أتر

بعد عودتها إلى العمل في مدينة الخرطوم: كيف تبدو المؤسّسات الخدمية؟

خلال تجواله في مدينة الخرطوم، بدا لمراسل «أتَـر» أنّ نشاط الشرطة السودانية ومراكزها هو الأبرز من بين المؤسسات الرسمية الحكومية التي بدأت تستعيد نشاطها في المدينة؛ ولا تمرّ دقيقة دون أن يشاهد المارّة أفراداً منتسبين إلى الشرطة. وبالمثل عادَتْ مُعظمُ مراكز الشرطة للعمل بما فيها شرطة المرور في مدينة الخرطوم، التي كانت ساحةَ اشتباكاتٍ عسكريةً مُنذ اندلاع الحرب في 2023 وحتى فرار قوات السريع من كامل الولاية في مايو 2025.

يكتب مراسل «أتَـر»: «يَبدو نشاط حركة السيارات والمُشاة خفيفاً في مركز الخرطوم والسوق العربي، مقارنةً بالحركة النشطة للسيارات والمشاة في أم درمان. وتبدو المقار الحكومية خفيفة الحركة لأفراد يعبرون من البوابات داخلين وخارجين، مثلما هو بمباني وزارة الثروة الحيوانية والسمكية، في امتداد شارع الحرية بالقرب من سوق أبو حمامة جنوب المدينة».

إجراءات الأوراق الثبوتية

يَزدحم مركز أبو آدم بعشرات المواطنين على مدار الساعة؛ ولاحظَ مُراسل «أتَـر» تزايُدَ النشاط التجاري للمحلّات القريبة من المركز، خاصةً محلّات بيع الأطعمة والمشروبات والاحتياجات الشخصية الخفيفة. هكذا كَتَبَ عن المشهد: «كلما ابتعد المرء عن المركز قلّت حركة الناس وزادت الوحشة».

أما في أحياء أبو آدم في مناطق الكلاكلات، فقد بدأ مركز أبو آدم لخدمات الجَوازات والسجلّ المدني، ويُسمّى شعبياً «جوازات أبو آدم»، عملَه منذ أغسطس الماضي. يعمل المركز هذه الأيام بنحوٍ مُكثّفٍ منذ ساعات الصباح وحتى الثالثة بعد الظهر، في مُعالجة طلبات استخراج شهادة الرقم الوطني وجواز السفر وشهادة الميلاد، مع توقّف إصدار البطاقة القومية كسائر ولايات السودان، عدا مجمعات خدمات الجمهور في أم درمان التي استؤنف فيها إصدار البطاقة القومية قبل أيام قليلة.

يَزدحم مركز أبو آدم بعشرات المواطنين على مدار الساعة؛ ولاحظَ مُراسل «أتَـر» تزايُدَ النشاط التجاري للمحلّات القريبة من المركز، خاصةً محلّات بيع الأطعمة والمشروبات والاحتياجات الشخصية الخفيفة. هكذا كَتَبَ عن المشهد: «كلما ابتعد المرء عن المركز قلّت حركة الناس وزادت الوحشة».

قابلَ مُراسل «أتَـر» عدداً من القادمين لاستخراج أوراقهم الثبوتية، وأغلبهم من مناطق وسط الخرطوم. وبشيء من الحذر والتحفّظ تجاه الحديث للصحافة، عبّروا عن يُسْرٍ في استخراج أوراقهم الثبوتية، مع فترة انتظار لاستخراج المستندات تتراوح بين 7 و 9 أيام، وبتكاليف استخراج لا تختلف كثيراً عن نظيراتها من مجمعات خدمات الجمهور في أم درمان. ويخدم المركز الصغير منطقة واسعة تمتد على مساحة مدينة الخرطوم، فهو المركز الوحيد الذي يعمل حالياً في محليتي الخرطوم وجبل أولياء.

يجري إصدار شهادة الميلاد للأعمار أقل من عمر سنة برسوم تبلغ 20 ألف جنيه، أما «بدل الفاقد” فبرسوم تبلغ 55 ألف جنيه، وشهادة الميلاد في بند التحرّي فتبلغ 55 ألف جنيه أيضاً، وكذلك إصدار شهادة الميلاد لمن ولدوا خارج السودان. أما رسوم شهادة الرقم الوطني الجديد «أول مرة» فتبلغ 20 ألف جنيه، أما بدل الفاقد فرسومه 55 ألف جنيه، أما رسوم الرقم الوطني في حال تعديل البيانات فهي 80 ألف جنيه. بالنسبة لجواز سفر الأطفال فرسومه 100 ألف جنيه، وللكبار 170 ألف جنيه. أما رسوم البطاقة القومية الجديدة والتجديد فهي 75 ألف جنيه.

هذا ما يتعلق بالرسوم من ولاية الخرطوم، وتختلف رسوم إصدار الأوراق الثبوتية من ولاية إلى أخرى، وذلك بسبب اختلاف «الرسوم الولائية» بين الولايات، والتي تختلف أيضاً حسب البند الذي يجري إصدار الأوراق الثبوتية به.

في مكان آخر في المدينة، تبدو المنطقة حول مباني مجمع خدمات الجمهور في السجانة خاليةً من حركة الناس. وأكّدت مصادر شرطية لمراسل «أتَـر»، أنّ مجمع خدمات الجمهور في السجانة لم يَعُدْ للعمل بعدُ بسبب عدم اكتمال عمليات التهيئة والصيانة، مع توقع عودته قريباً إلى العمل.

ويبدو لمُراسل «أتَـر»، أنّ طلبات إصدار الأوراق الثبوتية هي أحد الإجراءات الرسمية الأشدُّ إلحاحاً لدى الناس بعد انقضاء الاشتباكات العسكرية في الخرطوم، ومع هذا لا تزال الصفحات الإعلامية الرسمية تستمرُّ في وعود استئناف الخدمات في بقية المراكز الخدمية مثل مجمع العلاقات البينية ودائرة شؤون الأجانب في مركز مدينة الخرطوم.

تحدّيات أمنيّة

تُواجه الشرطةُ السودانيةُ تحدّيات أمنية هائلة، بينما تتناثر الأخبارُ عن شبكات إجرامية مُرتبطة بالسرقة ونشاطات أخرى كتجارة المخدرات، ومجموعات مسلّحة بأعداد مُتفاوتة وعضويّات مُتداخلة مع بعضها، ما يَجعل الملفَّ الأمني على درجة من التعقيد.

متحدّثاً مع مراسل «أتَـر»، يرى مصدر شرطي، أنّ الشرطة في الخرطوم تتعامل مع الملفِّ الأمني بتوازن مرن بين فرض حكم القانون واحتواء الأزمة الأمنية. ويضيف أنّ الشرطة تعمل بنحوٍ مُختلفٍ في العمليات مثل «الأطواف»، التي قد تتضمّنُ صداماً عسكرياً مع مجموعات مُسلّحة، وفي هذه الحالة تعمل الشرطة ضمن تشكيلات مُختلطة تضمُّ قوات من الشرطة السودانية والشرطة العسكرية للجيش السوداني والاستخبارات، وأحياناً القوات المشتركة المُنضوية تحت اتفاق سلام جوبا.

يَظهر التعقيد في الحوادث التي تَحتجز فيها الشرطة السودانية عدداً من الأفراد الذين يدّعون انتسابهم إلى القوات المشتركة الموقِّعة على اتفاق سلام جوبا. وفي حالة بروز بوادر صدام عسكري متّسع النطاق، يقول المصدر إنّ «توجيهات عليا” قد تَصدُرُ لإخلاء سبيلهم منعاً لانفجار أزمة لها أبعاد سياسية وعسكرية وأمنية.

في الحوادث التي تتسبَّبُ الأزمة فيها مجموعات مسلّحة صغيرة أو أفراد، يمكن للقُوَّة الشرطية أو التشكيل المشترك أن «يفرض هيبة الدولة» – كما يقول المصدر- ببساطة أكبر عبر القوة العسكرية. لكن يَظهر التعقيد في الحوادث التي تَحتجز فيها الشرطة السودانية عدداً من الأفراد الذين يدّعون انتسابهم إلى القوات المشتركة الموقِّعة على اتفاق سلام جوبا. وفي حالة بروز بوادر صدام عسكري متّسع النطاق، يقول المصدر إنّ «توجيهات عليا» قد تَصدُرُ لإخلاء سبيلهم منعاً لانفجار أزمة لها أبعاد سياسية وعسكرية وأمنية.

مُستشهداً بأحد حوادث الفترة السابقة، يضيف المصدر أنّ القوات المشتركة قد تُسلّم لاحقاً عدداً من الأفراد المرتبطين بالأزمة باعتبارهم متفلّتين أو تُعلن أنّ هؤلاء الأفراد لا يَتْبعون لها من الأساس. ويعتقد المصدر أنّ قيادة القوات المشتركة المُنضوية تحت اتفاق سلام جوبا، تَميل بدورها إلى تفادي إثارة البلبلة إعلامياً أو سياسياً. ومع هذا يبدو أنّ الملفَّ الأمنيَّ في الخرطوم، بتداخلاته العسكرية، يُدار بما سمَّاه «تفاهماتٍ عُليا» مع وحدات القوات المُختلفة، الأمر الذي يُضيف درجةً من التعقيد في محاولات فهمه وفكّ تشابكاته.

حركة نشطة وإقبال عالٍ

في الأسبوع الماضي تحرّك الشاب الجامعي محمد أحمد من أم درمان إلى مباني وزارة الصحة بولاية الخرطوم في شارع النيل الخرطوم، لدفع رسوم تتعلَّقُ بفترة التدريب في مجال التمريض في أحد المستشفيات. وقبل منتصف يونيو 2025 كان مثل هذا الإجراء يتطلَّبُ التوجُّه إلى مكاتب تابعة للوزارة في أم درمان، الثورة الحارة التاسعة.

قابل مُراسل «أتَـر» في جولته عشراتِ المُوظّفين والطلاب والمُتدرّبين وهم يَستقلّون المواصلات العامة من أم درمان للوصول إلى المؤسسات في الخرطوم، لإكمال إجراءاتهم الرسمية في الجامعات والوزارات والمؤسسات الأخرى التي أعيد فتح أبوابها في محلية الخرطوم.

يحكي سائقو المواصلات العامة، أنّ هناك إقبالاً ملحوظاً من الركَّاب، خلال الأسبوعين الماضيين، على استقلال المواصلات من أم درمان إلى الخرطوم، خاصةً وزارة الصحة التي يَسأل عن خط مواصلاتها كثيرٌ من الركاب، حتى أنّ سائقي خط بحري اضطرّوا إلى تمديد الخطِّ حتى كوبري المك نمر الرابط بين الخرطوم بحري والخرطوم ليَكون مُقارباً لمباني وزارة الصحة.

متحدثاً لمراسل «أتَـر»، يقول محمد المهدي 40 عاماً، وهو موظّفٌ بقسم الإحصاء بوزارة الصحة الولائية، إنه قبل 15 يونيو 2025 كانت الوزارة في أم درمان تعمل بعدد مُوظَّفين يُقدّرهم بربع العدد الكلي، بينما يُقدِّر الطاقة الكلية الحالية في مباني الوزارة بوسط الخرطوم بـ 75% من الطاقة الكلية للموظّفين. ويَحكي المهدي عن ظروفٍ شديدةِ الصعوبة يُعاني منها الموظفون بسبب ضعف الخدمات والرواتب، التي اضطرّته هو بدوره للبحث عن أعمال أخرى بجانب عمله في الوزارة. ومع ضعف الخدمات داخل الوزارة، يَعزو المهدي جزءاً ملموساً من المُعاناة إلى ضعف الخدمات التجارية التي كانت يُمكن أن تغطي الاحتياجات الشخصية حول منطقة الوزارة.

وزارات عائدة

تشرح ندى الخطة التي تعمل وفقها الوزارات العائدة، قائلة إنها بدأت العمل بخطة طوارئ 5+1، وتعني أنها بدأت العمل بوزير و5 موظفين، وبعد ذلك يزداد العدد تدريجياً لتغطية الحاجة الوظيفية، بما لا يدع ثغرة في سير العمل، حسب تعبيرها. وقالت إنّ الوزارات تختلف حالياً في الطاقة الوظيفية التي تُسيِّرُها، فمنها التي تعمل بـ 20% وأخرى بـ 30% من طاقتها التي كانت تعمل بها قبل الحرب.

وفي حديثها لمراسل «أتَـر»، قالت ندى عثمان، مديرة الإعلام والعلاقات العامة بوزارة الثقافة والإعلام والسياحة الاتحادية، إنّ الوزارة عادت لمباشرة أعمالها من ولاية الخرطوم منذ حوالي شهرين، ويَقبع موقعُ عملها الحالي في أبراج المعادن بمنطقة المجاهدين جنوبي الخرطوم، وهي أبراج يُسمّيها الإعلام الحكومي بـ«مجمع الوزارات»، ويضمّ 6 وزارات، هي المعادن، التجارة، الصناعة، العدل، الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، والثقافة والإعلام والسياحة، إضافة إلى مكتب رئيس الوزراء.

تشرح ندى الخطة التي تعمل وفقها الوزارات العائدة، قائلة إنها بدأت العمل بخطة طوارئ 5+1، وتعني أنها بدأت العمل بوزير و5 موظفين، وبعد ذلك يزداد العدد تدريجياً لتغطية الحاجة الوظيفية، بما لا يدع ثغرة في سير العمل، حسب تعبيرها. وقالت إنّ الوزارات تختلف حالياً في الطاقة الوظيفية التي تُسيِّرُها، فمنها التي تعمل بـ 20% وأخرى بـ 30% من طاقتها التي كانت تعمل بها قبل الحرب. وتعمل وزارة الثقافة الآن بطاقة بشرية قدرها 20 موظفاً، إضافة إلى العمّال والسائقين حسب تصريح مديرة الإعلام والعلاقات العامة.

في ما يخصّ المؤسّسات الأصغر، مثل المجالس والمراكز والإدارات الفرعية، فهي لا تزال تُحاول العمل بمرونة إدارية؛ فمنذ قرابة الشهر والنصف، عاد المسجِّل العام للشركات للعمل بمكتبه في الخرطوم في شارع القصر، ويقدّم الآن خدماته التي تجري أغلبها عبر المحامين.

ومع هذا، لا تزال عدَّة مؤسّسات تُمارِسُ أعمالَها خارج الخرطوم، مثل المجلس القومي للتخصُّصات الطبية، وتُواجه بعض المؤسسات التي عادت إلى الخرطوم مشكلاتٍ تنظيمية واتهامات وانتقادات من المتعاملين معها، تتلخَّص في تعقيداتٍ وتأخّرٍ غير مفهومين بالنسبة للناس.

Scroll to Top