كلمة تحرير: جزاء المُواطن
ثلاثة أخبار في غضون الأسبوع الماضي، ورَدَتْ في هذا العدد، من 24 القرشي وود مدني والقضارف، حملت في طياتها جباياتٍ مجنونةً على التجار والفريشة وحتى المتسوقين، فرضتها السلطات المحلية. لقد تحمَّل سكان قرى ومدن الجزيرة وسنار وغيرها الأهوال حتى عادوا إلى بيوتهم ودكاكينهم وزراعتهم ومواشيهم. وها هم يبدأون من الصفر؛ وفي الوقت ذاته عادت السلطات الحكومية في تلك المناطق إلى سلوكها المعهود في ابتداع الجبايات وطرق تحصيلها التي صارت أشدَّ على العاملين في الأسواق، وهم يسعون وراء أرزاقهم يوماً بيوم؛ حتى نَفَّذَ بعضهم إضراباً، بينما دفع الأمر آخرين للتفكير في مغادرة السوق كليّاً.
لقد ظل كادحو الأسواق، يَدفعون للحكومة، مُمثّلةً في المحليات، ثمنَ إخفاقاتها عن تقديم أبسط الخدمات، لتتحوَّل جباياتها وضرائبها ورسومها وعوائدها، إلى عائل لثمن الوقود والسيارات الحكومية والاحتفالات والاستقبالات، ومصاريف أخرى غير مرئية، دون عائد ملموس على محيط الناس.
المُلاحظ أنه ومنذ نظام الإنقاذ، تنظر الحكومة إلى السوق عائلاً لها، لا مكاناً يَتعيَّنُ عليها رعايته وتنميته لمصلحة البلاد ومواردها والعباد وأرزاقهم.
هذه إذن، معادلة مُختلَّة وقديمة، لكن مُتغيّرات الحرب خلقت واقعاً أشد ضراوة: مثلاً في سوق القرشي، نرى بدعة جديدة، حيث أوكلت المحلية تحصيل الرسوم لـ«متعهدين» – بدلاً عن المتحصلين – يتحصَّلون من العاملين في السوق رسوماً يومية دون إيصالات، على أن يأخذ المُتعهِّد نصيباً متفقاً عليه مما حصّله، ويدفع بالباقي إلى المحلية. يحدث كل ذلك تحت نظر وحماية الجهات الأمنية.
في جولته في سوق السجانة بالخرطوم الأسبوع الماضي، خاطبَ رئيس الوزراء كامل إدريس، جمعاً يبدو أنه من تجار السوق، ليُشدِّد في حديثه إليهم بأن لا يدفعوا أي جبايات غير قانونية، وأن باب الشكاوى مفتوح لكل مواطن رأى مظلمةً. وأغلب الظن أن حديثه هذا جاء نتيجة شكاوى تلقَّاها من تجار سوق السجانة. لكن أليس من الأجدى أن تبحث الحكومة عن موضع الخلل على مستوى قاعدتها المُتمثّلة في المحليات، قبل أن يجأر الناس بالشكوى والإضراب والركود والعزوف عن ممارسة سبل العيش؟
هذا الأسبوع التقى الفريق إبراهيم جابر، بعدد من مندوبي المنظمات الدولية والسفارات في الخرطوم، مُبيّناً أن استراتيجية الحكومة حالياً، هي تسهيل عودة المواطنين بدعم من الحكومة، لكن بدلاً من تسهيل الأعمال وتشجيع التجارة، تضع الحكومات المحلية عراقيل تنحرف عن القانون وغير قابلة للمحاسبة، والأهم من ذلك أنها تَفتَحُ أبواباً من الفساد السياسي والاقتصادي تكفل تدمير أي فرصة للتعافي.
تحت ظل أي ظروف عادية، كان سيتعيَّنُ علينا أن نُوجِّه مثل هذه الكلمة إلى السلطات والجهات المعنية لتصحيح وضع له عواقب على حياة الناس، لكن الظرف الحالي استثنائي، وتَنعدم فيه المؤسسات الإصلاحية من مجالس تشريعية وقضاء وصحافة ومجتمع مدني، وجميعها تَعرِفُ متى ينبغي عليها تصحيح الأخطاء.
إن التزامن بين ما يجري في أسواق 24 القرشي والقضارف وود مدني وربما غيرها، يُشير إلى توجُّهٍ عامٍّ نحوَ سحق المواطنين بغير الرصاص أو المسيرات أو المدافع، بل بمخالب السلطة التي قال المؤرخ ابن خلدون عن تدخّلها في السوق واقتصاد الناس بأنه «مضرٌّ بالرّعايا ومفسد للجباية».
فريق التحرير



