإفريقية وتصوّر ناشئ للمواطنة العالمية.
شرح الدكتور مبيمبي أنه، وهو طالب دكتوراة في باريس، وجد الإلهامَ في موسيقى الفنان النيجيري فيلا كوتي وجنس الموسيقى الكونغولية التي قال إنه عثر فيها على شهادة على الحاضر، ذاكرة اجتماعية للّحظة. وأضاف من مَعين شاعريّته أنها، كتجربة تعبيرية، دراما عظيمة للتحقّق؛ تحقّق الذات الأفريقية، فهي التي علّمَته «التفكير بالحواس البدنية، والكتابة بلحن اللحم الحي». إلى ذلك، قال الدكتور مبيمبي إنّ مصدره الثاني كان الرواية الأفريقية، وبالأخصّ الرواية الفرانكفونية التي كانت تدقّ الطبول لسقوط المشروع الوطني ولزَعْم دولة ما بعد الاستقلال في أفريقيا أنها الأب الراعي، ونبَّهت فوق ذلك إلى أنّ قوىً جديدة تطلّ برأسها في الأفق؛ قوى لا تعبير عنها في النحو المعتاد للدولة.
ذكر الدكتور مبيمبي، ممّن استلهم أدبَهم، الكاتبَ الكنغولي من روّاد الرواية الأفريقية الجديدة سوني لابو تانسي (1947-1995)، صاحب «ناس ما ناس» (دار نشر ماريون بويارز، لندن/ نيويورك، 1990 [1983])، فنَسَب له الفضل في تعليمه «الانفتاح نحو التَّماس وما يُعجِزنا تعريفه ووصفه على وجه التحديد أو الاتفاق على ماهيته حيث تعوزنا الكلمات اللازمة لتسميته فنظلّ نحاول اختراع اسم له» و«تأجيل التوافق حتى يمكن تضمين أسئلة جديدة» و«ضرورة توسيع «القاموس» لتحقيق أيّما اكتشاف أو تفكير جديد». انتهى الدكتور مبيمبي إلى أنّ الكتابة الجديدة لمثل سوني لابو تانسي نجحت حيث فشلت العلوم الاجتماعية في صياغة قضايا جديدة واختراع مفاهيم جديدة بما في ذلك من تبعات ثقافية وسياسية وجمالية. وقال إن هدفه كان علماً اجتماعياً بأفريقيا يشتغل عبر الآداب والفنون وضدّها، وقد تخلّى عن عقيدة «النموّ» و«التقدّم» يميناً ويساراً (أشيل مبيبمي في حوار مع إيزابيل هوفماير، المجلة التاريخية الجنوب أفريقية، م 56، ع 1، 2006، ص 177-187). لكنْ ما هو هذا الذي يُعجِز الوصف، الذي لا اسمَ له في النحو المعتاد، الذي يَدور ولا يُلتقَط سوى بحاسّة الأدب، الذي يتسرّب بين أنامل العلوم الاجتماعية المرتعشة وقد انكبَّت على وجهها بغير هُدىً ولا كتابٍ منيرٍ من صنف الماركسية التي قال مبيمبي حصَّنته الكاثوليكية ضدّ روحيتها المجهولة لديه، ما هو؟ «سرّ غامضْ، ما قِدِرْت أحله»!
تنبئ رواية سوني لابو تانسي عن بعض هذا الاجتماع الذي انفلَت من عقال دولة ما بعد الاستعمار فلا تحيط به، وحبكتُها من جنس أدب فرانس كافكا، لكنْ في حضر أفريقي. بطل الرواية نيتو دادو شخصية محترمة في الكونغو زائير، مواطن مثالي متزوّج وأبُ لولدين يعمل مديراً لكلية تدريب للمعلمات ذات شأن، حقّق قدراً من الرفاه والاستقرار بما ذلك عربية صالون يقودها سائق محترف، كثير المآثر نادر المثالب، عيبُه الوحيد الظاهر بشهادة المعلّمين في الكلية شغفه بكلمة «موش» التي تعني «شين» في نعت شخصٍ ما و«عولاق» في نعت موقفٍ ما.
على كلّ حال، تنفكّ جبيرة حياة المدير نيتو دادو بغواية طالبة الكلية يافلده وأختها يلدارا، فاتنتان تتنافسان على إغرائه لهواً منهما في ترف حضري، يراقص يافلده التي شُغِف بها في حفلٍ يعرف سلفاً أنها بين حضوره، ويراقص أختها يلدارا أيضاً ويسكر حتى يُفرغ ما في جوفه من الشهوة والطرب. ينقلب حاله بهذه الغواية فيفرط في الشرب ويعتاد ارتياد الحانات في ليالٍ شقيّة، حيث يزداد خباله خبالاً بما يسقيه النادل من مزاج الخمر وألوانه، ويقاوم في كلّ ذلك هوى يافلده فلا يقرب حرمها، لكنْ يهمل شغله وتتدهور سلطته. بل تبلغ الظنون مبلغاً عظيماً حين تصطدم يافلده ومعلّم في الكلية فتؤذيه بعبارات نابية، فيعرض المعلّم المسألة على المدير نيتو دادو يطلب الإنصاف بطرد يافلده من الكلية بالمرة. يتلعثم المدير نيتو دادو ثمّ يحاول إقناع المعلم بترك المسألة، فيردّ عليه المعلم أنّ تفسير هذا الموقف ليس سوى ما تمتَّع به من يافلده، أو كما قال. تزداد التهمة كثافةً بموت يافلده، إما منتحرةً أو بإجهاض مرتبك، وهي التي انفرطت آزرتُها هي الأخرى وحملت في ساعة لهو من شخص عابر، خاصة وقد تركت رسالة قصيرة تقول إنّ نيتو دادو هو صاحب الأمر؛ أجبرها على الإجهاض الذي صار موتاً.
لا يستطيع نيتو دادو فكاكاً من هذه الحلقة الجهنمية، وهو البريء خلا من شهوة لم يُشبعها. يَقلب له المجتمع المحيط به ظَهر المجنّ ويُطارده البوليس، يهاجم حشدٌ غاضبٌ دارَه فيفتك بولديه حتى الموت، وتنتحر زوجته، ثمّ تقبض عليه السُّلطات وترمي به مَلوماً مدحوراً في سجنٍ خربٍ، يُحيط به التخثّرُ وحشدٌ من المثقّفين المعارضين الفاشلين. لا يجد نيتو دادو في هذه المحنة من يساعده سوى يلدارا، أخت يافلده، لكنْ يَحُول بينها وإنقاذه ترَقِّي والدها المكلوم بموت ابنته الأخرى في سلّم السُّلطة الحكومية، وقد عقَد أمرَه على الانتقام من نيتو دادو بعذابٍ لا ينتهي. يقضي نيتو دادو أربعة أعوام في محبسه فتنعقد بينه وقائم السجن صداقة تطيح بحظوظ الأخير المهنية حين يتآمَر على إفلات نيتو دادو فيدفع الثمن غالياً. أما دادو فتَحُول الظروف السياسية بينه والبقاء في الكونغو، ويهرب عبر الحدود إلى أنغولا بعونٍ من يلدارا التي تتعقب أثره حتى يجتمعا في قرية صيادين على شاطئ نهر الكونغو في مساره الأنغولي.
تنتقل الرواية حينئذ من الترف الشهوانيّ للمدينة، بمقاهيها ومطاعمها ومراقصها ولقاءاتها الجنسية العابرة، إلى شظف ريفيّ قاس يتعقّب فيه جنودُ الحكومة متمرّدين لا تُستأصَل شَأفتهم أبداً. يحرس القرويّون أنفسَهم والقليل الذي عندهم بمزيجٍ من الحكمة التليدة والأسحار والتعاويذ، تُعِين على فعاليتها نساءٌ لا يملكن سوى زينتهنّ بتسليع فروجهنّ لهذا القائد وذاك في سبيل الأذونات اللازمة لعبور هذا التفتيش وبلوغ ذلك السوق. والرواية بهذا المعنى شبكة قاسية من الشبهات، الغشّ والتدليس والعذاب، فسقوط نيتو دادو جاء على يد فتاة غشيمة وشهوة الخمر، لكنه يعيش في عالم لا منجاة من كوارثه.
لا يستطيع حتى الكاتب سوني لابو تانسي أن يحشد مادّته نحو مركزٍ للرواية، فهي تسيل وتنقطع، تتكاثف صورها وتتلبّد ثمّ تُمسِك فلا تمطر، ويُغِير على القارئة من حينٍ إلى آخر برأي خالٍ من الإعراب: «تعرف يا صاح، سيَكرَهُ أطفالُنا، خلال عشرة وعشرين عاماً من الآن، عسكرَ الحكومة كما كنّا نكره المستعمِرين، وحينها سيبدأ التحرّر من الاستعمار مرةً أخرى. أهمّ ثورة، الثورة الأولى هي استبدال الجندي بالقلب والعقل، لو صار هذا ممكناً فليس ثمّة نهاية».
عنوان الدكتور مبيمبي لهذه الحال في كتابه «حول ما بعد الاستعمار» هو الاجتماع تحت رايات «الحكم الخاص غير المباشر». ويَقصد به خصخصة العنف بين مراكزَ للقوّة والنفوذ، كمطابق لتفكيك الاقتصاد الوطني، بجبر «الإصلاحات الهيكلية» المشهورة بحيث تتنافس مراكزُ القوى على تحصيل ما يمكن تحصيله من فوائد يُنفقونها على ترف حضريّ أخرق. وينشأ في هذه «الكُوْنِكا» اقتصادُ ظلٍّ كريهٌ تحاول فيه عناصر من البوليس والجمارك والجيش والمتمرّدين المحترفين والمغامرين وقادة المليشيات الخاصة، وكلُّ مُستطيعٍ، قبضَ العوائد عبر التجارة «البوكو»، في المخدرات والعُملة المزوَّرة والسلاح ووثائق الهوية والإعفاءات الجمركية وكلّما تيسَّر، فهذا هو المتاح. وقد أطاح التدهور بأيّ قوام يُعتدّ به للأجر تلقاءَ العمل، بل حتى لعائدِ المحسوبية في مقابل الولاء والخدمة، بل اتّصلت هذه الشبكات المحلية بأخرى دولية من الوُسَطاء ورجال الأعمال والمهرّبين.
وعبرة الدكتور مبيمبي أنّ نموذج الدولة القُطرية الموروث، بمركزه الواحد، وتمايُز مؤسَّساته، وعلاقات السلطة الأفقية فيه، وسلطانه الجغرافيّ ثمّ احتكاره العنف الشرعي وجَمْع الضرائب المعتمدة، قد بات مهدّداً. وانكسرت الحدود التي خلّفها الاستعمار محيطةً بجغرافيا معلومةٍ للدولة؛ ليس فقط في معنى انتشار الحركات الانفصالية والتفكّك إلى مكونات معلومة على سكّة يوغوسلافيا السابقة، وإنما بدفعٍ من فتنة الهويّة، وتدافُع الذاتية المحلية والتمايز، وصور مختلفة من الإقليمية الإثنية، وثقل الهجرة، وصوَر صاعدة من التديُّن ثم التحوُّل من الاقتصاد المنتِج إلى اقتصاد «الشَّلِب»، قليله وكثيره. تفعل كلُّ هذه العوامل فعلَها في التنظيم المكاني والاجتماعي للقارة الأفريقية، وتؤثّر على توزيع السكّان والطريقة التي تعمل بها الأسواق في واقع الأمر، وهي بذلك تُبدِّل من الأساس المادي للسلطان («حول ما بعد الاستعمار»، ص 85-86). لكنْ، أقَرَأ الدكتور أشيل مبيمبي «البيان الشيوعي»، للمرحومَين كارل ماركس وفردريك إنجلز وصاحبة الصفاء المرحومة جني ماركس، الذي قال أنقذته الكاثوليكية من غوايته، أم اكتفى بالقُوَالة؟ الأكيد أنه لم يقرأ بيان «نحن والرّدى».
يُتبع…



