لما يقرب من سنتين اختبرت الحربُ الدائرة حالياً بالسودان صبرَ مدينة كادُقلي العريقة، أكثر من بقية مُدن إقليم كردفان، المُجزّأ لثلاث ولايات. وفي حين خضعت عدد من مناطق كردفان لسيطرة الدعم السريع والحركة الشعبية بالقوة أو دونها، قاومت مدينة كادُقلي وصمدت.
كانت قوات تحالف تأسيس، المُشكَّلة في 2025 من قوات الدعم السريع وقوات الحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو، وبعض الفصائل المُسلَّحة الأخرى، قد توغّلت كثيراً نحو المدينة حتى سيطرت، في 3 يناير 2026، على منطقة البرداب التي تبعد حوالي 25 كيلومتراً شمال المدينة بالطريق القومي الرابط بين كادُقلي والدلنج.
ومنذ ما قبل تكوُّن تحالف تأسيس، أحاطَت القوات مُجتمعةً بكادُقلي من جهات عدّة لأكثر من 22 شهراً؛ لكنّ المدينة، التي تكتسب أهمية فائقة في مسار العمليات الحربية الدائرة حالياً، لموقعها المُحصَّن بقوة في وسط الجبال الشاهقة ولربطها بين جنوب وغرب البلاد؛ تجاوزَتْ أحلك ظروف الحصار الذي اشتدّ بعد سيطرة قوات تأسيس على بلدة أم عدارة في مطلع أبريل 2025، وقطع الطريق بين كادُقلي وسوق النعام الذي كانت تُجلب منه السلع للمدينة. قاومت المدينة بعزيمةٍ الجوعَ الذي دفع سكّانها لتناول أوراق الأشجار، بقليل من الحظّ وكثير من الشجاعة والصمود إلى أن انفرجت أحوال سكّانها بفكّ الحصار عن مدينتهم يوم الثلاثاء الماضي 3 فبراير، ليصبح الطريق بين الدلنج وكادُقلي سالكاً لأول مرة منذ بدء الحرب في منتصف أبريل 2023.
الطريق إلى المدينة
بدأ فكّ حصار كادُقلي يلوح في الأفق بعد تمكّن الجيش في الأسبوع الماضي، ولأول مرة منذ حوالي سنتين، من الوصول إلى مدينة الدلنج الواقعة على نحو 116 كيلومتراً شمال كادُقلي، ومنها بدأ زحفه نحو كادُقلي عبر الطريق القومي الرابط بين الدلنج وكادُقلي، والذي يمتد لحوالي 130 كيلومتراً، والتي بلغها بعد معارك ضارية وإزاحة عدد من الارتكازات العسكرية للدعم السريع والحركة الشعبية.
ووفقاً لمصدر عسكري رفيع تحدث لـ«أتَـر»، وطلَب حجب اسمه، فإنّ «الوصول إلى كادُقلي لم يكن عملية يسيرة، وإنّ المهمّة كانت شبه مستحيلة، لأنّ المدينة كانت محاطة بحشود عسكرية كثيرة تتبع للدعم السريع والحركة الشعبية، اللتين تُطبقان الحصار عليها، وتستمرَّان في الزحف نحوها، حتى أصبحت المعارك تدور على تخوم المدينة، قبل أن تتوقف بعد فكّ حصار الدلنج».
وتابع المصدر نفسه: «خلال أسبوع تمكّن الجيش من إزاحة 7 ارتكازات مهمة لقوات تأسيس، وأهمّ ارتكازين من بينها يقع أحدهما في منطقة الدشول الواقعة على بعد 11 كيلومتراً بعد الكرقل، والآخر في منطقة التقاطع. تقدَّم الجيش بعد تجاوُز ارتكاز الدشول نحو منطقة الهاوية، ثم وصل إلى منطقة التقاطع، التي دارت فيها معركة ليلية استمرت لحوالي عشر ساعات، وذلك لأنها كانت مركزاً لأكبر حشد عسكري لقوات الدعم السريع والحركة الشعبية، وجُمِع فزعٌ وصل من لقاوة وأبوزبد وهجليج وأم عدارة، كما أرسلت الحركة الشعبية دعماً عسكرياً من منطقة كيقا تِيمِروه، وكذلك وصلت قوات من الدعم السريع من كيقا الخيل لضمان عرقلة تقدم القوات المسلحة».
ويضيف المصدر بالقول: «من التقاطع تقدَّم الجيش جنوباً إلى منطقة الكويك التي تبعد 10 كيلومترات، ويقع في الريف الشرقي لكادُقلي. ومن الكويك اتجهت هذه القوة، والتي تُسمّى «قوات فتح الطريق» وهي مكوَّنة من الصياد والمخابرات وبقية التشكيلات الأخرى، إلى منطقة خزان ميري، والتحمت مع قوات من الفرقة 14 متمركزة هناك، ومن ثمّ تحرّكت جميع القوات ووصلت، في صباح الثلاثاء، إلى كادُقلي التي كابد سكانها عناءً غير مسبوق خلال فترة الحصار».
فتح الطريق
هنالك طريق يبدأ من التقاطع إلى هجليج بولاية غرب كردفان، التي يخطّط الجيش للوصول إليها في أقرب وقت، خاصة وأنّ القوات المسلحة أضعفت قوة الفزع الذي جاء من مناطق عدّة، ما يجعل الوصول إلى هجليج والمجلد والفولة أيسر من أي وقت مضى.
وقال مصدر عسكري آخر، إنّ تقدُّم الجيش ووصوله إلى كادُقلي سوف يفتح الطريق نحو منطقة هجليج. وأضاف المصدر بالقول: «هنالك طريق يبدأ من التقاطع إلى هجليج بولاية غرب كردفان، التي يخطّط الجيش للوصول إليها في أقرب وقت، خاصة وأنّ القوات المسلحة أضعفت قوة الفزع الذي جاء من مناطق عدّة، ما يجعل الوصول إلى هجليج والمجلد والفولة أيسر من أي وقت مضى».
وفتحت خطوة إنهاء حصار الدلنج وكادُقلي شهية الجيش لخوض معارك في جبهات أخرى تزامناً مع تقدّمه في جنوب كردفان، وفقاً للمصدر السابق الذي قال لـ«أتَـر»، إن «فتح طريق كادُقلي جعل الجيش يفكر جدياً في فتح طريق الصادرات الرابط بين الأبيض والخرطوم»، ويقول: «منذ يوم الأربعاء الماضي احتدمت معارك قوية وبدأ التحرك الفوري لتحرير بارا وجبرة الشيخ».
وأشار المصدر إلى أنّ قوات الفرقة العاشرة في أبوجبيهة تستعدُّ لتفتح الطريق بين الأبيض والدلنج عند مناطق الدبيبات والحمادي وكازقيل والسنجكايا ومنها تتجه نحو غرب كردفان. ويختم المصدر العسكري بالإشارة إلى أن معارك كادُقلي مهّدت الطريق لفتوحات أخرى في مناطق مثل شمال كردفان وسوف تمتد إلى غرب كردفان قريباً.
هل تبدّلت أحوالهم؟
لم نكن لنَبقى على قيد الحياة لولا فكّ الحصار، إذ تبدلت، في وقت قليل، الأحوال التي ظننا أنها لن تتغير. بعد وصول الجيش إلى المدينة تدفقت السلع والأدوية وأصبح في مقدور المواطنين الخروج بحثاً عن العلاج أو الطعام بعد أن كانوا مُحاصَرين لما يقرب من السنتين.
وظلّت كادُقلي تعيش أوضاعاً قاسية خلال السنتين الماضيتين بعد تفشّي الجوع والكوليرا وإغلاق المستشفيات والمراكز الصحية. وفي نوفمبر من العام الماضي، أكّد كلّ من برنامج الغذاء العالمي، ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، واليونيسف التابعة للأمم المتحدة أن كادُقلي تشهد مجاعة.
وتسبَّب الجوع في موت أكثر من 10 أطفال بمدينة كادُقلي في يوليو وأغسطس من العام الماضي بعد توقف وصول المواد الغذائية وارتفاع أسعارها داخل سوق المدينة القابعة تحت الحصار. ويقول أحد سكّان كادُقلي لـ«أتَـر»: «مررنا بظروف قاسية، وعانينا من الجوع والملاريا والكوليرا، وتوفي كثير من المواطنين بسبب الأمراض والحمّيات وأمراض سوء التغذية الذي يكاد يصيب كل سكان المدينة». ويضيف المواطن الذي فضّل حجب اسمه: «لم نكن لنَبقى على قيد الحياة لولا فكّ الحصار، إذ تبدلت، في وقت قليل، الأحوال التي ظننا أنها لن تتغير. بعد وصول الجيش إلى المدينة تدفقت السلع والأدوية وأصبح في مقدور المواطنين الخروج بحثاً عن العلاج أو الطعام بعد أن كانوا مُحاصَرين لما يقرب من السنتين».



