أتر

في نهر النيل: ملتقى شعاره الصناعة ومصانع مُهاجرة

منذ اندلاع الحرب في الخرطوم في أبريل 2023، وعقب تضرُّر العاصمة الخرطوم من النزاع، احتضنت ولاية نهر النيل مصانع وشركات باحثة عن بيئة آمنة لاستمرار أعمالها والاستفادة من التسهيلات والمقومات التي توفرها الولاية، إذ انتقلت عشرات المنشآت من العاصمة إلى مدن نهر النيل خلال الفترة الماضية.

لعلّ هذا ما دفع وزارة الاستثمار والصناعة والسياحة والمحاجر، لتنظيم مُلتقى الاستثمار تحت شعار «الصناعة قاطرة التنمية المستدامة» خلال الفترة من 26 إلى 30 يناير 2026 بالميناء البري بمدينة عطبرة. وشمل الملتقى استعراض منتجات المصانع والشركات الكبرى، إلى جانب عرض الصناعات المحلية والحرفية، فضلاً عن استعراض أوراق عمل علمية متخصّصة حول واقع الصناعة في الولاية ومميّزاتها، إضافة إلى معارض تراثية وبرامج مصاحبة ومسابقات متنوّعة، ما جعله منصّة شاملة لربط المستثمرين بفُرَص الاستثمار الصناعي المتاحة في نهر النيل.

متحدّثة لـ«أتَـر»، قالت الأمين العام لجهاز الاستثمار القومي الاتحادي، أحلام مدني سبيل، إنّ التوجه الحالي يشمل إجراء تعديلات على قانون الاستثمار بما يسهم في تحديث البيئة التشريعية وتسهيل الإجراءات أمام المستثمرين، وأوضحت أنّ الجهاز يعمل على التوسّع المؤسسي عبر فتح فروع في عدد من الولايات، مع ربطها بنظام إداري وفني موحّد يتيح تقديم الخدمات الاستثمارية داخل الولاية دون الحاجة للرجوع إلى المركز، وأضافت أنّ هذه الخطوة تأتي لتقريب الخدمات من مواقع الإنتاج، مشيرةً إلى أنّ تجربة ولاية نهر النيل تمثّل نموذجاً يمكن البناء عليه في تنظيم العمل الاستثماري على مستوى الولايات.

وكانت ولاية نهر النيل قد شرعت في التخطيط لإنشاء أربع مدن صناعية مكتملة إدارياً وفنياً، تشمل مدينة النيل جنوب الولاية، وأم الطيور غرب النيل، والهودي في عطبرة شرقاً، والغبش غرب بربر، لتوسيع النشاط الصناعي وتسهيل الخدمات للمستثمرين.

مصانع مهاجرة

متحدّثاً لـ«أتَـر»، قال عبد الوهاب عبد المنعم، مدير العلاقات العامة لشركة «بيكو» للّحوم، إنّ «ولاية نهر النيل هي أول ولاية رحّبت بالقطاع الصناعي، بعد أن تكبّد خسائر كبيرة في الحرب بالخرطوم جرّاء الدمار الذي أحدثته قوات الدعم السريع»؛ وأضاف: «بدأنا من العدم، لكنّ البنية التحتية هنا مناسبة لنا، لذلك بدأنا الإنتاج مباشرة، وأصبحت منتجاتنا متوفرة لجميع المناطق الآمنة من الحرب».

«لقد نجحنا في توفير إنتاج سوداني كامل من منتجاتنا للّحوم وغطّينا رقعة كبيرة جداً من السودان في هذه الظروف، كما لبّينا جزءاً كبيراً من طلب السوق بعد توقّف الوارد لفترات، عبر منتجاتنا من اللحوم كالكفتة والسجق والهوت دوغ والبرغر والفراخ وغيرها»، يقول عبد المنعم في حديثه لـ«أتَـر»، ومن ثمّ يضيف أن حكومة الولاية وهيئة السكة الحديد وفرتا للمستثمرين تسهيلات وشراكات مع القطاع الحكومي.

وبالمثل، أكّد فاروق عباس، مدير مصنع «باور» للمنتجات الإسمنتية، في حديثه لـ«أتَـر»، أنّ اختيار ولاية نهر النيل مقراً بديلاً للصناعة كان خياراً استراتيجياً ناجحاً للشركات العاملة في قطاع مواد البناء، وأوضح أنّ مصنعه المختصّ بإنتاج البلوك الأسمنتي ومنتجات البناء استفاد من الاستقرار النسبي في الولاية ومن توفر المواد الخام محلياً، ليضاعف إنتاجه ويغطّي جزءاً كبيراً من الطلب المتزايد على مواد البناء لأعمال إعادة الإعمار، ما ساعد في سد الفجوة الناجمة عن خروج العديد من المصانع في مناطق الصراع عن الخدمة.

أما مصنع يريم للدهانات فقد بدأ نشاطه في الولاية منذ عام 2009 باستخراج بودرة كربونات الكالسيوم، المنتج الخام المستخدم في صناعة الدهانات والأعلاف والبلاستيك والمواد الإنشائية، ومن بعد الحرب استغلّ المصنع  وجوده في الولاية، لتوفير كربونات الكالسيوم التي تدخل بنسبة 95% في صناعة الأسمنت وتتوافر عليها الولاية، بحسب حديث مدير المصنع الشيخ علي لـ«أتَـر»، الذي أوضح أنّ كثيراً من مصانع الدهانات باتت تعتمد على المادة الخام التي يُنتجها مصنعهم، بعد أن أصبحوا يوفّرون كربونات الكالسيوم لمصانع أخرى داخل السودان.

ولفت الشيخ إلى الميزة اللوجستية للولاية، إذ تعدّ منطقة استراتيجية لقُربها النسبي من ميناء بورتسودان ومعبر وادي حلفا البري، وقُربها كذلك من العاصمة الخرطوم، ومن ثم ولايتي الجزيرة والنيل الأبيض، ما يجعل عمليات التوزيع والنقل أكثر سهولة وأقل كلفة.

تحديات الطاقة

رغم هذه النجاحات، تَظلُّ مشكلة الطاقة من أبرز التحدّيات التي تُواجه المصانعَ في ولاية نهر النيل. وفي هذا السياق، يرى الشيخ علي أنّ «الوقود حتى الآن أسعاره منطقية»، لكن «لا جديد في وضع الكهرباء»، إذ لا تزال إمدادات التيار الكهربائي غير مستقرة، وتُعوَّض بالبدائل الأخرى مثل وحدات الطاقة الشمسية.

وخلال الملتقى، طرح الصناعيون هذه التحديات على طاولة المسؤولين، بحسب ما أخبر فاروق عباس، الذي أكّد الحاجة الماسّة إلى تحسين خدمات الكهرباء واستقرار الإمدادات الكهربائية، كونها عوامل حيوية لقطاع الإسمنت ومواد البناء والقطاع الصناعي عامة، مشيراً إلى أنّ الجهات المختصة وعدت بتقديم معالجات فعّالة لهذه المشكلات، كما جدّد والي نهر النيل، في كلمته خلال الملتقى، التزام حكومته بدراسة توصيات الملتقى والعمل على إزالة العقبات التي تواجه المستثمرين بالتنسيق مع الجهات الاتحادية، بما يضمن استمرار عجلة التنمية الصناعية في الولاية.

Scroll to Top