أتر

مدارس الخرطوم: عامٌ دراسي كيفما اتفق

في سبتمبر من العام الماضي، أعلن مدير إدارة الشؤون التعليمية بمحلية الخرطوم، عمر الحاج أبوهريرة، خلال تدشين بداية العام الدراسي 2025-2026، عن إعادة افتتاح جميع مدارس المحلية بمراحل التعليم المُختلفة، مشيراً إلى عودة العملية التعليمية، وأشار إلى توفر الكتاب المدرسي بنسبة 100% بجانب استجلاب الولاية لنحو 100 ألف وحدة إجلاس جديدة ستوزع على المدارس، وفقاً لما نقلته عنه وكالة سونا للأنباء.

انتقدت لجنة المعلمين بمحلية الخرطوم تصريحات أبو هريرة في حينها، وقالت في بيان صادر عنها – طالعه مراسل «أتَر» – إن 80% من سكان المحلية إما نازحون أو لاجئون.

ولأن التعليم يُعَدُّ من أهمِّ الخدمات التي دفعت النازحين في ولايات السودان واللاجئين خارجه – خاصة الأسر – إلى ترك مدينة الخرطوم أثناء الاشتباكات بين الجيش والدعم السريع في مدينة الخرطوم، والتي استمرت قرابة سنتين من الحرب؛ حاول مراسل «أتَر» التواصل مع مدير التعليم بمحلية الخرطوم ليجيب عن أسئلته، لكنه رفض الإجابة عن أسئلته قائلاً: «لدينا تعليمات من الوزارة الولائية بأن لا نُعطي أي معلومات حول العملية التعليمية بالمحلية»، ووجه بالتعامل مع إحدى الوزارتين الولائية أو الاتحادية، لكن تعذر على المراسل الوصول إليهما؛ لكن مدير التعليم أردف في تصريح مُقتضب أن «الوضع التعليمي في محلية الخرطوم يَشهَدُ حراكاً كبيراً نحو الاستقرار، بعد فترة طويلة من التوقف بسبب الحرب».

وكان عضو مجلس السيادة، رئيس اللجنة العليا لتهيئة بيئة العودة إلى ولاية الخرطوم، الفريق إبراهيم جابر قد أعلن عام 2026 «عاماً للتعليم» في ولاية الخرطوم.

وكشفت جولة لمراسل «أتَر» في أطراف محلية الخرطوم، أن هناك خطوات فعلية لاستعادة الحياة الدراسية، لكنها تَكاد تنعدم كلَّما توغَّل المرء إلى داخل المحلية. كما أن أغلب المدارس الحكومية في محلية الخرطوم قد استأنفت عملها، ففي حي جبرة وحده استأنفت ما لا يقل عن 7 مدارس حكومية عملها، منها مدارس ثانوية ومتوسطة وابتدائية، بينما يختفي نشاط المدارس في الأماكن التي تُعتبر عودة المواطنين إليها ضعيفة، مثل مناطق الخرطوم 2، والمنشية، والطائف، التي تَسكُنها أعداد أقل من السكان، ولا تزال تعمل بها بعض التكايا.

تجميع المدارس

كشف مصدر مُطَّلعٌ من داخل مكتب الإحصاء التابع لإدارة التعليم بالمحلية، لمراسل «أتَر»، عن أنه حتى نهاية شهر يناير، فإن 161 مدرسة فقط من جملة 450 حكومية وخاصة، تعمل بنحوٍ وصفَه بالجيّد، والبقية إما مغلقة لعدم توافر أعداد مُناسِبة من الطلاب، أو طالها دمار أو نهب.

وعلى الرّغم من التصريحات التي تتحدَّث عن أن العملية التعليمية تمضي بنحوٍ جيّد، فقد كشف مصدر مُطَّلعٌ من داخل مكتب الإحصاء التابع لإدارة التعليم بالمحلية، لمراسل «أتَر»، عن أنه حتى نهاية شهر يناير، فإن 161 مدرسة فقط من جملة 450 حكومية وخاصة، تعمل بنحوٍ وصفَه بالجيّد، والبقية إما مغلقة لعدم توافر أعداد مُناسِبة من الطلاب، أو طالها دمار أو نهب. وعن المدارس الخاصة، قال المصدر إنها تخضع لرقابة مُشدَّدة للتأكد من جاهزيتها الفنية، إلا أنه عاد وأكد أن جزءاً كبيراً منها يُقدَّرُ بـ 60% جاهز للعملية الدراسية، لأن مُلّاكها هم من قاموا بتعميرها.

صور تحصلت عليها "أتَر" توضح عملية دمج مدارس من محلية الخرطوم

المصدر: لجنة المعلمين

المصدر الذي تحدث مشترطاً حجب اسمه، أشار إلى أن بعض المدارس كانت تُستخدم «ثكنات عسكرية» أو مواقع دفاعية، وقد تدمرَّتْ أثاثاتها ومبانيها. وقال: «فقدَتْ مُعظم مدارس المحليّة معامل الحاسوب، والأجهزة الكهربائية، والمكاتب، وهو ما يمثل العائق الأكبر أمام العودة الكاملة». وأشار إلى حصر المعلمين التابعين للمحلية والذين نزحوا إلى ولايات أخرى أو خارج البلاد، تمهيداً لإصدار قراراتٍ بعودتهم لمُباشرة العمل. وكشف عن أن إدارته أجرَتْ بحثاً ميدانياً على المدارس، ووجدَتْ فيه أن القوة العاملة من المُعلِّمين تبلغ ما بين 30% و40%، في أحسن المدارس حالاً. وأشار إلى أن الوزارة وفَّرت 30% فقط من الكِتاب المدرسي بالمحلية، وأن أولياء أمور الطلاب يُوفِّرون بقية الكتب من أموالهم الخاصة. ونوه إلى عدم توفر كُتُبِ الصف الأول بالمرحلة الثانوية في المحلية. ولفت المصدر إلى أنه لا تزال هناك بعض المدارس تُستخدم مراكزَ لإيواء مواطنين منازلهم مُدمَّرة، وأن السلطات تَعملُ على إيجاد بدائلَ لهم لإخلاء المدارس واستئناف الدراسة فيها.

بمحلية الخرطوم 54 مدرسةً ثانويةً أكاديمية، و6 مدارس فنية ودينية، تعمل منها حالياً 25 مدرسة فقط، وإن أعداد الطلاب الذين يَنتظمون في الصفوف الدراسية بالمدارس المُجمَّعة 18,322 طالباً من البنين، وعدد المعلمين 250 مُعلّماً، وفي مدارس البنات عدد الطالبات 20,000 طالبة وعدد المعلمات 270 معلمة. 

وقال المصدر، إن بالمحلية 54 مدرسةً ثانويةً أكاديمية، و6 مدارس فنية ودينية، تعمل منها حالياً 25 مدرسة فقط، وإن أعداد الطلاب الذين يَنتظمون في الصفوف الدراسية بالمدارس المُجمَّعة 18,322 طالباً من البنين، وعدد المعلمين 250 مُعلّماً، وفي مدارس البنات عدد الطالبات 20,000 طالبة وعدد المعلمات 270 معلمة. 

وكانت لجنة المعلمين، قد قالت سابقاً إن هناك نقصاً كبيراً في أعداد المعلمين، وإن كل مدرسة ينبغي أن يتوفر بها 15 معلماً كحدٍ أدنى، وكشفت عن أنها تحصلت على أرقام تبين أنه يوجد بمدارس الأولاد المجمعة 8 معلّمين لكل مدرسة بنقص يمثل أكثر من 49% من الاصطاف الكامل، وفي مدارس البنات توجد 7 معلمات لكل مدرسة، بنقص يمثل أكثر من 50%.

ووفقاً لإعلام التعليم بالمحلية، فإن 240 مدرسة، تخضع حالياً للتقييم الفني في محلية الخرطوم، تشمل المدارس الحكومية والخاصة. وكشف المصدر عن 36 مدرسة في المحلية دُمّرت بالكامل، وقال إن تقرير لجنة التقييم قَسَّمَ المدارس المُتبقّية إلى ثلاث فئات: أضرار كبيرة، متوسطة، وخفيفة، لبدء الصيانة العاجلة.

وتجرى هذه الأيام، امتحانات الشهادة الابتدائية في محلية الخرطوم للعام 2026م، والتي بدأت في السابع من هذا الشهر وتستمرُّ حتى منتصفه. ووفقاً لإعلام إدارة التعليم بالمحلية، فإن الامتحانات تجري «وسط ترتيبات وتنظيم وتنسيق مُحكَم بين جميع الجهات المعنية».

رأي المعلمين

متحدثاً لمُراسل «أتَر»، يَرَى مُدير إحدى المدارس بوسط الخرطوم، طالباً حجب اسمه – وهو نازح إلى إحدى ولايات شمال السودان – أن استئناف العملية التعليمية يتعيّن أن يكون بعد زوال الأسباب التي دعت إلى توقُّفها، مُعتبراً أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية المُتردِّية في الخرطوم تحول دون عودة المواطنين إلى منازلهم، وأشار إلى عدم توفر الحاجيات الأساسية للمواطنين، وعدم اكتمال عودة الأسر، بسبب ضعف الخدمات، والتفلُّتات الأمنية، ما يَنعكس على حضور الطلّاب للمدارس. وأضاف: «معظم مواطني المحلية حالياً غائبون، وفيهم المعلمون والتلاميذ وهم ما بين نازح ولاجئ، وهو وضع لا يمكن الحديث فيه عن نظام تعليمي مُستّقِر». ولفت إلى أن انتشار الأمراض، وتدهور الخدمات، والنهب الذي طال المنازل والمُمتلكات، من ضمن الأسباب التي تجعله متردِّداً في العودة إلى منزله ومدرسته حالياً.

من جهته قال عبد الحميد الجاك علي، المُوجِّهُ التربوي بمحليّة الخرطوم، لمُراسل «أتَر»، إنه بنظرةٍ بسيطةٍ لحالِ المدارس، فإن هناك نِسَباً أقلّ كثيراً لحضور المعلمين والتلاميذ بوسط محلية الخرطوم وشرقها، بالمقارنة مع جنوبها، وقال: «هناك نسبُ حضورٍ جيدة للأساتذة والطلاب، بأطراف المحليّة، بينما تَضعف نِسب الحضور كلَّما توغلت داخل المحلية»، ووصف نسب الحضور في أحياء مثل «الخرطوم 2 و3 والصحافات والبراري» بأنها ضعيفة، ولا تتعدى 3% بحسب تقديره؛ بينما تَصِلُ نسب الحضور في أطراف المحلية لأكثر من 50%، كما كشف عن أن كثيراً من المعلمين أخذوا إجازات بدون مرتب، ومنهم من هو خارج السودان وآخرون يعملون بمدارس خاصة، وبرَّر ذلك بضعف الرواتب.

وفي مدرسة الخرطوم الجديدة، بحي الخرطوم 3 والتي تعرَّضَتْ لأضرار بالغة، يقول مُعلِّم بالمدرسة تحدث لمراسل «أتَر»، طالباً حجب اسمه، إن المدرسة فقَدَتْ جميعَ ما فيها من أثاث مدرسي ومعامل الفيزياء والكيمياء والمكتبة التاريخية. وقال إنه حتى الآن لم تَعُد المدرسة للعمل بكامل طاقتها الاستيعابية للطلاب في جميع الصفوف، ولكنها تعمل حالياً «مركزاً تجميعياً» لطلاب الفصول النهائية (الثالث الثانوي) المُسجَّلين في محلية الخرطوم لضمان مُراجعتهم قبل الامتحانات.

وأشار إلى أنه جرى ترشيح مباني المدرسة لتكون أحد المراكز الرئيسة لامتحانات الشهادة الثانوية المُقرَّر عقدُها في 13 أبريل 2026، وذلك بعد الفراغ من عمليات التطهير والصيانة الجارية حالياً. وقال إن المدرسة حالياً موضوعةٌ ضمن خُطّة الإعمار العاجلة التي أطلقتها ولاية الخرطوم لعام 2026، وإن هناك جهوداً كبيرة من «رابطة خريجي الخرطوم الجديدة» للمُساهمة في ترميم المباني واستعادة إرث المدرسة؛ كاشفاً عن أن المدرسة تُعاني من انهيار شبكات المياه والصرف الصحي، ما يجعلها بيئةً خصبةً للأوبئة.

المدارس الخاصة

بحسب جولة لمُراسل «أتَر»، تعمل في مناطق الكلاكلة حالياً عددٌ من المدارس الخاصة، مثل مدرسة الأبرار، والزهراء، والمنارة ومدارس الكودة. وتعدُّ الرسوم الدراسية هي الصعوبة الأساسية التي يُعاني منها أولياء الأمور في مدينة الخرطوم، فرسوم العام الدراسي في المدارس الخاصة تتراوح ما بين 650 ألفاً ومليون جنيه للطالب في المرحلة الابتدائية والمتوسطة، و1.5 مليون جنيه للمرحلة الثانوية.

مُتحدثةً للمراسل، تقول المعلمة هبة، وهي وكيلة في مدارس التعليم البريطانية فرع الكلاكلة، وقد افتُتحت في الكلاكلة اللفة بمبنى بنك النيل، إن هناك إقبالاً واسعاً على المدارس الخاصة في الكلاكلة، وأضافت أن رسوم رياض الأطفال في مدارس التعليم البريطاني، تبلغ مليون جنيه، إضافة إلى رسوم التسجيل التي تبلغ 100 ألف جنيه للتلميذ مع التزام الرياض بتقديم شنطة وزيّ روضة.

وقبل الحرب كانت تنتشر فروع مدارس التعليم البريطاني داخل الخرطوم، أما الآن فتقتصر فروعها العاملة على الكلاكلة اللفة وحي يثرب، بحسب ما أخبرت هبة، إضافة إلى فرعين يُتوقَّع افتتاحهما مع العام الدراسي الجديد بأركويت والعمارات.

وبحسب رصد مراسل «أتَر»، يُوجد ما لا يقل عن 4 مدارس نشطة تابعة لمدارس الكودة في مناطق الكلاكلة فقط، ومدرسة أخرى في أركويت، وهي مدارس أساس ومتوسطة وثانوية.

يقول مالك إحدى المدارس الخاصة في اللاماب بحر أبيض، لمراسل «أتَر»، إنه في العام الذي نشبت فيه الحرب، كان عدد الطلاب بمدرسته 800 طالب وطالبة، وإنه أعاد تعمير مدرسته في منتصف العام الماضي بعد سيطرة الجيش على ولاية الخرطوم، وخسر في ذلك مبالغ كبيرة لإعادة المدرسة إلى وضعها القديم، بيد أنه كشف عن تدنِّي تسجيل التلاميذ في مدرسته، وقال: «حتى الآن، فإن عدد الطلاب بالمدرسة 210 فقط، وما يدفعونه لا يبلغ لـ 40% من تكلفة تشغيل المدرسة»، وأضاف: «لا عجب في قلة أعداد الطلاب، إذ إن الحي الذي توجد فيه المدرسة، يَغيب أغلب سكانه، والموجودون لا يُساوون 45% من جملة سكان الحي، وبوضع كهذا، فإنني سأضطرُّ لإغلاق المدرسة».

تكاليف إضافية في المدارس الحكومية

يعاني أطفالي في الوصول إلى مدارسهم بسبب الأزمات في المُواصلات، وتقع مدرستهم الحكومية على بعد كيلومترَيْن من المنزل، وهي مدرسة ليست قريبة، ولكن المدرسة القريبة من المنزل لم تَستأنف الدراسة بعد، وتجري بها عمليات صيانة حالياً. ويضطر أطفالي في كثيرٍ من الأحيان للذهاب راجلين للمدارس، إما لعدم توفر المواصلات أو لعدم توفُّر قيمة التذكرة.

وتقول معلمة بإحدى المدارس الحكومية للبنات بحي الصحافة، لمراسل «أتر»، إن المدرسة تتلقَّى 20 ألف جنيه من كل ولي أمر عند التسجيل للصف الأول، إضافة إلى دفع مبلغ للتسجيل أيضاً للتلميذات اللائي يُحوَّلْنَ إلى المدرسة من مدارس أخرى. وخلال العام الدراسي، يُطالَبُ أولياء الأمور بدفع مبلغ يسمى «مساهمة»، ويختلف من مدرسة إلى أخرى بحسب احتياجات كل منها، وهو لا يَختلف كثيراً عن مبلغ تسجيل الصف الأول، فضلاً عن مبلغ يُدفع رسوماً للامتحانات.

متحدثاً لـ«أتَر»، قال إسماعيل الأمين جمعة، وليُّ أمر تلاميذ مدرسة بحي الأزهري، جنوبي المحلية، إن أطفاله يُعانون في الوصول إلى مدارسهم بسبب الأزمات في المُواصلات، وأشار إلى أنّ مدرستهم الحكومية تقع على بعد كيلومترَيْن من المنزل، وهي مدرسة ليست قريبة، وأنهم اختاروها لأن المدرسة القريبة من المنزل لم تَستأنف الدراسة بعد، وتجري بها عمليات صيانة حالياً. وقال إن أطفاله يَضطرُّون في كثيرٍ من الأحيان للذهاب راجلين للمدارس، إما لعدم توفر المواصلات أو لعدم توفُّر قيمة التذكرة.

وتَفرض المدرسة رسوماً من مجلس أمنائها للتسيير، إضافة إلى رسوم الامتحانات التي دفعها في الأيام الماضية، مُشيراً إلى أنه لا يَمتلك مصدر دخل ثابتاً، وبالتالي لا يستطيع توفير الرسوم الدراسية لأطفاله وشراء الكتب المدرسية، وقال: «كان الوضع أفضل قبل الحرب، وكنا نعمل، لكن الآن لا يوجد مواطنون كثيرون، فبالتالي الحاجة إلى العمل تَقل، ومع ذلك نريد لأطفالنا أن يدرسوا». واقترح ولي الأمر أن تُعفى الرسوم الدراسية وأن يُمنَحَ الطلّابُ إعانات تُساعدُهم وتُشجِّع الآخرين على العودة، وأضاف: «جيراني يُريدون العودة، لكن مثل تلك الظروف التي نُعانيها تمنعهم وأطفالهم، فالعمل متوقف، والأسواق التي كانت تعجُّ بالحركة أصبحت أثراً بعد عين». وكشف عن أنه يَشعر بالقهر لأنه مُضطرٌّ إلى إرسال أطفاله لبيئة مدرسية مُتهالكة لمُجرَّد ألا يضيع مستقبلهم. وقال: «تراكم النفايات، والمخاوف من الأوبئة مثل الكوليرا أو الملاريا تُلاحقنا، ونخافُ على أبنائنا من لدغة البعوضة، لأن تكلفة العلاج أصبحت مستحيلة».

توقف الدعم

خلال الحرب، كانت غرف الطوارئ تعمل على دعم الطلاب في مدينة الخرطوم، ويتمثل دعمها في الاحتياجات التعليمية مثل توفير الكراسات والكتب والمساهمة في الرسوم الدراسية وحتى توفير الوجبات ومناشط ترفيهية أخرى للأطفال، وقد تلقت مناطق مثل الجريف وأركويت وجبرة ومناطق أخرى مثل هذا الدعم.

وتضمُّ غرف الطوارئ شبكةً واسعةً من الناشطين والعاملين في القطاع الخدمي والإنساني والخيري، وهي مُرتبطةٌ في لحظة قيامها مع بيئة العمل الخيري والإنساني التي ازدهرت في السودان في العقد الفائت، وكان لهذه الغرف نشاطٌ إنسانيٌ واضح في الخرطوم خلال فترة الاشتباكات وما بعدها.

مُتحدّثاً لمُراسل «أتر»، يقول أحدُ أعضاء غرف طوارئ ولاية الخرطوم، إن البرامج التعليمية التي كانت تُقدِّمُها الغُرَف قد توقفت الآن، لأن «الوضع تغيَّر» بحسب تعبيره، ويعزو سبب هذا التغيُّر إلى أن المنظمات المانحة صارت تدعم فقط مناشط «التأهيل» للمدارس مثل توفير المياه وإصحاح البيئة. ومع هذا، تقول غرف الطوارئ إنه لا تزال تصلها طلبات لتأهيل المدارس ولم تُنفَّذْ بسبب انعدام السيولة.

ويرى أن الوضع التعليمي الآن جيّدٌ مقارنة بما سبق: «ربما كلُّ شيء جيد مقارنة بالأيام العصيبة التي كانت تُهدِّدُ حياة الإنسان نفسه، ناهيك عن مستقبله التعليمي».

مساومة أخلاقية

متحدثةً لـ«أتر»، تقول المعلمة أميرة الحاج بمدرسة حفصة بنت عمر الحكومية الابتدائية للبنات، بحي الصحافة، والتي فتحت أبوابها في أحياء الصحافة جنوب مدينة الخرطوم، إن التلميذات رجعن إلى فصولهن بنحو لا بأس به – بحسب توصيفها -؛ وتضيف أن الفصل الذي كان يتَّسع لـ 50 وحتى 70 تلميذة قبل الحرب، يضمُّ حاليّاً حوالي 20 تلميذة فقط. وتعزو المعلمة نقصان عدد التلميذات لعدم رجوع السكان إلى منازلهم بنحوٍ كامل، خاصة أن جميع تلميذات المدرسة يأتين من المناطق القريبة حولها.

ولاحظت أميرة أن أولياء الأمور يُحاولون تخطِّي سنة أو سنتين وتسجيل بناتهم في سنوات دراسية مُتقدِّمة من المرحلة الابتدائية، وذلك بغرض كسب الزمن الذي ضيَّعتْه الحرب. ومع هذا، تقول المعلمة إن محاولاتهم تفشل في الغالب، إذا لم يُحضِروا ما يُثبت أن التلميذات أكملن ما عليهنَّ من السنوات الدراسية، كما قالتْ إن بعض التلميذات ليس لديهن أوراقُ إثباتِ شخصية، ومع هذا وجَّه مكتب التعليم المدارس بتسجيلهنَّ للسنين الدراسية، لكن يتعيَّنُ عليهنَّ إحضارُ أوراقٍ ثبوتيةٍ للجلوس لامتحان الشهادة الابتدائية.

أما حول مستويات التلاميذ عموماً، فتقول أميرة إن «المستويات أصبحت مُتدنِّية»، كما لاحظت أنماط سلوك لا تَعدُّها جيدة من نظرة تربوية وأخلاقية؛ وتعزو ذلك إلى عوامل نفسية ومادية وتربوية.

تقول معلمةٌ مُعلِّقةً على بيع المعلمات الآيسكريم، إن المعلم بمجرد بيعه الآيسكريم للطالب، يدخل في مساومة أخلاقية مع واجبه، «فالطالب الذي يشتري منك، ينتظر أن تتجاهل تقصيره وأخطاءه».

وأكثر ما يُزعجها هو شعور اللامبالاة الجماعي الذي تَشعر به لدى التلميذات، وتقول إن المعلمات يتأثّرن بهذا الشعور، وإنهن لا يَشعرن بجدوى الإصرار على تلميذة لم تَقم بتجليد كراسها أو الاهتمام به مثلاً.

أما عن أوضاع المُعلِّمات، فتقول أميرة، وهي مُعلِّمةٌ بالدرجة الثانية وتنتظر أن يجري ترفيعها للدرجة الأولى، إن المدرسة تعمل بطاقة 50% من عدد المعلمات، ومُرتّب معلمة الدرجة الأولى لا يتعدَّى 224 ألف جنيه (ما يعادل حوالي 60 دولاراً)، بلا أي حوافز أخرى، وتتكفل المعلمات بوجبة فطورهن بأنفسهن في المدرسة. وتقول إن بعض المعلمات يَضطّررن لبيع الويكة وصنع الحلويات وبيعها من منازلهن لتغطية نفقات أسرهن، وأغلبهن يأتين من حي الكلاكلة منذ الصباح بالمواصلات العامة.

تقول المعلمة رحاب، التي كانت تعمل في عددٍ من المدارس الحكومية والخاصة في محلية الخرطوم، وتعمل حالياً في مدرسة في أم درمان، إن أكثر ما لاحظته في طالب ما بعد الحرب هو الشراسة وصعوبة السيطرة عليه وتطويعه.

وتشير كذلك، إلى أن كثيراً من المعلمات اضطّررن إلى بيع الآيسكريم للطلاب في الفصل، وإلى أساليب أخرى بغرض كسب العيش، وذلك لأن المُعلِّمة في الدرجة الخامسة في المدرسة الحكومية يَبلغ مرتبها 135 ألف جنيه فقط (40 دولاراً أو أقل)، وحتى ذلك يمكن ألا تحصل عليه لعدة أشهر. وتقول مُعلِّقةً على بيع المعلمات الآيسكريم، إن المعلم بمجرد بيعه الآيسكريم للطالب، يدخل في مساومة أخلاقية مع واجبه، «فالطالب الذي يشتري منك، ينتظر أن تتجاهل تقصيره وأخطاءه».

Scroll to Top