يشتكي التجّار بسوق مدينة ود مدني من فرض السلطات المحلية «جبايات» ورسومَ ترخيصٍ وعوائدَ حكومية وصلت إلى مبالغ فاحشة، يَصفها التجّار بأنها تَفوق قدراتهم المالية في ظلّ الركود الاقتصادي الحالي بسوق المدينة، الذي تعصفُ به حالة من تداخل الصلاحيات والفوضى التنظيمية بين المحليات والجهات الولائية، أدّت إلى إرهاق التاجر بأكثر من ضريبة للخدمة ذاتها. ومع ارتفاع تكاليف التشغيل والضرائب، اضطرّ التجّار إلى رفع الأسعار، فعزف المواطنون في المقابل عن الشراء، ما جعل استمرار فتح المحلات خسارةً مُحقَّقة للتجّار.
وأشار بعض التجّار الذين تحدّثوا لمراسل «أتَـر»، إلى أنّ السلطات تَستخدم أساليب خشنة في التحصيل، بما في ذلك التهديد بالإغلاق القسري أو الغرامات، ما دفعهم لاتخاذ خطوة استباقية بالإضراب والإغلاق الشامل، لإيصال صوتهم إلى المسؤولين.
وشهد سوق ود مدني الكبير، الخميس 5 فبراير الجاري إضراباً وإغلاقاً للمحال التجارية، وهو ما أدّى إلى شلل تامّ في الحركة التجارية بالعاصمة الولائية. ووصف أحد التجّار لجوءهم لإغلاق السوق بأنه صرخة احتجاج ضد «سياسة الجبايات» التي تهدّد بخروجهم من السوق.
وكانت السلطات قد فرضت رسماً مالياً موحّداً قدره 3 ملايين جنيه سوداني على كلّ محلّ تجاري، دون مراعاة لحجم النشاط أو دخل المحلّ، ما اعتبره التجار «جباية قسرية» وليست ضريبة عادلة، وفقاً لما قاله تاجر بالسوق تحدث لمراسل «أتَـر». وأكّد التاجر أن هذه الرسوم فُرضت في وقت يعاني فيه السوق من ركود حادّ وضعف في القوة الشرائية، إضافة إلى الظروف الاستثنائية التي تمرّ بها الولاية، خاصّة وأن التجار فقدوا جميع مدّخراتهم في فترة الحرب، وأنهم «بدأوا من الصفر».
ورَوَى أحدُ التجّار بالسوق لمراسل «أتَـر»، كيف حضر إليه أشخاصٌ ادّعوا أنهم من هيئة المواصفات، وطلبوا منه مبلغ 450 ألف جنيه، رسماً شهرياً على متجره، ليدخل معهم في مفاوضات انتهت به لدفع مبلغ 200 ألف جنيه، ليتبين له لاحقاً أن لا صلة لهم بالمواصفات.
لاستجلاء الأمر، تواصل مراسل «أتَـر» مع مصدر مسؤول داخل هيئة المواصفات والمقاييس بولاية الجزيرة، فضّل حجب اسمه، فأوضح أنّ هناك رسوماً سنوية تتحصلها المواصفات على كلّ محلّ تجاري لا تتعدى مبلغ 150 ألف جنيه لأكبر متجر بالسوق، وأنها رسوم سنوية وليست شهرية. وقال: «ورَدَت إلى الهيئة بلاغات بشأن الأمر، ونحن لم نتحصّل رسوماً من التجّار حتى الآن، وليس لدينا متحصّلون بالسوق الآن».
وكشف تاجر آخر، عن رسوم كثيرة تتحصّلها جهات غير رسمية تدّعي أنها تابعة للمحليّة، وهم عناصر من المقاومة الشعبية، يَحملون بطاقات انتساب للمحلية. وقال التاجر إنهم يُبلغون الجهات الرسمية، لكنها لا تتحرّك، وحذّر من مغبّة استمرار ذلك وانعكاسه زيادةً في الأسعار، ما يُضيف أعباءً جديدةً على المواطنين، بخاصة مع اقتراب شهر رمضان. وأخبر مراسل «أتَـر» بأنه دفع في كثيرٍ من الأحيان ضريبة واحدة لثلاثة مُتحصّلين، وكلٌّ منهم بإيصاله، وقال: «لم نعرف المُتحصّل الحقيقي من المُزوِّر، فالجميع يدّعون أنهم من جهة الاختصاص، ويحملون بطاقات تثبت ذلك».
ووفقاً لرصد مراسل «أتَـر»، تشهد ولاية الجزيرة، موجةَ زياداتٍ كبيرة في الضرائب والجبايات على السلع والأسواق، وتختلف تفاصيل المبالغ والنسب الضريبية من محلية إلى أخرى داخل الولاية، لكنَّ السِّمة الغالبة هي شعور التجّار بأنّ هذه الجبايات لا تعود عليهم بأيّ تحسّن في الخدمات الأساسية داخل السوق (مثل النظافة أو التنظيم).
عضو الغرفة التجارية بولاية الجزيرة، محمد النّقيب، قال لمراسل «أتَـر»، إنه بعد أن استأنف السوق نشاطه زيدت رسوم العوائد، لفئة المَتاجر الكبيرة، من مليون إلى 3 ملايين جنيه، ولفئة المَتاجر المتوسطة من 500 ألف جنيه إلى مليوني جنيه. وزيدت رسوم الرخصة التجارية من 150 ألف جنيه إلى 500 ألف جنيه. كذلك، زيدت رسوم المواصفات إلى 60 ألف جنيه للدكّان مساحة أقلّ من 4 متر، و120 ألف جنيه للدكّان مساحة أكثر من 4 متر، كما زيدت رسوم الموازين والمعايرة إلى 60 ألف جنيه.
وكشف محمد النقيب عن اجتماع عقدته الغرفة التجارية مع سلطات محلية ود مدني يوم الأحد الماضي، توصّلوا فيه لتخفيض الرسوم والعوائد من 3 ملايين جنيه إلى مليوني جنيه للمتاجر الكبيرة، ومن مليوني جنيه إلى مليون وخمسمائة ألف للمَتاجر المتوسّطة. وجرى الاتفاق على تخفيض رسوم الرخصة التجارية من 500 إلى 400 ألف جنيه؛ بَيد أن النقيب قال إن هذا التخفيض دون الطموح، وأنهم يُعبئون التجّار لرفض ومُقاومة هذه الزيادات الكبيرة، التي تنعكس على أرباحهم.
وكشف النقيب عن تقديمهم مذكرةً إلى مديرة إدارة التجارة والتموين بولاية الجزيرة، مُطالبين بتخفيض رسوم «خطاب الحوجة»، وهي رسوم تُدفع عن كلِّ عربة مُحمَّلة بالبضائع قادمة من خارج الولاية إلى سوق مدينة ود مدني، إذ إنها قد ارتفعت من 16 ألف جنيه إلى 48 ألف جنيه. وطالب بإلغاء رسوم محلية تفرضها ولاية الجزيرة على أسواقها، يَدفع بموجبها أيُّ مُشترٍ من السوق مبلغ 20 ألف جنيه عن كلِّ عربة تحمل بضائعه لتخرج بها من مدينة ود مدني نحو أي منطقة أخرى، وقال إن هذه الرسوم تحديداً تؤثر على حركة التجارة بسوق المدينة، لأنها تجعل التجّار من مناطق أخرى يلجأون إلى أسواق مناطق وولايات أخرى لا تفرض عليهم مثل هذه الرسوم، ما يَتسبّبُ في كساد بضائع التجّار بود مدني. «تُدفع هذه الرسوم لوزارة المالية بالولاية، وهي مقابل ختم يُوضع على كلّ فاتورة لكلّ بضاعة خارجة من المدينة».
وانتقد النقيب ما سمّاه «التشدّد في تحصيل الضرائب دونما مراعاة لظروف التجّار»، وقال: «لسنا ضد الضريبة فهي واجب وطني، لكن لا بدّ أن تكون عادلة». ونوّه إلى أنهم ظلّوا يدعمون الجيش السوداني والفصائل المساندة له في معاركه ضد الدعم السريع، وقال: «لم ندخر جهداً في واجب وطني، ومن ثمّ كان يجب معاملتنا على نحو أحسن مما هو الآن، ونحن تجّار أفقدتنا الحرب كل شيء».
حتى الآن، يسود التوتر المشهد، إذ يصرّ التجار على «الإلغاء التام» لهذه الرسوم الجديدة والعودة إلى الفئات القديمة، بينما لم تُصدر السلطات الولائية قراراً نهائياً بالتراجع، وسط تحذيرات من مراقبين بأنّ استمرار الإغلاق سيخلق ندرة حادة في الغذاء والدواء، خاصة مع اعتماد أعداد كبيرة من السكّان على هذا السوق الحيوي.
وفي سياق متصل، نفّذ جهاز حماية الأراضي الحكومية بسوق ود مدني حملة لإزالة المخالفات بمربع 50 حيث أزيل عدد من الدكاكين والحمامات في القطعة رقم 75 بسوق العمارات، وفقاً لإعلام حكومة الولاية.
وقال تاجر ممن أزيلت متاجرهم، لمراسل «أتَـر»، إنّ الإزالة نُفّذت دون سابق إنذار، وإنه لم يُمنح موقعاً بديلاً لنقل بضائعه، ووصَف ما جرى بأنه لم يُراعِ الظروف التي يمرّ بها تجّار الولاية، وقال: «يريدون إزاحتنا لمنح المحال لتجّار آخرين».
